1 مايو 2005

 

 

حقاً ما أحوجنا إلى ثورة التغيير

(ردّاً على د. شاكر النابلسي)

د. كامل النجار

 

 

حقاً ما أحوجنا إلى ثورة التغيير كما قال د. شاكر النابلسي.

كنت، وما زلت، من المعجبين بكتابات د. شاكر النابلسي، سواء السياسية منها أو التي تختص بالفكر والعقائد وغيرها. ولكني ذُهلت لما صدر منه في مقاله الأخير في موقع "شفاف الشرق الأوسط" الإلكتروني بتاريخ 27 أبريل 2005 والموسوم بـ" ما أحوجنا الآن إلى ثورة التغيير". وبدا لي بعد قراءة المقال أن د. النابلسي قد تعرّض إلى بعض الضغوط لحمله على الدفاع عن الإسلام بعد أن كان من ناقديه. وليعذرني د. النابلسي إذا بيّنتُ للقارئ ما أرمي إليه.

 

يقول الدكتور في مقاله الأخير: "وفي الإسلام دلائل كثيرة على الحث على التغيير والتجديد باعتبار أن الإسلام كان رسالة تغيير وتجديد حضارية شاملة. وقد تجلّت عظمة هذه الحركة وضخامتها في شموليتها وتغطياتها لمختلف نواحي الحياة الإنسانية. ومن خلال الجوانب التالية يتبين لنا ضخامة حركة التغيير الإسلامي:

"1- في الجانب الديني كان الإسلام حركة تغييرية كبيرة، حين نقل المجتمع العربي والمجتمع الانساني فيما بعد من مجتمعات الشرك إلى مجتمعات التوحيد، ومن مجتمعات الأصنام والأوثان في الأرض إلى مجتمعات عبادة إله واحد أحد في السماء."

 

وهذا القول يمثل في نظري مبالغة تعدت حدود المعقول. فكون الإسلام نقل المجتمع الإنساني من مجتمعات الشرك إلى مجتمعات التوحيد قول يجافي الحقيقة. إذ أن الديانة اليهودية وما سبقها من أيام النبي إبراهيم، كانت قد نقلت إلى المجتمع البشري فكرة التوحيد، ثم تلتها المسيحية بنفس الفكرة. وقد كان عرب الجزيرة في فترة ما قبل الإسلام على علم تام بالديانتين وبالتوحيد وبالحنيفية التي صبت في نفس المصب. وكانت المسيحية قد انتشرت في أغلب مناطق شبه الجزيرة العربية وفي البلاد التي في شمالها وفي غربها. وها هو دكتور النابلسي نفسه يقول في كتابه " لو لم يظهر الإسلام " ما يلي: "المسيحية كانت منتشرة في بلاد الشام (الغساسنة، وسليح، وتغلب، وتنوخ، وجذام، ولخم وإياد) وفي العراق (تغلب، بنو شيبان، بنو عجل، بنو تنوخ، وكثير من أهل الحيرة). ولو فكّر العرب في يوم من الأيام بقيام دولة سياسية قبل ظهور الإسلام، يكون لها دين توحيدي فلن يتجه تفكيرهم غالباً إلا إلى المسيحية التي كانت قواعدها قائمة في المثلث العربي( الجزيرة والشام والعراق)" (ص79). فالإسلام لم ينقل حتى كل العرب من عبادة الأوثان إلى التوحيد، ناهيك عن كل المجتمع الإنساني.

 

2- ثم قال: "في الجانب الاقتصادي قام الإسلام بحركة تغيير كاملة لاقتصاد المجتمع الوثني والصنمي، ونقل هذا المجتمع من اقتصاد الربا والاحتكار والتلاعب بالأسعار والموازين إلي اقتصاد القرض الحسن والبيع والشراء بالقسطاس (النصيب بالعدل) والميزان (وأقيموا الوزن بالقسط) (سورة الرحمن، 9)، وكذلك (وزنوا بالقسطاس المستقيم) (سورة الإسراء، 35). كما أقام الإسلام نظام ميراث المجتمع التوحيدي الذي لم يكن قائماً في المجتمع الوثني. "

 

والإسلام لم يكن أول دين يمنع الربا ويحث معتنقيه إلى أيفاء الكيل والميزان. فإذا نظرنا في العهد القديم نجد:

25 إِنْ أَقْرَضْتَ فِضَّةً لِشَعْبِي \لْفَقِيرِ \لَّذِي عِنْدَكَ فَلاَ تَكُنْ لَهُ كَالْمُرَابِي. لاَ تَضَعُوا عَلَيْهِ رِباً. ( سفر الخروج، الإصحاح 22)

19 "لا تُقْرِضْ أَخَاكَ بِرِباً رِبَا فِضَّةٍ أَوْ رِبَا طَعَامٍ أَوْ رِبَا شَيْءٍ مَا مِمَّا يُقْرَضُ بِرِباً (سفر التثنية، الإصحاح 23).

