19 مايو 2005

 

الإسلام والسلام كما يراهما الشيخ د. أحمد صبحي

د. كامل النجار

 

 

الشيخ الدكتور أحمد صبحي منصور من خريجي الأزهر ورجلٌ تجديدي يدعو إلى تأويل القرآن تأويلاً يتماشى وعصرنا هذا، ويدعو كذلك إلى التخلي عن الأحاديث والاعتماد على القرآن فقط لمعرفة الإسلام الحقيقي. وهذا دفع جديد يشكر عليه إذ أن الأحاديث يغلب عليها الانتحال ومن الصعوبة بمكان أن نصدق أن الناس تناقلوا آلاف الأحاديث شفهياً على مدى مائتي عام دون أن يغيروا فيها. وقد قدّم لنا الشيخ أحمد صبحي مقالا ًنُشر بموقع " شفاف الشرق " بتاريخ 14 مايو 2005، يدفع فيه بأن الإسلام دين السلام جاء فيه: " هناك رؤيتان للإسلام: رؤية للإسلام من خلال مصدره الإلهى، وهو القرآن الكريم، ومنهج هذه الرؤية هى أن تفهم القرآن من خلال مصطلحاته ولغته، فللقرآن لغته الخاصة التى تختلف عن اللغة العربية، فاللغة العربية- كأى لغة- هى كائن متحرك، تختلف مصطلحاته ومدلولات الكلمات حسب الزمان والمكان وحسب الطوائف والمذاهب الفكرية، وحسب المجتمعات.. وبالتالى فإن الذى يريد أن يتعرف على الإسلام خلال مصدره الإلهى- القرآن- عليه أن يلتزم باللغة القرآنية. "

ونختلف مع الشيخ د. أحمد صبحي في قوله إن لغة القرآن تختلف عن اللغة العربية العادية. فالقرآن نفسه يقول: " نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين " ( الشعراء 193-195). وقال كذلك: " ولو نزلناه على بعض الأعجمين وقرأه عليهم ما كانون به مؤمنين " ( الشعراء 198، 199). وكذلك يقول القرآن: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " ( إبراهيم 4). وفي الواقع هناك أحد عشرة آية تقول إن القرآن نزل بلسان عربي مبين، أو بلسان النبي محمد، وهو لسان عربي قرشي. فالقرآن يصر إن الله ما أرسل رسولاً إلا بلسان قومه، حتى يتسنى لهم فهم الرسالة. ولو أنزل الله القرآن على الأعجمين وقرأه عليهم النبي لما فهموه، كما يقول القرآن. فإذاً ليس هناك أي منطق يدعونا لأن نقول إن لغة القرآن العربية تختلف عن لغة العرب اليومية. ولكي نفهم بعضنا البعض أو نفهم رسالة القرآن، يجب أن تكون مصطلحات اللغة ثابتة ومعروفة للجميع حتى لا أتحدث أنا عن خيط أبيض، ويفهم المخاطب أني قصدت بقرةً صفراء. واللغة، أي لغة، لا تختلف مصطلحاتها ومدلول كلماتها حسب الزمان والمكان، وإلا لأصبحت كلمة " الباب " مثلاً تعني " الخيمة " أو ما شابه ذلك. وما اللغة إلا رموز اتفق الناس على أن كل رمز منها يعني شيئاً معيناً. فإذا فقدت هذه الرمز خصوصيتها أصبحت اللغة لا تعني شيئاً. واللغة تتطور باختلاط متحدثيها بثقافات أخرى فيقتبسون بعض كلمات هذه الثقافات ويعدلونها ويدخلونها على لغتهم لتزيد من ثرائها، لكنها لا تُلغي الكلمات القديمة. فاللغة العربية منذ أن تطورت وانفصلت عن اللغة السريانية، احتفظت بمصطلحاتها ولم تغير منها شيئاً بل أضافت إليها كلمات عبرية اقتبسها القرآن ثم العرب من بعده. والمشكلة التي تعترض طريق دارس القرآن ليست اللغة وإنما تعارض سور القرآن، بل حتى الآيات في نفس السورة، مع بعضها البعض مما يجعل فهم المقصد من الصعوبة بمكان، فيضطر دارس القرآن إلى اللجوء إلى المفسرين الذين نجدهم يتخبطون في تفسير الآيات والكلمات تخبطاً واضحاً دفعهم إليه محاولتهم البائسة في ملائمة الآيات التي تلغي بعضها البعض.

