25 اكتوبر 2005

 

 

 

 

مصرع غازي كنعان في بعده الإنساني

خالص جلبي

 

 

كنت في طريقي إلى العيادة حينما قابلني الطبيب الحمصي الأشيب هل سمعت الخبر؟ لقد انتحر غازي كنعان وزير الداخلية السوري قبل نصف ساعة.. تابع بفرح وشماتة يبدو أنهم يتساقطون؟

 

لقد أعلن عن موت الرجل بـ 39 كلمة قي الوقت الذي خدمهم 39 سنة.. وهي تعني سخف السياسة والسياسيين. 

 

بعد أقل من نصف ساعة اتصل آخر فرح بالخبر، ولكنه فوجيء بتعليقي أنني لا أفرح بموت أحد يقتل أو ينحر أو ينتحر.

 

أجاب صاحبي وهو يوظف الآية القرآنية ألم يقل الله "ويشف صدور قوم مؤمنين"..  قلت له قناعتي راسخة بالعدل الإلهي يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء يود أن لو بينها وبينه أمدا بعيدا، ولكن ما أحزن عليه هو عجز الثقافة العربية والأنظمة السياسية أن تحل المشاكل إلا بهذه الطريقة. وهي تحكي عمق الأزمة البنيوية في العقل العربي الذي يعبد (القوة)، فهو إما بيد صدام وكنعان، وإما بيد الأمريكيين ويرجف من ملك الموت الألماني دتليف مليس.

 

قد يكون الرجل مستودع أسرار؟ وقد يكون كبشا يضحى به؟ وقد يكون وقد يكون؛ فــ (قد يكون) كثيرة في حسابات السياسيين، ولكن في ظل الموت تتهمش كل القضايا، وكما يقول الفلاسفة اثنان لا يمكن التحديق فيهما: الموت والشمس. وكفى بالموت واعظاً.

 

إن البشر يغفلون عن حقيقة الموت حتى يكشف الغطاء فبصرنا حديد، ونعيش حتى ننسى الموت ثم نصدم به فنخسر العزيز فنزلزل، وندرك كم الحياة هشة رقيقة ضعيفة، وقتل الناس في الزمن الكوني عبث فكل الأموات يدلفون إلى الأبدية في ومضة، والفرق بين موت القاتل والمقتول لحظة،  وقتل الإنسان سهل، فقد خلق سريع العطب من صلصال كالفخار، ولكن

الثقافة الإجرامية تحرص على التعجيل بروح الناس قتلا وسفكا للدماء...

 

إن أعظم مسألة وجودية افتتحت بعد إعلان خلق الإنسان اعتراض الملائكة على جدوى خلق الإنسان أنه يسفك الدماء.

 

إن من يتصور هذه النهاية الأسيفة للرجل يحضره أنه لو له قال قائل: أن يا كنعان سوف تنتهي حياتك على هذه الصورة، وعندك القدرة أن تبقى في بيتك بدون وزارة وحقائب ومال ونفوذ وسلطة، وتعيش لمعنى عظيم من السلام، أظن أنه كان سيقبل بدون تردد راحة البال والتخلي عن كل هذا الزخرف الذي طوقه، فلم يحمل إلى الآخرة المليارات بل ذنوب السياسة وعيوب مجتمعه.

 

أليس حزينا أن نفرح بموت الناس؟ أليس أسيفا أن تنقل صورتنا إلى العالم الخارجي على صورة ناحر ومنحور ومنتحر وصدام ومصدوم؟

 

أي ثقافة مريضة نعيشها اليوم؟ فلا نعرف حل مشاكلنا إلا بالقتل؟ أليس بالإمكان أن ندخل مرحلة القانون؛ فلا يقتل أحد أو يدفع للهرب أو الانتحار بل (القضاء) الذي يفصل بين العباد.

 

إن الدماء تولد الدماء، والأحقاد تفجر الأحقاد، والكراهيات تولد نظيرها، وليس مثل الحب قوة ناعمة قاهرة، والحب مشاركة ونمو، والكراهية ارتداد على الذات وانتحار. كما في قصة الشمس والريح اللتان تبارتا في دفع رجل ملتحف بمعطف أيهما أقوى، فكان الرجل يزيد من إحكام ملابسه مع كل زمجرة ريح، حتى أرسلت الشمس خيوطها الذهبية الناعمة بالتدريج فخلع ملابسه وذهب يستحم.

 

 فلماذا غابت عنا ثقافة الحب والسلام مع أن القرآن كله نشيد وقصيدة عن الحب ومعرفة الله واليوم الآخر.

 

في الواقع وأنا أكتب هذه الأسطر أشعر بالحزن من أخبار تبث عن مصارع العباد في أرض العرب: انتحار وقتل وقطع رؤوس، فإذا المذيعة اللبنانية تصبح بنصف جسم، وإذا الكاتب ينسف فيتناثر لحمه في الأفق، وأما الأقوياء من نموذج كنعان فإما قتلوا أو انتحروا، فأي بؤس وظلمات يعيشها العرب هذه الأيام.

 

أليس بالإمكان أن نتعامل بالرحمة؟؟ هل نزعت الرحمة من قلوبنا فعدنا إلى الجاهلية الأولى؟؟ بل وتجند الآيات القرآنية في تعميق الكراهية في الوقت الغلط للهدف الغلط في المكان الغلط للشخص الغلط كما جاء في التحدي الأرسطي.

 

إن كنعان مسكين اغتالته يد الثقافة المريضة على أي نحو، وهو وليد مجتمع الكراهية والفساد والحقد وعدم التسامح.