والقرآن نفسه يؤكد أن الديانة اليهودية قد منعت الربا، ولكنه زعم أن اليهود استمروا في أكل الربا. "فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلّت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل واعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً (النساء 160، 161). وهذا ليس غريباً إذ استمر المسلمون كذلك في أكل الربا رغم المنع، كما يقول د. النابلسي نفسه في كتابه المذكور أعلاه: "استطاع عدد من الفقهاء التحايل على تحريم الربا، ومنهم من كتب كتباً في طرق التحايل كأبي بكر أحمد الخصاف وأبي حاتم القزويني ومحمد الشيباني وغيرهم. وقد بقي العمل بالربا من قبل المسلمين في العصرين الأموي والعباسي. وقد وجُدت نصوص في العصر العباسي تشير إلى أن التجار في عصر الجاحظ بالبصرة كانوا يقرضون بالربا. ومورس الربا في القرنين العاشر والحادي عشر وما بعدهما في المغرب العربي كما تقول بعض الوثائق الحقوقية والاقتصادية، وأن سلاطين المغرب وافقوا في بداية القرن العشرين على إنشاء مصارف ربوية ذات إدارة أجنبية، وأن علماء الدين قد أجازوا للسلطان عبد العزيز الاقتراض من بريطانيا بفوائد بنكية لكي يستطيع تغطية نفقات حربه مع إسبانيا في العام 1860م" (ص259 و 260). واستمر د. النابلسي: "لم يكن الإسلام هو الدين الوحيد الذي حرّم الربا ولكن معظم الأديان كرهته وحرمته، إلا أن هذا التحريم لم يكن عائقاً من أن تصل أوربا المسيحية التي حرّمت الربا أيضاً إلى مرحلة الرأسمالية القائمة على الربا" ( ص 261). فالإسلام إذاً لم يأت بجديد في موضوع الربا والقروض.

 

وبالنسبة لإيفاء الكيل والميزان، فقد سبقت اليهودية الإسلام بما يزيد على ألف عام فقالت:

35 لاَ تَرْتَكِبُوا جَوْراً فِي \لْقَضَاءِ لاَ فِي \لْقِيَاسِ وَلاَ فِي \لْوَزْنِ وَلاَ فِي \لْكَيْلِ

36 مِيزَانُ حَقٍّ وَوَزْنَاتُ حَقٍّ وَإِيفَةُ حَقٍّ وَهِينُ حَقٍّ تَكُونُ لَكُمْ. أَنَا \لرَّبُّ إِلَهُكُمُ \لَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ ( لاويون، الإصحاح 19).

 

واستمر د. النابلسي فقال: "ونظّم الإسلام التجارة وعقودها واتفاقياتها بنظام خاص، وخصّها بخمس عشرة آية، كما خصَّ كيفية ادارة المال بثمانٍ وخمسين آية، والقروض بثلاث عشرة آية. وهذا كله ما جمعه الفقهاء بعد ذلك، وخرجوا به إلي النظام الاقتصادي في الإسلام".

 