 

ويستمر د. أحمد صبحي فيقول: " والرؤية الثانية للإسلام هى الرؤية التراثية البشرية، وهى أن تنظر للإسلام من خلال مصادر متعددة، منها القرآن، والأحاديث المنسوبة للنبى، وروايات أسباب نزول الآيات، وأقاويل الفقهاء والمفسرين.. ومن الطبيعى أن تجد آراء متعارضة، وكل رأى يبحث فى آيات القرآن عما يؤيده بأن يخرج الآية عن سياقها، وأن يفهمها بمصطلحات التراث ومفاهيمه، ومن الطبيعى أن هذا الفهم للإسلام يتعارض مع حقيقة الإسلام، ومع الرؤية القرآنية له، ومن هذه الرؤية الثانية تخرج الفتاوى التى يكون بها الإسلام متهماً بالإرهاب والعنف والتخلف والتطرف." انتهى

 

واعتراضنا على هذا القول هو الزعم بأن تفسير الآية بمفردها أو بمناسبة نزولها يخرجها عن سياقها. فما هو سياق آيات القرآن ؟ نحن نعلم أن القرآن نزل متقطعاً على مدى 23 عاماً، وفي مناسبات عدة عندما سأل الصحابة النبي بعض الأسئلة، مثل: ما هو الحيض ؟ وأجابهم: " يسألونك عن المحيض قل هو أذى ..." أو عندما تخلف ثلاثة أفراد عن غزوة تبوك نزلت فيهم آيات معينة. فإذا فسرنا هذه الآيات منفردة أو بمناسبة نزولها، لا نخرجها عن سياقها. وبما أن معظم القرآن ما عدا القصص المكية نزل في مناسبات بعينها، يصبح القول بعدم تفسير الآيات إلا مع الآيات الأخرى التي تجري في نفس العرق في كل المصحف، قول مجحف لا تسنده الوقائع لأن النبي لم يطلب من المسلمين أن يصبروا حتى يكتمل نزول القرآن قبل أن يفسروا آياته. فالمسلمون الأوائل فسروا الآيات وقت نزولها. ولو أراد الله لهم أن يفسروا القرآن في مجمله لأنزل القرآن دفعة واحدة كما أنزل الألواح على موسى. فقد روى الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن ( مقدمة الحفاظ، ابن كثير لتفسيره ج1، 13). إذاً المسلمون الأوائل فسروا الآيات وقت نزولها ولم يخرجها هذا عن سياقها. وهذا الفهم للتفسير لا يتعارض مع حقيقة الإسلام كما يقول الشيخ د. أحمد صبحي.

ثم يسأل د. أحمد صبحي: والآن..ماذا عن علاقة الإسلام بالسلام ؟ وللإجابة على هذا السؤال يدخل د. أحمد صبحي في تفصيل لغة القرآن، فيقول: " نبدأ بمفهوم الإسلام والإيمان طبقاً لمصطلحات القرآن ولغته الخاصة:

إن كلمة الإيمان فى معناها فى اللغة العربية وفى مصطلحات القرآن لها استعمالان: "آمن بـ" ، "آمن لـ" ونشرحها بإيجاز:

"آمن بـ" أى اعتقد، مثل قوله تعالى ﴿آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ﴾ (البقرة 285).

 

2- الاستعمال الآخر هو "آمن لـ" أى وثق واطمأن وأصبح مأمون الجانب يطمئن له الناس ويثقون فيه

والإيمان بمعنى الأمن والأمان والثقة والاطمئنان هو بالطبع حسب التعامل الظاهرى، فكل من تأمنه وتثق فيه ويكون مأمون الجانب هو إنسان مؤمن فى مصطلحات القرآن، أما عقيدته، إن كانت بوذية أو إسلامية أو مسيحية أو يهودية- فهذا شأنه الخاص بعلاقته مع ربه. والله تعالى هو الذى سيحكم عليك وعليه وعلى الجميع يوم القيامة." انتهى الاقتباس

