25 مايو 2005

لإخوان المسلمون السوريون و زوار الليل

خالد حاج بكري

 

 

يحق للشيخ علي صدر الدين البيانوني أن يقول عن جماعة الإخوان المسلمين السورية أنها ليست تنظيما، وإنما أضحت حالة، لأن الرجل لا يصدر عن تصور فكري سياسي متماسك، بل ينطلق في إجابته من واقع لم يصنعه بنفسه، ولا صنعه تنظيمه الذي يقسم البلاد والبشر إلى فئات طائفية تشرذم المتماسك وتذرو المجتمع في فضاء البنى الطائفية، التي تعود في تمظهرها إلى تقسيم رعوي بيولوجي ينتمي إلى عصور سحيقة.

يجيب بثقة ، فقد ساعده الاستبداد السياسي الذي حكم البلاد سنين طويلة في إنتاج بيئة مستعدة لاحتضانه، بيئة قمعية لا تعترف بالرأي الآخر، تقصي التعدد والاختلاف، وتسرع عملية استئصال السياسة من العقل الاجتماعي، وتنشر الخوف على أوسع نطاق.

في ظل هذا المناخ وحده، يستطيع الإخوان المسلمون أن يطلوا برؤوسهم من جديد داخل المشهد السياسي السوري، بل وأن يقدموا مشروعا يسمونه حضاريا! متابعين للشأن العام، مطالبين بالإصلاح السياسي والاقتصادي والإعلامي،شركاء للمعارضة الليبرالية الديموقراطية في المخاوف على مستقبل البيت السوري، متجاهلين عن عمد أنهم مبعث هلع لتيارات ومجموعات شتى.

يستقوون بصعود التدين ، وبازدياد المآذن المشرئبة، وبتنامي أعداد المحجبات ، وبانصراف المجتمع- مؤقتا بالطبع- عن التعاطي أو حتى القدرة على التعاطي مع برامج سياسية مسؤولة، تعترف بالوحدانية للوطن وبالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وتقر الحق النهائي للبشر كل البشر بالاعتقاد الحر ، الإيمان والإلحاد، وتغيير الدين، أو الانصراف عنه، بناء على التصور الشخصي للآلهة والأشياء، ولا تفرض على البشرمنهجا أخلاقيا خطط له بعيدا عن الإنسان وظروفه وتبدلات العصور، ولا مفهوما متزمتا للحشمة يشطب حرية المرأة والرجل وحقوقهما الطبيعية بالاختيار الخاص، وتسمح، بل وتدعو إلى حرية نقد النصوص مهما كانت، ولمن كانت، وتفحص الموروث ودرسه بموضوعية بدل التعاطي المقدس معه ، لأن لا حرية، ولا قدرة على ممارسة الديموقراطية، يمكن أن تنتجها القوى السياسية التي تغفل، بل وتشطب مثل هذه الحقوق الإنسانية البسيطة من برامجها .

فرحوا بالحالة البائسة التي صار إليها المجتمع السوري، فتراءى لهم أنه ما عاد قادرا على الثقة بالأشخاص، وأنه مستعد الآن لرفع عينيه ورأسه باحثا عن خلاص موهوم يأتيه من مكان ما في السماء ،وها هم يستقوون بعوامل الهزال والضعف التي آل إليها مجتمع طالما اعتد بغناه السياسي والوجداني ، و شكل منارة لغيره!

ويصورون الأمر ولوجا للمشهد السياسي بطريقة سياسية، ظانين أن العلمانية الديموقراطية وقعت في الفخ ،وغفلت عن حقيقة كون مشروعهم"السياسي الحضاري" موجها لها وليس للمجتمع،وأنهم لم يقدموه كما هو بصياغاته الملتوية المدروسة وعباراته الأفعوانية :"التدرج في الأسلمة""رضى المجتمع""صندوق الاقتراع"........ الخ لينالوا ترخيصا اجتماعيا بل ليحصلوا على موافقة القوى الوطنية الحية ويشتروا سكوتها !

 

أنى لهم أن يفكروا بوطن واحد وهم يعتقدون بأسلمة القوانين ؟!