وفي واقع الأمر أن الإسلام دمّر تجارة قريش واليمن والشام التي كانت على درجة كبيرة من التقدم، وعرفت الشركات والمقايضة والبيع بالأجل وأشياء كثيرة أخرى، حسب شهادة د. النابلسي نفسه عندما قال في كتابه سابق الذكر: "كانت آليات الاقتصاد العربي قبل الإسلام كثيرة وهو ما يشير إلى مدى رقي الاقتصاد العربي قبل الإسلام." وكذلك قال د. النابلسي: "ولكن الإسلام قبل خمسة عشر قرناً كان يجهل طبيعة العقود التجارية ذات الأجل الطويل Long term contracts وكانت نظرته التجارية نظرة قاصرة ومحكومة بظرفها الاقتصادي والتجاري في ذلك الوقت. وكان الخطأ ليس في إصدار هذه الأحكام في وقتها، وإنما في جعلها صالحة لكل زمان ومكان، في الوقت الذي تتغير فيه الأسواق وتتطور. ولم يكن في حساب الإسلام هذا التطور الذي حدث الآن. ورغم ذلك فإن فقهاء الإسلام على مر العصور كانوا يعتبرون الأصول والمبادئ الاقتصادية والمالية العامة أحكاماً شرعية لا يجوز الإخلال بها تحويراً أو تعديلاً وذلك تطبيقاً للقاعدة الشرعية بأن لا مجال للإجتهاد في مورد النص. وبحكم كونها مبادئ أبدية غير قابلة للتعديل. وهي كفيلة بمعالجة الأمور الاقتصادية الحالية والمستحدثة في كل زمان ومكان." (ص 251). فالواضح من هذا السرد أن الإسلام دمّر التجارة العربية ولم يرقَ بها كما زعم د. النابلسي في مقاله الأخير. وما زالت كل الدول الإسلامية تتعامل بالربا محلياً وعالمياً لأن التجارة العالمية تعتمد على القروض والفائدة التي حرّمها الإسلام. أما البنوك غير الربوية، وهي ظاهرة حديثة جداً، فقد تركزت في السودان الذي افتتح خمسة بنوك إسلامية منذ تولى الشيخ حسن الترابي وجماعته الإسلامية الحكم عن طريق انقلاب عسكري، وفي مصر التي ظهرت فيها مؤسسات استثمار إسلامية لاستثمار أموال المصريين العاملين بالخليج، وانهارت معظم هذه المؤسسات بعد أن قضى الفساد الإداري على أموال المستثمرين. ود. النابلسي نفسه يقول في مقاله عن " الطبع والتطبع" في "إيلاف" بتاريخ 24 يوليو 2004: "وغلب طبعُ العرب على قبول التطبّع والتطبيع في النظم الاقتصادية الغربية، وأطلقوا عليها نظماً ربوية كافرة، واقاموا شركات الاستثمار والمصارف الدينية بدلاً منها، والتي سرقت الأموال الطائلة، وضحكت على عقول الجهلاء من الأغنياء والفقراء على السواء." ثم قال د. النابلسي في مقال له في إيلاف بعنوان "هل العرب مسلمون؟" بتاريخ 24 سبتمبر 2004: "وكان الاقتصاد الإسلامي على هذا النحو هو بحق "اقتصاد حرب" طيلة ستة قرون من حياة الامبراطورية الإسلامية. لذا، كان يتوجّب على العرب طوال ستة قرون أن يكونوا تحت السلاح دائماً، وفي حالة حرب دائمة وغزو مستمر، تأكيداً لقول الرسول: (جُعل رزقي تحت ظل رمحي)؛ أي لا عيش ولا حياة إلا للمحاربين! وكان كل ذلك في ظل عدم وجود أيديولوجيات عظمى تتحدى المُلك الإسلامي وتنتزع منه الأرض، ودون وجود قوى سياسية وعسكرية عظمى تتحدى الامبراطورية الإسلامية وتهددها، وتنتزع منها السلطة والمال." فالنظام الاقتصادي الإسلامي كان اقتصاد حرب ونهب ولم يكن نظاماً اقتصادياً صالحاً للعمل به، والنظام المالي الإسلامي لا يصلح للقرن الحادي والعشرين وليس بنا حاجة إلى إحيائه.

 

3- وقال د. النابلسي: "في الجانب الاجتماعي قام الإسلام بحركة تغييرية شاملة أيضاً. وجاء بِقِيَم اجتماعية جديدة تتناسب ومجتمع التوحيد، وتُلغي معظم القيم الاجتماعية للمجتمع الوثني. فأعطى للمرأة حقوقاً مالية واجتماعية لم تكن موجودة في المجتمع الوثني، وحرّم قتل الأطفال خشية الفقر، أو خشية العار. وحرّم الزواج بأكثر من أربع نساء وعند الضرورة، بل أشار إلى أن اقتناء أربع نساء في وقت واحد مع العدل بينهن يكاد يكون مستحيلاً. وحرّم كل أنواع النكاح وأوجهه التي كانت سائدة في المجتمع الوثني. "

 