وبداية نود أن نضيف استعمالاً ثالثاً لكلمة الإيمان لم يذكره د. أحمد صبحي، وذلك استعمال كلمة " آمن " و " يؤمن " من دون حروف الجر " ب" و " ل "، مثل قول القرآن: " قالوا لن نؤمن حتى نُؤتى مثل ما أوتى رسل الله " ( الأنعام 124) و " وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس " ( هود 36). أما قول الدكتور إن كل من تأمنه وتثق فيه ويكون مأمون الجانب هو إنسان مؤمن في مصطلحات القرآن " فقول يعارض الواقع ويعارض آيات القرآن، فمثلاً نجد أن النبي محمد أحب ووثق في عمه أبي طالب وأتمنه على كل شئ، لكن أبا طالب لم يكن مؤمناً. بل يمنعنا القرآن من الثقة في غير المسلمين أو حتى موالاتهم. والقرآن نفسه يقول: " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك " ( آل عمران 75). والشخص عادة لا يعطي قنطاراً من الذهب إلا إلى شخص يأمنه ويثق فيه، وهذا كان حال أهل يثرب مع جيرانهم من اليهود، ولكن أهل الكتاب هؤلاء الذين وثق فيهم المسلمون لم يكونوا مؤمنين بمفهوم القرآن. والقرآن نفسه يتشدد في تعريف المؤمن، فيقول: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم " ( آل عمران 73). وليس هذا فقط، بل القرآن يفرّق بين الطيب والخبيث من المؤمنين، إذ ليس كل مؤمن يعتبره القرآن مؤمناً. فالقرآن يقول: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميّز الخبيث من الطيب " ( آل عمران 179). بل يذهب القرآن أبعد من ذلك ويعرّف المؤمن بالذي آمن بالله وجاهد في سبيله: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون " ( الحجرات 14).

 

وبعد هذا قدّم د. احمد صبحي للإسلام بمثل مقدمته للإيمان فجعل الإسلام أما إسلاماً قلبياً اعتقادياً، وقال إن هذا ينسحب على كل من آمن بالله سواء أكان يهودياً أو نصرانياً أو صابئاً، فهو مسلم، أما إسلاماً ظاهرياً، وعرّفه بالآتي: " - أما الإسلام فى التعامل الظاهرى فهو السلم والسلام بين البشر مهما اختلفت عقائدهم يقول تعالى ﴿ يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً﴾ (البقرة 208) أى يأمرهم الله تعالى بإيثار السلام. ونتذكر هنا أن تحية الإسلام هى السلام. وأن السلام من أسماء الله تعالى، وكل ذلك مما يعبر عن تأكيد الإسلام على وجهه السلمى، ويؤكد المعنى السابق للإيمان بمعنى الأمن والأمان." انتهي الاقتباس

فإذا أخذنا المعنى الأول للإسلام الباطني الذي يتساوى فيه كل من آمن بالله ووحدانيته، نجد أن القرآن لا يعترف بهذا التعريف للمسلم. فالقرن يقول عن أهل الكتاب ( اليهود والنصارى) الذين يؤمنون بالله، وخاصة النصارى منهم: " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وإنهم لا يستكبرون " ( المائدة 82). وكذلك: " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين " ( المائدة 83). هؤلاء النصارى الذين آمنوا بالله ولم يعتدوا على المسلمين وكانت أعينهم تفيض من الدمع لذكر الله، وبالتالي هم مسلمون حسب تعريف د أحمد للمسلم، أمر الله رسوله أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون " ( التوبة 29). وإذا أخذنا التعريف الثاني للإسلام، وهو الإسلام الظاهري الذي يعني السلم بين البشر مهما اختلفت عقائدهم، نجد أن تعريف د. أحمد صبحي لا يستتب أمام ما حدث في أرض الواقع، و لا حتى أمام آيات القرآن نفسه، الذي قلنا في البداية أنه يعاني من تضارب الآيات. فالقرآن يقول للنبي وللمؤمنين: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله " ( البقرة 193). و" حتى يكون الدين لله " تعنى حتى يكون هناك دين واحد وهو الإسلام، لأن " من يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه " ( آل عمران 85). بل يستمر القرآن فيقول: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فأما مناً بعد ذلك وأما فداء "( محمد 4). و " الذين كفروا " هم اليهود والنصارى الذين عرّفهم د. أحمد صبحي مع المؤمنين الاعتقاديين.

