6 مايو 2006 

 

 

 

 

التشدد السلفي تسبب في سقوط الدولة؟

د. خالد الدخيل

 

 أعود مرة أخرى لرواية "طنين". لن أبدأ بالإجابة على السؤال الذي ختمت به مقالة الأسبوع الماضي. يقول السؤال: ما معنى أن يكون تدشين أول عمل روائي تاريخي وسياسي جريء عن السعودية على يد كاتب من الأسرة الحاكمة، وليس على يد أحد آخر من كتاب "النص الإبداعي" السعوديين؟ أترك ذلك الآن لأعود إليه.

 

الرواية تأخذ شكل حكاية تاريخية اختار الكاتب، سيف الإسلام بن سعود، أن يرويها على لسان خالد بن سعود، أحد أطراف الصراع في الحكاية. يقول خالد مخاطباً صديقه في رسالته الأولى "إليك يا حمد بعضاً من تفسيراتي لمجرى تاريخ بلادي، والتي عايشت شخصياً بعضاً من مجرياته...". إذاً هي روايته هو، تحمل رؤيته، وموقفه مما حصل، ونظرته لأحداث وشخصيات ذلك التاريخ. لم يترك الكاتب الأمر للأحداث والشخصيات تقدم نفسها، وأن تتولى رواية هذا التاريخ. بدلاً من ذلك جعل من خالد الراوية الوحيد، وبالتالي الشخصية الوحيدة في الرواية. من هو خالد بن سعود هذا؟ ولماذا اختاره المؤلف أن يكون الصوت الذي من خلاله حاول أن يقدم رواية أخرى للتاريخ السياسي السعودي في مرحلته الأولى؟

 

خالد بن سعود هو ابن أشهر قادة الدولة السعودية الأولى، سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود، والأخ الأصغر لآخر أئمة هذه الدولة، عبدالله بن سعود، والذي سقطت الدولة في عهده عام 1818م. وكان خالد من بين الذين تم إجلاؤهم، من آل سعود وآل الشيخ، إلى مصر في ذلك العام على يد جيش الغزو. الجانب الأهم في سيرة خالد أنه، وكما يقول المؤلف على لسانه، تم تجنيده أثناء إقامته في مصر من قبل واليها، محمد علي، ليكون "منقذاً" لبلاده نجد، وإمامها الجديد بدعم وحماية مصرية. ويذكر خالد في رسائله أن إعداده لهذه المهمة استمر أربع سنوات. ذهب بعدها على رأس حملة عسكرية مصرية إلى نجد لإزاحة ابن عمه، فيصل بن تركي. طبعاً فشل خالد، ومعه فشل محمد علي في فرض حاكم على نجد يحكم باسمه وتحت حمايته.

 

أحد الأسئلة المركزية التي طرحتها الرواية بشكل غير مباشر: هل كان خالد بن سعود عميلا مصرياً أو منقذا؟ طبعا الإجابة بالنسبة لخالد نفسه، وكما تخيلها المؤلف، واضحة. استمع إليه يقول بكل ثقة، مستعيداً بداية حياته السياسية، وبعد أن انتهى كل شيء، وهزم وأصبح لاجئا في مكة "ما الضير عليَّ في الموافقة على عرض الباشا، مهما أطلق الناعتون على مثل هذه الموافقة وما سيتلوها من أفعال وسلوكيات من نعوت، إن كانت النتيجة المفترضة والنهائية هي تحرير بلادي من جبروت الاحتلال وفظائعه؟ ويا للفخر أن تواكب هذا التحرير مع نهضة حضارية في بلادي، التي عانت كثيراً من سماع صليل السيوف.." ثم يواصل تبريره بطرح هذا السؤال: "أكتِب على أمتنا في الجزيرة أن تحمل عبء نشر الرسالات،... وعبء إحياء ما ظن أنه اندثار لقسم كبير من الدين؟"، ولتأكيد صلابة قناعته بالدور الذي أعطي له، حتى بعد انهزامه وخروجه من تاريخ الصراع نهائياً، يتابع كلامه لصديقه القديم قائلا: "نعم أنا أعرف أن حكم التاريخ على أقوالي.. سيكون خليطاً من الظلم والجحود وسوء الظن. ولكمْ يؤلمني هذا. لكنني لست نادماً على ما فعلت. فالتجربة تستحق هذه الأثمان..".

 

كان خالد، كما تخيل الكاتب موقفه، مقتنعاً بأن تجربة محمد علي النهضوية في مصر يمكن تكرارها في نجد. بعبارة أخرى، يريد المؤلف أن يقول بأن هناك وجهاً آخر للعملة. لم يكن خالد بن سعود عميلاً فقط لقوات الاحتلال. كان صاحب مشروع نهضوي، يطمح في إعادة تأسيس الدولة، لكن برؤية مختلفة عن الرؤية السلفية المتشددة التي استندت إليها حتى لحظة سقوطها. من هذه الزاوية يكون فيصل بن تركي، الطامح إلى إعادة تأسيس الدولة أيضاً، صاحب مشروع سياسي مختلف يهدف إلى استعادة الرؤية السلفية للدولة الأولى بحذافيرها. وبالتالي فالصراع بين الاثنين لم يكن، كما توحي الرواية السائدة لتاريخ الدولة، صراعاً بين صنيعة لقوات الاحتلال، هو خالد بن سعود، من ناحية، وقائد وطني يريد أن يحرر بلاده من هذا الاحتلال، وهو فيصل بن تركي، من ناحية أخرى. كان الصراع من وجهة نظر خالد بن سعود صراعاً بين مشروعين مختلفين. ليس مهماً هنا تقييم هذه الرؤية المختلفة للتاريخ، وهل كان خالد بن سعود عميلاً؟ أم قائداً يحمل مشروعاً نهضوياً يتقاطع مع الاحتلال؟ والحقيقة أن مهمة الدفاع عن خالد بن سعود مهمة شاقة جداً. يكفي أن دعمه العسكري، ودعمه السياسي كان يأتيه من قوات الاحتلال. الأهم من ذلك، واللافت هنا أن يأتي طرح هذه القضية، ومن هذه الزاوية تحديداً، من كاتب الرواية، سيف الإسلام، ابن عم بعيد لخالد بن سعود، وحفيد مباشر لفيصل بن تركي.