كيف سيتفاهمون مع التنوع الديني والقومي وهم يبنون قناعاتهم وبوضوح على قاعدة ثقة امبراطورية بمنطق" الأكثرية" المقابل في تبجحه واستبداده لموقف هلع "الأقلية" الذي يماثله في بؤسه وهوانه؟ وهل تبنى الأوطان التي تميزت ببهاء التعددية القومية والدينية بمثل هذه العقد ومثل هذا الفكر المريض؟ وهل يمكن لهذه الكهنوتية الممتزجة بالانحراف النفسي إلا أن تعجل باقتياد البلاد والبشر إلى جحيم خطرلا يبقي ولا يذر؟!

كيف سيشرحون للقوميات السورية غير العربية أن وطننا عربي سوري؟

ولماذا يظنون المسيحي الضارب عميقا في سوريته أنه سيتفاهم مع قولهم عن سوريا أنها بلد إسلامي؟

ألأنهم يمثلون أكثرية؟ ألهذا رددوا في مشروعهم الذي سموه سياسيا وحضاريا أكثر من مرة أنهم يؤيدون صندوق الاقتراع وخيار الناس الحر؟!

*******

قول البيانوني عن تنظيمه الذي يمثل "حالة"مشفوعا بالبرنامج السياسي الإخواني الشهير يستطيع أن يقض مضجع كل من:

1-المجموعات القومية غير العربية.

2-المجموعات الدينية غير السنية.

3-القوى السياسية التي اختارت فصل الدين عن شؤون الدولة وتحويله إلى مكانه الطبيعي في قلوب ومشاعر المؤمنين به.

أخفق المشروع والقول،كلاهما معا، في خلق حالة اطمئنان ولو ضمن أبسط الحدود، لا لأنهما اشتملا على مصادرة دؤوبة للعقل الإنساني وتحويله إلى مجرد معدة لهضم النص المقدس وتمثله ولو بالابتلاع العنيف المر،ولا لأنهما بسطحيتهما أغفلا القيم الحداثية التي تتجاوز بالطبع موضوع التقانة الذي كرره المشروع غير مرة ليقول أنه مع الحداثة! ولا حتى لإصرارهما على مفهوم الأسلمة ، أبدا لقد سقط القول البيانوني والمشروع الإخواني لأنهما قدما تصورا بائسا للديموقراطية قائما على مفهوم الأكثرية العددية ، فضربا بعرض الحائط مفاهيم النسبية والتعددية والحماية الاجتماعية للمواطن،وأرادا التغرير به-المواطن- فجعلاه وقودا للمفهوم الإسلامي الخاص بالجماعة، واعتبراه مسؤولا عن توفير البيئة الملائمة لحلول قوانين علياغيبية محل قوانين الإنسان التي يجب أن يبنيها بعرقه وتجاربه وأخطائه وعالمه الغني بالاحتمالات والسقطات والارتقاءات ، فلم يعد الإنسان برأيهما إلا معبرا لتسلم" الله" السلطة، أو بالأحرى خلفاء الله المؤمنين المؤتمنين على البشر والحجر والقيم والأموال، خلفاء الله الموثوقين الملهمين ، المعصومين ، المؤبدين !!!

نعم يظن الإخوان المسلمون أنهم حالة وليسوا تنظيما. وما حاجتهم إلى التثقيف والتنظيم ما داموا يدركون أن عصاب التدين لا يمكن أن يستشري في الأبدان بالوعي الحر ؟!

خطبة دينية في جو استبدادي عفن ، يخيم عليه البؤس واليأس ، وينشر الإحساس بالصغار وازدراء الذات وضعف حيلتها وقلة قدرتها ودونيتها ، خطبة مثل هذه قادرة على اقتياد هؤلاء المنكوبين إلى محرقة استبداد أخرى!!

فليطبخوا الأحلام ، ولينتظروا ، سيكتشفون أن ليلهم الدامس عاجز عن مقاومة صباحات الحرية التي تدق أبواب سوريا،الصباحات التي زهت بالشموس الوضاء، شموس ربيع دمشق ومنتديات الليبرالية واحترام الإنسان فكرا وطموحا ، شموس تكاد تغطي كل سماء البلاد فلا فجوة لليأس؛ والرؤوس التي تنتظر فرص التسلل من الفجوات لا تساوي عند السوريين الأحرارإلا ما تساويه رؤوس زوار الليل الذين انقضوا على بيوت أعضاء منتدى الحرية !

 

للتعليق على هذا الموضوع