 

ويقول د. أحمد صبحي: " ونتذكر هنا أن تحية الإسلام هى السلام. وأن السلام من أسماء الله تعالى، وكل ذلك مما يعبر عن تأكيد الإسلام على وجهه السلمى ". ولنا اعتراض على هذا القول: فالسلام لم يكن تحية الإسلام فقط، فالقرآن يخبرنا أن أناساً قبل الإسلام كانت تحيتهم السلام: " هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون " ( الذاريات 25). وكذلك يقول: " ولا تقولوا لمن ألقى عليكم السلام لست مؤمناً " ( النساء 94). وهذه الآية تدل أن عرب ما قبل الإسلام كانت تحيتهم السلام. وهذا ليس غريباً إذ أن السلم أو السلام هو نقيض الحرب، والحروب كانت من مقومات حياة العرب قبل الإسلام.

 

وانتقل د. أحمد صبحي بعد هذه المقدمة إلى تاريخ الإسلام وهاجم المؤرخين من أمثال الطبري وغيره بأنهم ركزوا على الغزوات والحروب ليبرروا الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي، وقال: " - وهؤلاء المؤمنون المسالمون المستضعفون الذين اجتمعوا حول النبى فى مكة ثم فى المدينة أثروا السلم وتحملوا الاضطهاد، ولم يحاول أحدهم الدفاع عن نفسه، تحملوا التعذيب فى مكة وهاجروا منها إلى الحبشة مرتين، ثم هاجروا إلى المدينة، وعاشوا فى مطاردة وقتال من المشركين الذين يريدون إرغامهم على العودة لدين الآباء . " انتهى.

وهذا الموقف من المسلمين الأوائل في مكة لا يعني أن الإسلام دين السلام وإنما يعني أن المسلمين كانوا ضعفاء في مكة ولم يكن في وسعهم الدفاع عن أنفسهم، فهاجروا إلى الحبشة. وهذه سنة الحياة حتى يومنا هذا، فالضعيف لا ينتقم حتى يقوى، وهذا ما حدث عندما هاجر النبي إلى المدينة وقويت شوكته بالأنصار، فبدأ الانتقام من قريش بالهجوم على قوافلها.

ثم استمر د. أحمد صبحي فقال: " وكان ممكناً أن يستأصلهم المشركون بالاضطهاد والقتال لولا أن نزل تشريع القرآن يبيح لهم الدفاع عن النفس. " انتهى. ولم يذكر لنا د. أحمد أن آيات القتال نزلت في سورة البقرة في السنة الثانية أو الثالثة بعد الهجرة وبعد أن شعر النبي بأن جيشه أصبح من القوة والاستعداد بمكان. ولو كان للمسلمين جيشٌ قوي في مكة لنزلت آيات القتال في مكة.

 

وفي التفاف واضح حول التاريخ، يقول د. أحمد صبحي: " فهى إذن تصريح لكل من يتعرض للظلم والقتل بأن يدافع عن نفسه، بغض النظر عن عقيدته ودينه، يكفى أن يكون مظلوماً وأن يتعرض لاحتمال الإبادة بالقتل، حينئذ يأتيه نصر الله إذا قاتل دفاعاً عن حقه فى الحياة، وقد غفل علماء التراث عن عمومية الآية فى تشريعها الإلهى لكل مظلوم يفرض الآخرون عليه الحرب، وغفلوا إلى درجة القتل، بل القتال، وحين يقاتل المشركون قوماً مسالمين لا يردون عن أنفسهم القتل فإن الإبادة لأولئك المستضعفون حتمية. أى أن القرآن يشير إلى حقيقة تاريخية أغفلتها عنجهية الرواة فى العصر العباسى الإمبراطورى، وهى أن المشركين قاموا بغارات على المدينة وحدث قتل وقتال للمسلمين، وسكت المسلمون لأن الإذن بالقتال لم يكن قد نزل، فلما نزل التشريع أصبح من حقهم الدفاع عن النفس." انتهى

 