وما هي هذه القيم الاجتماعية التي أتى بها الإسلام ولم تكن معروفة للعرب قبله؟ هل هي الكرم واحترام حرمة الجار والدفاع عن الضعفاء واحترام المرأة الخ؟ فعرب ما قبل الإسلام كانوا يمارسون كل هذه العادات الاجتماعية. أما حقوق المرأة قبل الإسلام فقد كانت أكثر منها بعد ظهوره، فقد كانت المرأة تملك مالها الخاص وتتاجر به. ويكفي أن نذكر أن خديجة بنت خويلد استأجرت محمد بن عبد الله ليتاجر بمالها. وكانت المرأة تتولى أمور الكهانة ( الأغاني 13/105). ومع أن المرأة في الغالب الأعم كانت لا ترث، فقد كانت هناك روايات يفهم منها أن من الجاهليات من ورثن أزواجهن وذوي قرباهن، وان عادة حرمان النساء الإرث لم تكن عامة عند جميع القبائل ( تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد عليّ، ج5، ص274). والطلاق كذلك كان معروفاً لديهم، ومع أنه كان بيد الرجل إلا أن بعض النسوة كن يشترطن أن يكون الطلاق بأيديهن، وكانت المرأة إذا أرادت تطليق زوجها تحول باب خبائها فيعرف الزوج أنه طالق ( نفس المصدر، ص 236). وبالنسبة للإرث فقد كانت الغالبية من النساء لا يرثن، ولكن هناك روايات تقول إن أول من جعل للبنات نصيباً في الإرث في الجاهلية هو "ذو المجاسد" عامر بن جشم الذي ورّث ماله لولده فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فأخذ بها الإسلام ( نفس المصدر والصفحة). وقتل الأطفال لم يكن منتشراً بين القبائل كما زعم الإخباريون. أما قول د. النابلسي إن الإسلام حرّم كل أنواع النكاح قول يحتاج إلى شرح وفير. إذ أن الإسلام أباح للمؤمن أن ينكح ما طاب له مما ملكت يمينه، وبعضهم ملك أكثر عشر جواري، وأجاز لهم الإسلام كذلك زواج المتعة. والدكتور النابلسي نفسه يقول في كتابه المذكور أعلاه: "العرب لم يكونوا على النحو الذي صوره معظم المؤرخين الكلاسيكيين الذين اعتادوا أن ينقصّوا من التراث العربي قبل الإسلام. ويضيفوا ما انتقصوه إلى الإسلام وفضله. فقد درج بعض المؤرخين الإسلاميين إلى تشويه صورة قريش ظناً منهم أن ذلك يزيد من قدر الإسلام. فلو كانت قريش بهذا الغباء والجهل، فانتصار الإسلام عليهم لا يزيد الإسلام شرفاً. والرسول كان يقول: الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام. وكثير من القيم التي وطدها الإسلام كانت جذورها في الجاهلية" ( ص 85). وفي مقاله عن الطبع والتطبيع، المذكور أعلاه، يقول د. النابلسي عن العرب والمرأة: "وغلب طبعُ العرب على قبول التطبّع والتطبيع في حرية المرأة، وحرية عملها، وحرية علمها. وقالوا بأن حرية المرأة دعوة غربية يراد بها "مومسة" المرأة العربية؛ أي تحويلها إلى مومس، ورددوا أقوال التراث في نساء العرب قبل 1500 سنة: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب)، و(وقرنَّ في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، و(لا يخلو رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)، و(المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)، و(إياكم والدخول على النساء)، وغيرها. وكأن التاريخ قد توقف وتجمّد عند القرن السابع الميلادي، وكأن العرب ما زالوا حتى الآن يستغرقون يوماً وليلة للوصول من مكة إلى المدينة على ظهور الجمال والبغال." والدكتور النابلسي عدّد لنا هنا التغيرات التي أتى بها الإسلام في حقوق المرأة. فأين إذاً هذه القيم الاجتماعية الجديدة التي أتى بها الإسلام؟

 

5- واستمر د. النابلسي فقال: "في الجانب السياسي جاء الإسلام بمفهوم جديد للدولة، وهي الدولة الفكرية التي لا مكان لعنصر القومية الممقوتة فيها. فكانت رسالة الإسلام السياسية فريدة في التاريخ السياسي الانساني من حيث قيام الدولة علي فكرة ومبدأ خاليين من العصبيات العرقية والدينية."

 

وطبعاً هذا القول تعوزه المصداقية. إذ أن الدولة الإسلامية قامت أصلاً على المرتكز الديني البحت الذي قاده النبي بصفته ممثل الله في الأرض والصلة بينه وبين العباد. فالنبي كان يحكم دولته بالإنابة عن الله، وبالتالي هي دولة دينية. أما خلو الدولة الإسلامية من العصبية القومية فكان مفهوماً سياسياً لا أثر له على الأرض. فبعض الأحاديث التي وردت لنا عن "لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى" كانت أحاديث للاستهلاك المحلي، تماماً كما يقول السياسيون اليوم. فالدولة الإسلامية طوال تاريخها الطويل قد اضطهدت الموالي والعجم وكل من هو وما هو غير عربي عامةً وغير قرشي خصوصاً. وقد استدرك د. النابلسي نفسه هذه الحقيقة فقال: "وإن كان المسلمون قد حصروا الحكم في قبيلة واحدة وهي قريش لقول الرسول الكريم (الأئمة من قريش) و (الأئمة منا أهل البيت) لمدة تزيد علي ستة قرون (632-1258) من خلال العهد الراشدي والأموي والعباسي. كما لم يتولَّ الحكم العربي الإسلامي خلال أكثر من ستة قرون غير حاكم عربي مسلم، علماً بأن الإمبراطورية الإسلامية كانت تضمُّ عناصر كثيرة وقوميات مختلفة مسلمة وغير عربية وغير قرشية. إلا أن الدولة الإسلامية الأولى (دولة الرسول في المدينة) رغم هذا، كانت تضم مسلمين وعرباً غير مسلمين ويهوداً. كما أن الدولة الإسلامية من العهد الراشدي حتى نهاية العهد العباسي الثاني كانت تضم مسلمين وذميين وربما ملحدين ومن قوميات مختلفة (فرس، عرب، أكراد، هنود.. الخ) ضمن الإمبراطورية الإسلامية الواسعة الأرجاء في ذلك الزمان." فأين إذاً خلو الدولة الإسلامية من العصبيات العرقية؟

 

واستمر د. النابلسي فقال: "ومن ناحية أخرى جاء الإسلام بقيم سياسية أخرى لم تكن موجودة في تاريخ النظام السياسي الانساني من قبل، وهي الخلافة الإلهية، وأن الحاكمية لله الواحد الأحد، وأن الأرض كلها لله، وهو ربها المتصرف في شؤونها، وأن الأمر والتشريع كلها مختصة بالله وحده، وليس لفرد، أو أسرة، أو طبقة، أو شعب، بل لا للنوع البشري كافة شيء من سلطة الأمر والتشريع. ولا يكون الحاكم شرعياً إلا إذا كان رسولاً من الله، أو رجلاً يتبع الرسول فيما جاء به من الشرع والقانون من عند ربه".

