11 نوفمبر 2005

 

 

فهمي هويدي.. يلوم عمرو موسى!

خليل علي حيدر

 

اهتز ضمير المفكر الإسلامي الاستاذ فهمي هويدي قبل أسابيع، تعاطفا مع 15 مسلما صينيا، قررت السلطات الامريكية الافراج عنهم من سجن غوانتانامو منذ عشرين شهرا، لكنهم لا يزالون قابعين في السجن ولم يغادروه بانتظار بلد يقبل بايوائهم.

وأضاف أ. هويدي ان هؤلاء كانوا من الذين جرى اعتقالهم في اطار اللوثة الأمريكية التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر!

ضمير أ. هويدي المرهف الذي جرحه مصير 15 معتقلا صينيا في سجن غوانتانامو، لم ينعكس اطلاقا على مقالاته العراقية، حيث يفقد 25 عراقيا حياتهم كل يوم ويجرح ويتشوه العشرات، ويتيتم المئات.

أ. هويدي كتب قبل عدة اعوام، في مقال بعنوان رياح الدعايات المغشوشة، الاهرام-الوطن، 1/10/2002، قبل سقوط النظام الدموي في العراق بخمسة أشهر مشككا في الدوافع الأمريكية في حرب تحرير ا لعراق يقول: في الحالة العراقية، لم يعد سرا ان لافتة الديموقراطية ليست سوى ستار، اذا ازحته بيدك فلن ترى سوى آبار النفط ولن تشم سوى رائحته.

هكذا، وبكل تحامل على الحقيقة، وبكل تجاهل لعذابات أهل العراق ودكتاتورية صدام التوسعية، لم يلتفت أ. هويدي الا الى النفط العراقي، وهو الذي عايش تجربة 1990-1991 في احتلال الكويت، وقرأ وسمع الكثير عن طمع أمريكا ببترول الكويت، ورأى بأم عينه كيف ان البترول ارتفع سعره ثم انخفض اشد الانخفاض، ثم ارتفع اشد الارتفاع ولا يزال، وربما ينخفض او يرتفع الى ما لا نهاية!

وقد انخفض سعر البترول بعد تحرير الكويت بينما هو يرتفع الآن أشد الارتفاع بعد اسقاط نظام الطاغية في بغداد، وبعد حرب قيل الهدف منها تخفيض أسعار البترول ونهبه و تحطيم دول الاوبك وافقار دول الخليج وهيمنة أمريكا على النفط وجعله ربما أرخص من الماء.. في أمريكا!!

عندما اشتعلت اسعار النفط لعوامل وأسباب كثيرة مؤخرا، لم يراجع هويدي ما كتب ولم يقم بلوم نفسه وفكره على انه لم يتخذ موقفا اقتصاديا مستقلا، على ضوء التجربة الكويتية مثلا، الكويت التي استردت كل ما خسرته من مليارات بفضل التحرير الامريكي لها عام 1991، وبفضل عوامل سوق النفط المعقدة، وها هي اليوم من اثرى دول العالم.. بينما تعاني كل الدول التي حررت الكويت من ازمة في الطاقة! ليس هذا فحسب، بل ان مليارات الدولارات تنهال وتنثال على دول الخليج الاخرى وعلى ايران الاسلامية والجزائر و ليبيا، دون تدخل امريكي ودون ضغوط ودون ابتزاز. ولا ادري ماذا كان سيكون مصير ناقلات النفط مثلا لو كانت القوة العظمى بيد بعض الدول العربية والاسلامية والمحيطات تحت رحمتها!

فالى متى يبقى القارىء المصري والكويتي وقراء العالم العربي ضحايا لمقالات أ. هويدي وأحاديث هيكل؟ الاستاذ هويدي الذي ذاب ضميره تعاطفا مع بعض مساجين اهل الصين، كتب مؤخرا مقالا حول مبادرة الجامعة العربية بعنوان مغامرة عمرو موسى المستحيلة في العراق، (الشرق الاوسط، 19/10/2005).

المقال منشور بعد ثلاثة اعوام من نبوءة الاستاذ هويدي الخارقة عن خرافة الديموقراطية في العراق! ولاشك ان الاستاذ الفاضل، مهما علا برجه العاجي، قد سمع بالدستور العراقي وبانتخابات يناير 2005 الذي قاطعه السُّنة، والتصويت على الدستور الذي شارك فيه الجميع وبخاصة السُّنة في 15 اكتوبر 2005، وهناك انتخابات اخرى قادمة يوم 15 ديسمبر، يستعد لخوضها شعب العراق بكل أحزابه وأطيافه وجماعاته، بعد اقرار أكثر الدساتير ديموقراطية في العالم العربي والاسلامي. ألا يستحق هذا كله كلمة ثناء واحدة؟

ولاشك ان الاستاذ الفاضل فهمي هويدي قد سمع كذلك ان في العراق حياة اعلامية وصحفية وفكرية جديدة، قائمة على أوسع درجة معروفة من الحرية والديموقراطية في العالم العربي وربما في العالم كله.