ويحق لنا أن نسأل هنا: إذا كان الله ينصر المستضعفين من كل الأديان، لماذا لم ينصر المسلمين في مكة حينما كانوا مستضعفين ومضطهدين على مدى ثلاثة عشر عاماً، وانتظر حتى قويت شوكة المسلمين في السنة الثانية بعد الهجرة حتى ينصرهم في غزوة بدر الكبرى ؟ أما قول د. أحمد: " أن المشركين قاموا بغارات على المدينة وحدث قتل وقتال للمسلمين، وسكت المسلمون لأن الإذن بالقتال لم يكن قد نزل " قول يسبح عكس تيار التاريخ والحقائق المعروفة عن غزوات النبي. فالمشركون لم يغزوا المدينة (غزوة الخندق) إلا في العام الخامس الهجري بعد أن غزا النبي ما لا يقل عن عشرين غزوة وهاجم قوافل قريش أكثر من خمسة مرات. وآية إباحة القتال نزلت في السنة الثانية من الهجرة. فكيف غزا النبي كل هذه الغزوات وحارب فيها ولم يكن الإذن بالقتال دفاعاً عن النفس قد نزل ؟ وإذا كان قتال المسلمين دفاعاً عن النفس، فهل حدث أن هاجمت أي قبيلة نصرانية النبي أو المسلمين ؟ لماذا إذاً حاصر النبي ثقيف وقاتلهم ولماذا غزا الروم في تبوك ولم يحدث أن حارب الروم المسلمين ؟

 

واستمر د. أحمد صبحي فقال: " وغفل علماء التراث أيضاً عن التدبر فى الآية التالية لتشريع الإذن بالقتال.

فالآية تقول ﴿الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً﴾ (الحج 40). فالآية هنا تعطى سبباً آخر فى حيثيات الإذن بالقتال لرد العدوان، السبب الأول أن أولئك المظلومين تعرضوا للقتل والقتال، والسبب الثانى أنهم تعرضوا للطرد من بيوتهم ووطنهم لمجرد أنهم يقولون ربنا الله، وهذا ما أشار إليه علماء التراث ولكنهم غفلوا بسبب التعصب الدينى فى عصر الإمبراطورية العباسية فى القرون الوسطى، عند التدبر فى الفقرة الثانية من الآية وهي التى تؤكد أنه لولا حق المظلوم فى الدفاع عن نفسه لتهدمت بيوت العبادة للنصارى واليهود والمسلمين وغيرهم حيث يذكر العابدون فيها اسم الله كثيرا. " انتهى

ونسأل مرة أخرى: من الذي أخرج المسلمين من ديارهم ؟ إنها قريش التي اضطرتهم إلى الهجرة. فإذا كان هذا هو سبب التشريع للقتال، ما ذنب بني فزارة الذين بعث النبي زيد بن حارثة لقتالهم فقتل منهم الرجال والنساء ( أم قرفة )؟ هل أخرج بنو فزارة المسلمين من ديارهم. وما ذنب نصارى دومة الجندل ؟ وهل حدث أن أخرج اليهود المسلمين من ديارهم؟ وإذا كان إخراج المستضعفين من ديارهم يبيح للشارع إنزال آيات القتال نصراً لهم، لماذا أخرج النبي بني النضير من ديارهم ؟ ألم يحرّم الله إخراج الناس من ديارهم حتى على اليهود أنفسهم عندما قال: " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرّم عليكم إخراجهم " (البقرة 85).

ويقول د. أحمد صبحي كذلك، حسب مفهومه الخاص للقرآن: " والأهمية القصوى هنا أيضاً أن تشريع الإذن بالقتال ليس فقط لرد الاعتداء ولكن لتقرير حرية العبادة لكل إنسان فى بيت عبادته. مهما كانت عقيدته وعبادته، فكل إنسان يتعبد لله، وله فكرته عن الله، وعقيدته فى الله، وهو يقيم بيوتاً لعبادته لله، ولابد أن تكون هذه البيوت واحة آمنة تتمتع هى ومن فيها بالأمن والسلام، وتلك هى حقيقة الإسلام التى غفل عنها علماء التراث ." انتهى

 

وكيف يسمح القرآن لغير المسلمين بالتعبد في دور عباداتهم ويحرص على هذا الحق وهو يخبرنا في آيات عديدة أن من جاء بغير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه، والإسلام يعني إسلام محمد، إذ أن القرآن يقول له قاتل الذين لا يؤمنون بما أنزل إليك ؟ ألم يقل القرآن للنبي عن اليهود والنصارى: " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم "( التوبة 14). ألم يقل القرآن: " يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور " ( الممتحنة 13). ومن هم الذين غضب الله عليهم ؟ أليسوا هم اليهود الذين مسخهم قردةً وخنازير لأنه قد غضب عليهم ؟

 