 

وحتى هذا الطرح الذي أتى به المودودي وغيره من علماء المسلمين فيه جور على الحقيقة. إذ أن فكرة الشخص الذي يحكم بتفويض من الإله الذي في السماء، فكرة قديمة جداً قد سبقت ظهور الإسلام بأكثر من ثلاثة ألاف عام، فقد زعم حمورابي أن آلهة السماء " آنو " و " بيل " استدعياه وأوكلا إليه الحكم على الأرض باسم الإله الأكبر "مردوخ"، وبالتالي فإن كل القوانين التي صاغها حمورابي كانت من عند الآلهة، حسب زعمه وحسب اعتقاد الناس وقتها. ثم أن الديانة اليهودية التي سبقت الإسلام بأكثر من ألف وخمسمائة عام قد أنشأت دولة دينية استمدت كل قوانينها من التوراة، وقد أكد القرآن نفسه هذا القول: "إنّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشون الناس واخشونِ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ( المائدة 44). فهاهو القرآن نفسه يقول إن الأنبياء اليهود والربانيين والأحبار قد حكموا بما أنزل الله في التوراة، وكانت الحاكمية عندهم لله. فالإسلام لم يسبق بهذا المفهوم. وحتى إن سبق به فهو مفهوم خاطئ في جوهره إذ أن الله الذي خلق عالماً من سنته التطور والتجديد سواء في النبات أو الحيوان، لا يمكن أن يحكم الناس بقوانين أتت قبل آلاف السنين ويمنع عليهم تجديدها.

 

واستمر د. التابلسي فقال: "من ناحية أخرى، كان للرسالة الإسلامية في الجانب السياسي شروطها وقوانينها الجديدة التي لم تكن موجودة في التراث السياسي الإنساني، ومنها وجوب طاعة أولي الأمر من الحكام. بل شاعت بعض الأحاديث النبوية في العصر الأموي والمشكوك في صحتها التي تعدّت الطاعة المشروطة بالتقوى والعدل وإقامة شرع الله إلى الطاعة العمياء، ومن هذه الأحاديث: "إسمع لحاكمك وأطعه، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك". وكذلك الحديث النبوي الذي يُروى عن الحسن البصري:

"لا تعصوا أولي الأمر منكم، فإن عدلوا فلهم الأجر وعليكم الشكر. وإن بغوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر. فهو امتحان من الله يبتلي به من يشاء من عباده. فعليكم أن تتقبلوا امتحان الله بالصبر والأناة، لا بالثورة والغيظ". وكذلك الحديث النبوي الذي رواه أحمد بن حنبل عن رواية عبدوس العطار: "من غلب على المسلمين بالسيف حتى صار خليفة وسُمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً باراً كان أم فاجراً."

 

فالدكتور لجأ هنا إلى التشكيك في صحة الأحاديث، وفي الواقع كل الأحاديث عن بكرة أبيها لا يوثق بها إذ أنها جُمعت بعد وفاة الرسول بحوالي مائة وخمسين عاماً، ولا يُعقل أن يحفظ الناس كل هذه الأحاديث طوال هذه الأعوام دون تغيير أو تبديل. ثم أن الخلافة الأموية والخلافة العباسية دفعتا رواة الحديث لتأليف الأحاديث العديدة التي تؤيد كلاً منهما. ولكن المهم أن المسلمين يؤمنون بصحة هذه الأحاديث ويعملون بها. والحديث الأول الذي ذكره د. النابلسي قد رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان المبشر بالجنة، كما تقول تحفة الأحوذي، باب ما جاء في لزوم الجماعة. وما رواه الشيخان فهو الصحيح. ومسألة طاعة الأمام طاعةً عمياء، لا خلاف عليها عند المسلمين منذ قيام الدولة الإسلامية وحتى يومنا هذا. ومبدأ الطاعة العمياء هذا هو الذي قاد إلى تخلف المسلمين وجعلهم يطيعون خلفاء مثل يزيد بن معاوية وهارون الرشيد وغيرهم. فالشروط والقوانين الإسلامية في السياسة قوانين تدعو للتخلف و لحسن الحظ أنها لم تكن موجودة في التراث الإنساني.