 

القضية الأخرى التي تناولتها الرواية هي سبب سقوط الدولة السعودية الأولى. لم يطرح خالد في رسائله هذه القضية على شكل سؤال مباشر. ربما أنه كان مقتنعاً بالسبب إلى درجة لم تمثل القضية سؤالاً ملحاً بالنسبة له. كثيراً ما ردد في رسائله الأخطاء التي وقعت فيها الدعوة السلفية، وقيادة الدولة. وهي في مجموعها أخطاء كانت، في نظره، أهم أسباب سقوط الدولة. من هذه الأخطاء ما يختص بالدعوة، مثلما ذكر خالد من انكباب علماء هذه الدعوة (أو الوهابيين) على كتب الفقه والحديث والتفسير، وتجاهل العلوم الدنيوية الأخرى، من فلسفة، ومنطق، وطب، وغيره. وفي غمرة حديثه عن حرب الدرعية يتذكر خالد كيف اجتاحه شعور الفجيعة بما انتهت إليه أحلام السلفية المتشددة. يتذكر بأسى ما قيل له في الماضي ولأمثاله، "من شبيبة (آل سعود) أن دولتنا السلفية لا يمكن أن تهزم، وأن حدودها لا يمكن أن ترسم... ذهبت كل تلك الأقاويل أدراج الرياح، وتأكدت من هذا وأنا أسمع أخبار مفاوضات الصلح، المتبوعة مساء بقذائف الباشا...". هناك سبب آخر يذكره خالد، مرة أخرى في معمعة حرب الدرعية، يتعلق بالتقليد في اختيار قيادة الدولة. يذكر خالد أنه في لحظات ضغط الهجمات العسكرية لجيش الباشا برزت قيادات عسكرية كانت على مستوى التحدي. كان هؤلاء كما توقع الجميع، وأنهم "يستحقون قيادة الجيش كاملا -بل وقيادة الدولة الموحدة- لولا اعتبارات كثيرة، منها أن الأكبر هو الذي يتولى الإمامة والقيادة، حتى ولو كان أقل قدرة من غيره في الحكم..".

 

هذه وغيرها إلماحات تمثل رؤية سياسية نقدية مغايرة لما كان سائداً. ربما أراد الكاتب القول بأنها كانت موجودة داخل بيت الحكم. وهنا يأتي السؤال الذي ذكرته في بداية المقالة. وهو سؤال ليس من السهل الإجابة عليه. هناك ملاحظة أخرى، وهي أن نقاد النص الإبداعي في السعودية لم يكتبوا حتى الآن شيئاً عن الرواية. في هذا الموقف شيء من الإجابة على السؤال. فالحديث عن التاريخ السياسي للدولة السعودية يتطلب أولاً معرفة بهذا التاريخ. ومن معرفتي بالوسط الثقافي السعودي أستطيع القول بأن عدد من لديه اطلاع على هذا التاريخ صغير جداً. الكثير من المثقفين السعوديين لا يعرفون عن التاريخ السياسي السعودي إلا ما احتفظت به ذاكرتهم من المقررات الدراسية التي درسوها في مختلف المراحل التعليمية. يندر أن تجد من بين المثقفين السعوديين من لديه استعداد للاطلاع على هذا التاريخ كجزء من مهمته الثقافية. ثم هناك الحساسيات المرتبطة بتناول هذا التاريخ السياسي، ومنها ما له علاقة بالدين بحكم الأساس الديني للدولة. ومنها ما هو حساسية سياسية، بحكم أن التقليد يفرض الابتعاد عن تناول الشأن السياسي من زاوية نقدية. تناول الشأن السياسي من هذه الزاوية يعتبر نوعاً من النصيحة، كما يقول فقهاء السلفية. والنصيحة لا يجوز الجهر بها، بل يجب إسداؤها لولي الأمر في لقاء خاص. والمثقفون ملتزمون بهذه الرؤية لا شعورياً، رغم ما يقولونه عن الفقهاء، وعن الخطاب الديني. وهنا تتقاطع متطلبات السياسة مع متطلبات الشأن الثقافي. لكن مؤلف رواية "طنين" يعطي الانطباع بأنه متحرر من ربقة هذه القيود. سيقال بأن كونه من الأسرة الحاكمة يجيز ما لا يجوز لغيره. وهذا صحيح، إلا أنه ليس مبرراً لأن يكون الوحيد الذي تناول التاريخ السياسي للدولة في نص روائي، ولا يجيز للنقاد الصمت إزاء هذا النص الوحيد.

 

*أستاذ مساعد علم الاجتماع السياسي ـ جامعة الملك سعود

)صحيفة الإتحاد الإماراتية (

 

للتعليق على هذا الموضوع