ويستمر د. أحمد منصور في استعراض يقلب الحقائق ويوقفها على رأسها، فيقول: " وكان منتظراً من المؤمنين المسالمين حول النبى أن يبتهجوا بتشريع الإذن لهم برد الاعتداء والدفاع عن النفس، ولكن حدث العكس إذ أنهم تعودوا الصبر السلبى وتحمل الأذى، لذلك كرهوا التشريع الجهادى برد الاعتداء وغفلوا أنه ضرورى لحمايتهم من خطر الإبادة، لأنه إذا عرف العدو أنهم لن يسكتوا فسيتوقف عن الاعتداء عليهم، وبذلك يتم حقن الدماء. وفى ذلك يقول تعالى للمؤمنين ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة 216) لقد كرهوا القتال دفاعاً عن النفس وهو خير لهم، وأحبوا الاستكانة والخضوع لمن يحاربهم وهو شر لهم، والسبب أنهم تعودوا السلام والصبر إلى درجة أصبحت خطراً على وجودهم ودينهم." انتهى

 

والتاريخ يخبرنا أن المسلمين كانوا يتنافسون على الغزوات يطلبون الشهادة، حتى أن الولد وأباه كانا يتشاجران في من منهما يغزو ومن ينتظر مع العيال. وعندما هم النبي بغزوة تبوك ولم يجد بعضهم جمالاً أو بغالاً تحملهم، بكوا فسموهم البكاؤون. ويخبرنا الكامل في التاريخ للمبرد أن المسلمين كانوا يستدينون ليخرجوا في الغزوات لأن المردود من السبايا والأنفال كان عظيماً: " لما أمر أمية بن عبد الله عامل عبد الملك بن مروان على خراسان- بكير بغزو ما وراء النهر، تجهز وأنفق نفقةً كثيرة وأدان فيها وكان عُقاب اللقدة الفداني قد استدان ليخرج مع بكير فأخذه غرماؤه فحُبس حتى أدى عنه بكير " ( ج4/ص 185). ثم أن المسلمين الذين استكانوا للاضطهاد في مكة هم المهاجرون إلى المدينة وأصبحوا أقلية في جيش المسلمين إذ أن أغلب الجيش كان من الأنصار ( الأوس والخزرج) الذين لم يتعرضوا إلى اضطهاد قريش.

 

يقول د. أحمد صبحي: " كانوا فى مكة مأمورين بكف اليد عن الدفاع عن النفس اكتفاء بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلما فرض عليهم القتال الدفاعى احتج فريق منهم وطلبوا التأجيل.. وهذا يدل على عمق شعورهم بالمسالمة وكراهية سفك الدماء ." انتهى. و في الحقيقة أن سبب كف أيديهم في مكة، كما قلنا سابقاً، كان ضعفهم عن قتال المشركين ولم يكن لأن الله قد كف أيديهم.

مرة أخرى يقلب د. أحمد صبحي التاريخ رأساً على عقب، فيقول في تبرير هجوم المسلمين على قوافل قريش وقطع الطرق الذي نهى عنه الإسلام فيما بعد: " وبإيذاء المسلمين وطردهم من مكة إلى المدينة استولى المشركون على بيوتهم فى مكة ورؤوس أموالهم فى قافلتى الشتاء والصيف، ولم يكن المسلمون ليجرؤا على استرداد أموالهم طالما كانوا يتحملون ضربات عدوهم. فلما نزل تشريع الإذن بالقتال كان طبيعياً أن يحصلوا على حقهم من الإيلاف القرشى، بالإغارة على القافلة التى تتاجر بأموالهم الضائعة ليحصلوا منها على بعض ما ضاع من حقوقهم، وجاءتهم البشارة إما بالنصر أو بالحصول على القافلة، ومع عدالة القضية ووضوحها، إلا أنه عندما نجت القافلة وجاء على أثرها جيش المشركين ليقاتل الفرقة المسلمة قليلة العدد. " انتهى

 

من هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ؟ كانوا حفنةً من العبيد من أمثال بلال بن رباح وأسامة بن حارثة وغيرهم من الفقراء الذين آمنوا بمحمد في مكة. وكان أغناهم أبو بكر وعثمان بن عفان. ولم يذكر أي كتاب تاريخ إسلامي أن أبا بكر أو عثمان قد فقد مالاً في مكة. فلما هاجر أبو بكر ترك زوجته وبناته في بيته، فلم يطردوا من بيتهم. وكذلك الحال مع عثمان. الشخص الوحيد الذي ذكرت كتب التاريخ أنه استحوذ على منزل أسرة واحدة لما هاجرت، كان أبو سفيان بن حرب. ولما فتح المسلمون مكة، طالبت هذه العائلة النبي برد بيتها، فنصحهم بأن يعفوا ويصفحوا. وحتى لو افترضنا أن بعض المسلمين قد فقدوا بعض أموالهم، فهل هذا سببٌ كافي ليرصدوا قوافل قريش ويقطعوا الطريق وينهبوا أموال كل قريش رغم أن كل قريش لم تشترك في أخذ مالهم، إذا كان فعلاً قد أُخذ مالهم ؟ ونحن نعرف من كتب التاريخ والسيرة أن سرايا الرسول التي اعترضت قوافل قريش كانت قد بدأت في العام الأول الهجري وآيات القتال نزلت في العام الثاني أو الثالث الهجري.

 

ثم انتقل د. أحمد صبحي لتشريعات الجهاد أو القتال في الإسلام، فقال: " وعموماً فالأحكام فى التشريعات القرآنية هى أوامر تدور فى إطار قواعد تشريعية، وهذه القواعد التشريعية لها مقاصد أو أهداف أو غايات عامة. فالأمر بالقتال له قاعدة تشريعية، وهو أن يكون القتال للدفاع عن النفس ورد الاعتداء بمثله، أو بتعبير القرآن ﴿ فى سبيل الله ﴾ ثم يكون الهدف النهائى للقتال هو تقرير الحرية الدينية ومنع الاضطهاد فى الدين، كى يختار كل إنسان ما يشاء من عقيدة وهو يعيش فى سلام وأمان، حتى يكون مسئولاً عن اختياره أمام الله تعالى يوم القيامة." انتهى

 

وهنا يُعطي د. أحمد صبحي اللغة العربية معاني جديدة تحت مسمى " لغة القرآن " فيقول القتال أو الجهاد في سبيل الله يعني " القتال للدفاع عن النفس ورد الاعتداء ". وحسب فهمي للغة العربية، فلو قاتلت دفاعاً عن نفسي أو رداً للاعتداء، أكون قد قاتلت في سبيل الحرية، وليس في سبيل الله. فالقتال في سبيل الله يكون من أجل شئ يرضي الله، ألا وهو نشر الدين الإسلامي الذي ارتضاه الله ديناً للبشرية جمعاء " اليوم أكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام ديناً ". ولذلك جعل الله الجهاد في سبيله من أعظم الأعمال وتكون مكافأته الجنة. وعندما سئل النبي: هل هناك عمل يساوي الجهاد في أجره ؟ أجابهم بأنه ليس هناك أي عمل كالجهاد في سبيل الله. ولو كان القتال دفاعاً عن النفس جهاداً، لكان كل قتلى الغزوات النبوية في الطائف وخيبر وفي بني المصطلق وفي تبوك وغيرها شهداء رغم أنهم لم يكونوا مسلمين، لأن النبي غزاهم في عقر دارهم فقاتلوا دفاعاً عن النفس.

وضرب لنا د. أحمد صبحي بعض الأمثلة، فقال: " يقول تعالى ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة 190) فالأمر هنا ﴿ َقَاتِلُواْ﴾ والقاعدة التشريعية هى ﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾ وتكرر القاعدة التشريعية فى قوله تعالى ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة 194) أما المقصد أو الغاية التشريعية فهى فى قوله تعالى ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ﴾ (البقرة 193) أى أن منع الفتنة هى الهدف الأساسى من تشريع القتال.. والفتنة فى مصطلح القرآن هى الإكراه فى الدين والاضطهاد الدينى، وهذا ما كان يفعله المشركون فى مكة ضد المسلمين، يقول تعالى ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ﴾ (البقرة 217)." انتهى

ولا يُخفى على أحد أن د. أحمد صبحي انتقى الآيات التي تجيز للمسلمين قتال من قاتلهم وتجاهل الآيات العديدة التي تأمرهم بقتال الكافرين أو المشركين حيثما كانوا وتنهاهم عن موالاة غير المسلمين. ونضرب له مثلاً: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " (التوبة 28). " واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث أخرجوكم " (البقرة 191). " مالكم لا تقاتلون في سبيل الله ". فنلاحظ في هذه الآيات أن القتال ليس دفاعاً عن النفس. وتظهر الحقيقة جليةً في هذه الآية: " قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلوهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً " ( الفتح 16). وأظن اللغة العربية هنا واضحة لا تحتاج إلى الرجوع إلى لغة القرآن. فالله يقول للأعراب قاتلوا القوم حتى يسلموا، وفي هذه الحالة سوف يجازيكم الله أجراً عظيماً، وإن رفضتم فسوف يعذبكم عذاباً أليماً. وهذا هو الجهاد أو القتال في سبيل الله، وليس دفاعاً عن النفس كما قال د. أحمد صبحي.