 

واستمر د. النابلسي فقال: "في الجانب العسكري، أحدث الإسلام تغييراًُ في دوافع الحروب وشروطها. وكان أهم ما جاء به الشروط الجديدة للحروب والتي تتلخص فيما يلي:" وعدد د. النابلسي عدة شروط، منها:

الشرط الأول: "أن المجتمعات غير الراشدة والطاغية هي التي تقتل الناس لأجل أفكارها في سبيل أن ينتشر الحكم الفاسد الطاغي. وقد أمرنا الرسول بأنه في مثل هذه الحالات علينا أن نكسر أسلحتنا، ولا ندخل مع الحكومات الطاغية، وأن نلزم بيوتنا، ولا ندافع عن أنفسنا، ونكون كابن آدم."

 

ولا أعلم المصدر الذي بنى عليه د. النابلسي هذا الشرط إذ لم يكن في أيام النبي مجتمعات تقتل الناس من أجل أفكارها غير المجتمع الإسلامي ذاته. فقد كان هناك المجتمع الفارسي والمجتمع المسيحي العربي الرومي، ولم نقرأ أن هذه المجتمعات قتلت الناس من أجل أفكارها إنما الإسلام هو الذي قتل بني قريظة وبقية اليهود من أجل أفكارهم، وقتل القبائل التي كانت تعبد الأصنام من أجل أفكارها، وقتل الفلاسفة من أجل أفكارهم. فمتى أمر الرسول المسلمين بلزوم بيوتهم وكسر أسلحتهم وهو الذي قال: "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"؟ وهو الذي أمر المسلمين بمقاطعة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، عندما غزا النبي الروم في تبوك ولم يكن الروم قد قتلوا الناس من أجل أفكارهم.

 

الشرط الثاني: "أن القتال في الحروب الجاهلة الباغية غير الراشدة يعدُّ قتال مرض، وقتالا تحت راية عمياء، وجهاد الخوارج الذين يريدون أن يصلوا إلى الرُشد بوسائل الغي".

 

فهل كانت هناك حروبٌ راشدة وحروبٌ غير راشدة؟ فالمسلمون هم الذين شنوا الحروب على جيرانهم ولم تعلن أي قبيلة الحرب على المسلمين حتى نقول إن حربهم لم تكن راشدة. فكل الذين حاربوا المسلمين حاربوهم دفاعاً عن أرضهم وأنفسهم ولم يبدأ أحدٌ بالهجوم على المسلمين في عقر دارهم ما عدا غزوة الخندق التي قامت بها قريش رداً على هجمات المسلمين المتكررة على قوافل قريش. ود. النابلسي نفسه يقول في مقاله "هل العرب مسلمون" المنشور في "إيلاف" بتاريخ 24 سبتمبر 2004 ما يلي: "وخاصة أن قبيلة قريش كانت هي المستفيدة الوحيدة من الإسلام، كما لم تستفد أية طائفة أخرى في التاريخ من أيديولوجية أرضية أو سماوية. وهي التي عبّأت خزائنها بفضل الغزو الديني المسلح بمال وفير لا حصر له، وامتلأت بيوتها وشوارعها وتجارتها بالعبيد والجواري والقيان والسبايا الذين بلغ عددهم أضعاف أضعاف ما كان قبل الإسلام، وحكمت امبراطورية تمتد من الشرق إلى الغرب طوال ستة قرون متوالية (632- 1258م) ومن أبي بكر إلى أخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله. "فهل كانت هذه الحروب الإسلامية حروباً راشدة؟

 

الشرط الثالث: "أن الجهاد في سبيل الله يجب أن يكون مستوفيا الشروط كما كان في عهد الرسول. شرط في المجاهِد وشرط في المجاهَد ضده. وشرط المجاهد أن يكون قد أقام المجتمع الراشد الذي يقيم الحكم الراشد، فإذا وجد هذا المجتمع الراشد ووجد الحكم الراشد فعليه أن ينذر المجتمعات غير الراشدة والتي قامت على الإكراه ويدعوها إلى الدخول في حياة الرُشد والعدل، فإن لم يفعلوا حوربوا إلى أن يزول الإكراه. والمجاهَد ضده هو من يُكره الناس ويظلمهم ويقاتلهم في دينهم ويخرجهم من ديارهم. وهذا هو معني الآية (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (سورة الممتحنة، 8)."

ونسأل هنا: مَن الذي يقرر أن مجتمعاً معيناً مجتمعٌ راشد أم لا حتى يقرر المجاهِد (بكسر الهاء) أن يغزوه ليقيم فيه الرشد. هل كل مجتمع لم يَتَبَنَّ الإسلام مجتمعٌ غير راشد؟ لأنه يبدو من دراسة تاريخ الحروب الإسلامية أن السبب الرئيسي للغزوات كان اعتناق الأمم المغزوة ديناً غير الإسلام. وهل حكم المجاهد ( بكسر الهاء) على النظام الذي أقامه بأنه حكم راشد، سببٌ كافٍ يخول له أن يغزو الآخرين كما فعل المسلمون؟ وشرط المُجاهَد ضده (بفتح الهاء) هو أنه يُكره الناس ويظلمهم ويحاربهم في دينهم ويخرجهم من ديارهم. فلو التزم المسلمون بهذا الشرط لما غزوا أحداً إذ ليس هناك أي دليل أن القبائل اليهودية أكرهت أحداً أو حاربت النبي في دينه أو أخرجت المسلمين من ديارهم. وينطبق هذا على الفرس والهنود والبيزنطيين وقبائل شمال أفريقيا ومصر وغيرهم كثير.