 

لماذا يقتل الزعبي قبل خمس سنوات ثم يلحقه كنعان وآخرون؟ لماذا لا نعرف حل المشاكل إلا بالقتل والنحر والانتحار؟؟ هل هذه فلسفة بؤس؟ هل هي قدر إلهي أم صناعة بشرية ونتاج ثقافي؟ إن أبشع ما في الخبر فرح عدد غير قليل من الناس بالخبر في دلالة على وباء العنف والغدر والكراهية.

 

قالت صديقتنا العراقية لا أظنه انتحر بل قتل؟ أما الشاب القريب مني فقال ربما هرب فلا يعقل أن من يملك المليارات يقضي نحبه بهذه الطريقة فأصبح نموذجه مثل اختفاء الإمام وصلب المسيح. وأما الموظف الذي كان يسمع خبر مصرعه فقال لا أظن أن مثل هذا ينتحر، فهو كما وصفهم القرآن "ولتجدنهم أحرص على حياة"، وكذلك عثر على صدام في مجرور تحت أرضي. أما هتلر فانتحر فلم يكن فاسدا بل إيديولوجي متعصب. ونحن لم يبق عندنا سوى صنف فاسد حريص على (حياة).. أي حياة.

 

وسواء انتحر الرجل أو نحر أو هرب فهو خبر سيء وحزين عن وضع العرب، وعمق الأزمة البنيوية في التركيبة السياسية في مربعات العالم العربي من روح الغدر وعبادة القوة.

 

 وخبر كنعان ليس جديدا ووحيدا ففي كل بقعة من عالم العروبة حصل نفس الشيء من فلطاح في العراق، وعامر في مصر، حتى أوفقير في المغرب،  فالكل نحر أو انتحر ولا فرق كبير بين الأمرين.  

 

في هذا العام ماتت زوجتي ليلى سعيد داعية اللاعنف وهي تفيض بالحب والسلام لكل الكائنات، فقامت ملائكة السماء باستقبال روحها الطاهرة.  ومات غازي كنعان وهو من نفس مواليد العام 1942 فأصبح في دار الحق يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، وتوفى كل نفس ما كسبت، وهم لا يظلمون، وهو سوف يدافع عن نفسه ولا شك، وسيقوم له القتلى بالسؤال كما في عالم الأوديسة، ولكنه سيبكي على كل الرحلة السياسية وسخافتها، وعبثية المنصب وعبادة المال والبطر والرئاء والنفوذ، كما جاء في كتاب المريض الإنجليزي عن أولئك الرجال القساة الذين يرسمون خرائط البلاد ومصائر العباد. فهل يتعظ يا ترى السياسيون؟

 

 إن غازي كنعان يحتاج إلى رحمة ربه الآن فلندعو له الله بالغفران، وأن يتماسك للحساب فهو عبد من عباد الله، وشمس الله تشرق على الأشرار والأخيار. وهو نتاج ثقافة مريضة إجرامية، لا تفهم وتتعامل إلا بمعادلة من علاقات القوة بين المستكبرين والمستضعفين. ولو ولد في بافاريا في ألمانيا أو مونبولييه في فرنسا لما انتهت حياته السياسية على هذه الصورة. فهذا  قانون إنساني...

 

 والبلد الطيب يخرج نباته والذي خبث لا يخرج إلا نكدا.

 

كانت زوجتي تشهد فيلم المسيح فقالت لبناتها تأملوا هذه الفقرة والمسيح يخاطب الحواريين: "فليعرفكم العالم بحب بعضكم البعض". وقام في ليلة العشاء الرباني يغسل أقدام تلاميذه.. وقال الكبير فيكم صغير... ثم قسم الخبز والماء وقالوا كلوا من هذه المائدة وكونوا شهداء بالحق في العالم.

 

 وآخر سورة نزلت من القرآن كانت قصة العشاء الرباني ربنا انزل علينا (مائدة) من السماء تكون عيدا لنا لأولنا وآخرنا.

 

رحمة الله على جميع عباده ومن دلف إلى الأبدية هو في أمس الحاجة إلى رب وسعت رحمته كل شيء.

kjalabi@hotmail.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

"Housein Qadirko" <qadirko@blizz.at> 

Date: Wed, 26 Oct 2005 17:55:38 +0200

 

   

"فلماذا غابت عنا ثقافة الحب والسلام مع أن القرآن كله نشيد وقصيدة عن الحب ومعرفة الله واليوم الآخر..؟!!!"

 

ليت ماذكرته عن القرآن صحيح ، ولما سفك المسلمون دماءهم ودماء غيرهم هكذا تسفيهاً.

 

ماذكرته ياأخي عن القرآن ماهو إلا ماتريده منه، لكن على الضفة الأخرى من يجد في القرآن أنه كتاب عن الحرب والجهاد والقتل وسفك الدماء وأسلمة العالم، وماأظنك بغافل عن ذلك الجانب من القرآن ويبدو ذلك واضحاً من لغتك القرآنية.

 

مشكلاتنا نحن المسلمين كثيرة ومنها هذه المشكلة التي لاأجد لها حلاً. وهي أن كل منا يأخذ من القرآن ما يريده أو مايحبه أو مايراه مناسباً لحياته ومصالحه. القرآن ياصاحبي هو في حقيقته هكذا، سوقاً كبيرة يحوي إلى جانب قصائد الحب ذخائر وأسلحة كثيرة من كافة الأنواع والأصناف بما فيها أسلحة دمار شامل.المسلمون كلهم منافقون من الأصولي إلى المعتدل إلى الليبرالي إلى ....

 

وربما كان الأصولي أقلهم نفاقاً لأنه يلتزم بما لم يُنسخ من القرآن، وأكثرهم نفاقاً من يدعي الإلتزام بما نُسخ من القرآن منذ أن رفع محمد وأصحابه السيوف لإكراه العرب على الدين الجديد.

 

مع تحيات حسين قادركو