 

ويستمر د. أحمد صبحي فيقول: " والواضح أن هذه التشريعات عن القتال فى الإسلام تتفق مع مفهوم الإسلام والإيمان والمسلم والمؤمن، أو بمعنى آخر هى تشريعات تؤكد على السلام وتحميه من دعاة العدوان، وتؤكد على حرية العقيدة وتفويض الأمر فيها لله تعالى يوم القيامة، وتحميها من دعاة التعصب والتطرف وإكراه الآخرين فى عقائدهم واختياراتهم. " انتهى

 

ولا أعتقد أن أي مسلم يمكن أن يصدق أن هناك حرية اعتقاد في الإسلام رغم الآية التي تقول " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ". فالإكراه واضح في الآية السابقة: أما يسلموا وأما تقاتلونهم. ثم نجد آيات أخرى تقول لمن لا يؤمن بالقرآن ونبيه: " فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " ( القلم 44). " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " (محمد 4). " وماذا يحدث لمن لا يؤمن بالقرآن ؟ " سنسمه على الخرطوم " ( القلم 16)

 

وتحدث د. أحمد صبحي عن حرمة حياة المؤمن وحث القرآن المؤمنين ألا يقتلوا مؤمناً عمداً، فقال: " وتتحدث الآية 94 عن ذلك المؤمن المسالم الذى تحرص تشريعات القرآن على حقه فى الحياة، يقول تعالى ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾. أى فى ساعة المعركة على المؤمنين أن يتبينوا ويتأكدوا من العدو حتى لا يقعوا فى جريمة قتل إنسان مسالم شاء سوء حظه أن يوجد فى الميدان، ويعطى القرآن مسوغاً للنجاة لكل إنسان فى الجهة المعادية، بمجرد أن يقول "السلام عليكم" فإذا قالها حقن دمه، وأصبح مؤمناً مسالماً حتى فى ذلك الوقت العصيب مهما كانت عقيدته أو دينه... وإذا تعرض للقتل فإن قاتله يستحق الخلود فى النار والعذاب العظيم ولعنة الله وغضبه." انتهى

والدكتور هنا يتحدث عن لغة القرآن التي قال إنها تعني بالمؤمن كل من آمن بالله بغض النظر عن ديانته، وهذا أمر قد بينا عدم صحته في صدر المقال. وقد حاولت جاهداً أن أفهم ما رمى إليه د. أحمد صبحي عندما قال: " فى ساعة المعركة على المؤمنين أن يتبينوا ويتأكدوا من العدو حتى لا يقعوا فى جريمة قتل إنسان مسالم شاء سوء حظه أن يوجد فى الميدان " فالمسلمون في حياة النبي لم يحاربوا إلا غير المسلمين، فإذا كان غير المسلمين من نصارى وغيرهم، مؤمنين مسالمين، ماذا جاء بهم إلى ميدان المعركة ؟ هل هو سوء حظهم، أم أنهم هوجموا في قعر دارهم فقاتلوا دفاعاً عن ديارهم ونسائهم اللاتي سباهم المسلمون بالآلاف ؟

 

وختاما يقول د. أحمد صبحي: " والحقيقة أن أغلبية المسلمين أيضاً قوم لا يعلمون.. بدليل أن الإسلام دين السلام فى حقيقته وفى شريعته، ومع ذلك فقد أصبح بأعمال المسلمين متهماً بالتعصب والتطرف والإرهاب ". ولا أظن أن د. أحمد صبحي يستطيع إقناع أي شخص بأن لغة القرآن تختلف عن اللغة العربية وأن الإسلام يدعو إلى السلام رغم تاريخه الطويل الملئ بدماء الأبرياء الذين قتلوا لرفضهم تبديل دينهم، وسُبيت نساؤهم وأطفالهم.

 

للتعليق على هذا الموضوع