 

الشرط الرابع: "عدم الخلط بين الجهاد الذي هو لرفع الإكراه وبين الحرب التي تهدف إلى الإكراه". وكم وددت لو أن د. النابلسي كان قد بيّن لنا الأقوام الذين كانوا مُكرهين فهب المجاهدون المسلمون لخلاصهم من الإكراه فاستحقوا بذلك كل آيات القرآن عن الجهاد والمجاهدين. فالقرآن نفسه لم يُعرّف المجاهد إنما طلب من كل المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وبأنفسهم لينشروا دين الله في الأرض، بل هددهم بالعذاب إن لم ينفروا في سبيل الله: "ألا تنفروا يعذبكم الله عذاباً أليماً" ( التوبة 39). والواقع أن كل غزوات المسلمين كانت لجمع المال أو لإكراه الناس على الدخول في الإسلام "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ومن قالها فقد عصم مني ماله ودمه." ثم أن المسلمين الأوائل أنفسهم لم يلتزموا بأي شروط للجهاد، فعندما جمع الخليفة الثالث عثمان بن عفان جمعاً من ولاته للتشاور في الأمر وقمع الفتنة، قال له عبد الله بن عامر، أحد ولاته على الأمصار:رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلوا لك" (وعاظ السلاطين للدكتور علي الوردي، ص 23). فالجهاد هنا كان ليشغل الناس عن معاندة الخليفة ومحاسبته. وروى النسائي في صحيحه: "حَدّثَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: الرّجُلُ يقاتل ليذكر وَيُقَاتِلُ لِيغنم وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللّهِ؟ قَالَ:"مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ". فالجهاد هنا لفرض الإسلام وجعل كلمة الله هي العليا، وليس لرفع الإكراه عن المكرهين.

 

الشرط الخامس: "إضافة لكل ذلك، فقد كانت هناك أخلاقيات للحروب لخصها الخليفة أبو بكر الصديق في عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ ومن هم داخل بيوتهم ومعابدهم وعدم حرق، أو قطع الأشجار في وصيته لخالد بن الوليد في حروب الردة".

 

وأظن أن د. النابلسي يعلم أن هذه الأقوال عن أبي بكر ما هي إلا كليشيهات محفوظة لم تُترجم في أرض الواقع. وهل وصايا أبي بكر أهم من أفعال النبي نفسه ؟ فالكل يتذكر ما حدث في حرب الرسول مع بني قريظة. ألم يصفّوا الرجال وفيهم الشيوخ، على الخندق ويدقوا أعناقهم. ألم يكشفوا عن عورات الصبيان ليروا من منهم بدأ يُنبت شعر عانته فقتلوه. ألم يقتلوا إحدى النساء لأنها رمت بحجر حينما حاصر المسلمون بني قريظة؟ "حدثني محمد بن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عايشة قالت: لم يقتل من نسائهم الا امرأة واحدة. " (تاريخ الطبري، ج2، ص102). ألم يقتل زيد بن حارثة، ربيب النبي، أم قرفة في حربه ضد بني فزارة "فلما قدم زيد نذر الا يمس راسه غسل من جنابة حتي يغرو فزارة. فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله في جيش الي بني فزارة فلقيهم بوادي القري فاصاب فيهم، وقتل قيس بن المسحر اليعمري مسعدةَ بن حكمة بن مالك بن بدر واسر ام قرفة- وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر، عجوزاً كبيرة وبنتا لها، فامر زيد بن حارثة ان يقتل ام قرفة، فقتلها قتلا عنيفاً، ربط برجليها حبلين ثم ربطهما الي بعيرين حتي شقاها." (تاريخ الطبري، ج2، ص126). و دعنا نقرأ ما كتب الإمام القرطبي في تفسير الآية "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا". فقد قال: "كان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزلت "فاقتلوا المشركين" (التوبة 5) فنسخت ما قبلها، بل قال جماعة من العلماء نسختها "وقاتلوا المشركين كافة" (التوبة 36) فأُمر بالقتال لجميع الكفار. ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان. وللمرأة آثار عظيمة في القتال منها الإمداد بالمال ومنها التحريض على القتال، وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيّرات بالفرار، وذلك يبيح قتلهن. " فالمرأة غير المسلمة التي تُشجع على القتال يُباح قتلها." وحتى أبو بكر نفسه الذي أوصى بعدم قتل النساء والصبيان خالف وصيته عندما بعث خالد بن الوليد ليحارب مسيلمة في اليمامة. فعندما قُتل مسيلمة وأكثر من ألف من رجاله دخل النساء والشيوخ والصبيان في حصن لبني حنيفة فعقد معهم خالد صلحاً لأنه خُدع وحسب أنهم رجال مقاتلون. "فلما فرغ من صلحهم إذا كتاب من أبي بكر رضي الله عنه قَد جاءه أن يقتل منهم كل من أنبت فجاءه الكتاب بعد الصلح فمضى عليهم الصلح فلم يقتلوا." (المنتظم في التاريخ لابن الجوزي، ج4، ص 35). فها هو أبو بكر يأمر خالد بقتل كلٍ من أنبت شعر عانته مع أنهم أطفال وكانوا في الحصن ولم يشتركوا في القتال. وإذا تحدثنا عن وصية أبي بكر بعدم قطع الأشجار، ماذا نفعل بقصة بني النضير عندما حاصرهم النبي وأمر بقطع نخيلهم وحرقه، وبعد أن قطعوا منه جزءاً وحرقوا جزءاً واحتج بنو النضير وبعض المسلمين، فقرأ عليهم النبي الآية التي نزلت عليه لتوها: "ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله" (الحشر 5). فالمسلمون قطعوا نخيل بني النضير بإذن الله، فمن هو أبو بكر حتى يأمرهم بعدم قطع الأشجار وقد أذن الله لهم بذلك.