ولاشك انه سمع كذلك بالحريات الدينية والقومية والاجتماعية الواسعة في عراق ما بعد صدام، والتي يحاول أ. هويدي وكتاب ومثقفون واعلاميون عرب كثر ان يتجاهلوها.. لعلها تختفي وتتلاشى، وتعود اللحمة القومية والدينية الى أهل العراق!

في مقاله مغامرة عمرو موسى المستحيلة في العراق، لا يذكر أ. هويدي كلمة واحدة عن ضحايا الارهاب في العراق الجديد، والذي بلغ عددهم ربما 7000 خلال الاشهر التسع الأخيرة فقط، وعددهم منذ ثلاث سنوات عشرات الألوف.

لا يفهم اي قارىء كيف لا تهز كل هذه الجرائم الارهابية البشعة في العراق اماما من أئمة الاسلام المعتدل ومفكرا اسلاميا بارزا كما يروج أ. هويدي وأنصاره، وكما توزع الألقاب؟!

الاستاذ هويدي جرّه ولاؤه الفكري للاسلام السياسي والاخوان المسلمين الى معاداة الولايات المتحدة في الحق والباطل، وجرّه عداؤه لأمريكا لأن يعادي تغيير نظام العراق وكل التجربة الديموقراطية فيها، بل وتجاهل كل الموت والدمار هناك، حيث أيد ولا يزال ما يسميه بالمقاومة العراقية، التي لا يعرف أحد زعامتها وبرنامجها واهدافها. مقاومة قيادتها أشباح ملثمة!

ماذا يريد عمرو موسى في العراق، يتساءل أ. هويدي؟ ثم يقول: ان موقف اهل السنة لن يتغير، خصوصا اذا أدركوا ان مهمة الامين العام ستنتهي الى محاولة الضغط عليهم وحثهم على القبول بما يجري، مقابل وعود مستقبلية تظل في مهب الريح، وغني عن البيان ان المبادرة العراقية لن تجد ما يبرر عملياتها.

في المقال نفسه، طالب أ. هويدي الجامعة العربية بأن تطلب رحيل القوات الامريكية قبل ان تقوم بدور في العراق، يمكن ان يترجم الى ارسال قوة سلام عربية تتولى تأمين البلاد.

ويقارن أ. هويدي موقف الجامعة الحالي بالعراق بموقف الجامعة العربية من ازمة الكويت عام 1961، عندما تعرضت لتهديدات عبد الكريم قاسم، عندما أبدت الجامعة استعدادها لارسال قوات عربية لحماية حدود الكويت، مشترطة آنذاك ان تغادر القوات البريطانية البلاد قبل ان تصل اليها القوات العربية.

واذا كان الاستاذ هويدي مفكرا حقا، يتمتع بحد أدنى من واقعية التفكير السياسي، فسيدرك حتما ان العراق 2005 غير الكويت عام 1961 من نواح عديدة، منها حجم البلاد وقوة الجيران وطبيعة الاختلافات وتفاصيل كثيرة اخرى. ولو انسحبت امريكا من العراق وزحفت عليها جيوش واستخبارات دول الجوار فلن تستطيع اي قوة عربية ان تقف في وجهها. فلماذا هذه المتاجرة بالشعارات القومية يا أستاذ هويدي وعلى من تزايد وانت في القاهرة مستقر آمن تنعم بالمال والشهرة؟

ثم ان الذي حمى الكويت عام 1961 لم تكن القوات العربية، بل وكذلك الموقف الاوروبي-الامريكي وبخاصة الموقف البريطاني والاسطول المتواجد في المنطقة. ثم ما هي تركيبة هذه الجيوش العربية او الاسلامية التي يرشحها أ. هويدي لحفظ أمن العراق وحدوده وديموقراطيته وتركيبته المعقدة؟ ومن ينفق عليها بالمليارات وكيف يجري التنسيق بينها ومن يقودها ومن يضمن عدم انحياز كل جيش منها الى جانب من جوانب الصراع او دولة من دول الجوار؟

ومن قال يا استاذ هويدي ان الارهاب سيتوقف في العراق لمجرد دخول فيالق من الجيش الاردني او المصري او السعودي او الايراني او المغربي؟ الا يهدد تنظيم القاعدة الآن معظم هذه الدول في عقر دارها؟ ومن قال ان هذه المجاميع العراقية التي ترفع اعلام وشارات اهل السنة هم فعلا ممثلوهم، وان مناطق المثلث السني لا تعاني من ارهاب الزرقاوي واعوان النظام السابق؟

 

للتعليق على هذا الموضوع