 

وقال د. النابلسي في تكريم الإسلام للعقل ما يلي: "وقد حدد الإسلام علاقته بالعقل تحديداً دقيقاً من خلال المظاهر التالية:

- أن الإسلام جاء هادياً للعقل فيما يتعلق بالعقائد الخاصة بالله وبرسله وباليوم الآخر وبالغيب الالهي.

- ربط الإسلام بين العقل وبين القيم الاخلاقية كالخير والفضيلة، وما ينبغي أن يكون عليه السلوك الانساني عامة.

- نادى الإسلام بضرورة إعمال العقل في مسائل التشريع التى تنظم المجتمع وتقيم الحياة الإنسانية.

ونتيجة لدعوة العقل الكبيرة هذه في إقامة الحياة الإسلامية، نشأ علم كبير في الثقافة الإسلامية وهو علم الكلام (علم الرأي والنظر) الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالفلسفة (علم المنطق والبرهان) وظهرت معه الفلسفة الإسلامية وفلاسفتها المشهورون كالكندي والفارابي وابن رشد وغيرهم. "

 

وربما يكون الإسلام قد دعا إلى الفضيلة وإعمال العقل، ولكنه لم يأت بجديد في حياة العرب الاجتماعية أو العلمية إذ كان العرب قبل الإسلام يعرفون الكرم والفضيلة ويراعون حرمة الجار وقد عبر حاتم الطائي في شعره عن كل هذه الأشياء. و أما عن العلم فقد كان عرب ما قبل الإسلام يعملون عقولهم فيما حولهم وبرعوا في علم الفلك والطب وحتى في الترجمة، ويشهد على ذلك د. النابلسي نفسه في كتابه "لو لم يظهر الإسلام". فقد قال: "وكان لعرب ما قبل الإسلام حركة ترجمة رغم قلة الأخبار عن حركة الترجمة إلا أن بعض المترجمين وترجماتهم استطاعت أن تنفذ من الحصار الثقافي الإسلامي لفترة ما قبل الإسلام، وكان هذا الحصار يعمل جاهداً لإبراز القطيعة الثقافية بين العرب قبل الإسلام وبين الثقافات الأخرى التي كانت سائدة في ذلك الزمن كالثقافة اليونانية والثقافة السريانية. فجاءنا ذكر ابن حزيم وابن أبي رومية التميمي والحارث بن كلدة الثقفي والنضر بن الحارث، والأخيران كانا من علماء الطب. وقد ترجما كتباً في هذا المجال. وأهل مكة بالذات كانوا على علم باسماء مشاهير حكماء اليونان ومنهم من كان له اتصال ببلاد الثقافة والعلم إضافة لذلك فقد تمت ترجمة الإنجيل والتوراة إلى اللغة العربية، وورد أن وهب بن منبه وأخاه كانا يستوردان الكتب القديمة من بلاد الشام. وأن اليهود العرب كانوا يقرأون التوراة باللغة العربية." (ص91). فالعرب قبل الإسلام كانوا يُعملون عقولهم فيما حولهم ويعرفون أدب وفلسفة الإغريق والرومان، ومنها أتى علم الكلام، الذي حاربه الإسلام ولم يشجع عليه. فقد كفّر حجة الإسلام الغزالي كلاً من ابن سينا والفارابي في كتابه "المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال" لانشغالهم بعلم الكلام (شذرات الذهب للدمشقي، ج2، ص 201).وقال الإمام الجليل الشافعي: "حُكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام." ولجلال الدين السيوطي كتاب بعنوان "القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق "

 

ويتبين بعد هذا العرض أننا فعلاً في حاجة ماسة إلى ثورة تجديدية تثّبت الحقائق وتزيل ما دونها.

 

للتعليق على هذا الموضوع