14 مارس 2006

 

 

 

إختلاف القيم وصدام الحضارات

جوزيف بشارة

 

  تصاعدت في الأونة الأخيرة النداءات الداعية إلى حوار الأديان كإجراء وقائي لتفادي صراع محتمل للحضارات. دعوات حوار الأديان لم تقتصر على طرف بعينه، وإنما صدرت عن العالم الإسلامي ممثل في زعمائه وملوكه بالإضافة إلى رجال الدين المتفتحين كشيخ الجامع الأزهر، كذا الغرب ممثل في الفاتيكان وبعض رجال الدين البروتستانت والأنجليكانربما اتفق عقلاء كافة الأطراف على أهمية تعايش الأديان في سلام تحت راية حرية العقيدة، ولكن لازالت هناك بعض الأصوات التي ترفض الاعتراف بالأخر المختلف في عقيدته وذلك إيمانا منها بوحدة العقيدة بعد ظهور الإسلام. يتزعم السلفيون هذه الأصوات ومنهم تقي الدين بن تيمييه ومحمد بن عبد الوهاب وسيد قطب. في المقابل تظهر في الغرب نظريات تنبئ بحتمية صراع الحضارات بعد سقوط صراع الأيديولوجيات، لعل أبرز هذه النظريات ما طرحه "صموئيل هانتينجتونفي عام 1993.

 

 رغم انها ليست المرة الاولى التي يتحدث فيها  البعض عن الربط بين حوار الأديان ونبذ نظرية صراع الحضارات، إلا أن الدعوات تأتي هذه المرة  في وقت مشحون محتقن بعد مشكلة الرسوم الكاريكاتيرية التي اعتبرت مسيئة للإسلام وما تبعها من ردود أفعال غاضبة عنيفة في الشارع الإسلامي فسرها مؤيدو "هانتينجتون" على أنها إرهاصات صراع الحضاراتكان "صموئيل هانتينجتونإفترض في كتابه "صدام الحضارات" أنه بنهاية الحرب الباردة فان قوى جديدة ستطفو على السطح ، وان الاختلافات الدينية والثقافية بين هذه القوي ستقودها الى التصارع فيما بينها. وحدد "هانتينجتون" الإسلام باعتباره التحدي الاكبر، بين هذه القوى، للسلام العالمي والطموح الامريكي.

 

على الجانب الرسمي إنتقدت الدول العربية والإسلامية ومعظم الدول الغربية فكرة صراع الحضارات، وخرجت تصريحات رسمية من هنا وهناك تطمئن الرأي العام العالمي بصفة عامة والإسلامي بصفة خاصة وتقول بأن التعايش السلمي بين الأديان والحضارات المختلفة هو الحقيقة الواقعة، ضاربة المثل بالمجتمعات المتعددة الأعراق والثقافات والأديان في الغرب. من جانبهم، تولى العديد من الباحثين والخبراء نقد نظرية صراع الحضارات، فكان هناك من أيدها على إطلاقها وكان هناك من أيدها بتحفظ وكان هناك من رفضها واعتبرها مجرد محاولة لملء الفراغ الذي خلفته الحرب الباردة في الوجدان الامريكي.

 

كان من هذه الأبحاث دراسة "ألصدام الحقيقي للحضارات" للباحثين "رونالد إنجيلهارت و بيبا نوريس" الذي نشر بمجلة "فورين أفيرز"، عدد مارس/أبريل 2003. يقول "إنجيلهارت ونوريس" في نقدهما لنظرية صراع الحضارات أن "هانتينجتون" افترض أن القيم السياسية هي جوهر الصراع بين الغرب والإسلام، لكن ذلك يشكل نصف الحقيقة فقط، إذ أن للصراع بين الطرفين جذور أخرى تعود إلى تنافض موقفيهما من قضايا أساسية أهمها المساواة بين الرجل والمرأة والحرية الجنسية. ويصف "إنجيلهارت ونوريس" الهوة بين الغرب والإسلام بـ "الهوة الجنسية" القائمة على التفرقة بين الجنيسين. ويضيفان أن هذه الهوة تتسبب في اتساع الفروق الإقتصادية بين الغرب والعالم الإسلامي، لان الأخير يفتقد نصف قدرته وطاقته المتمثل في المرأة المضطهدة والمستبعدة. ويؤكد الباحثان أن الإلتزام بالمساواة بين الجنسين هو المؤشر القوى والأوضح على التزام المجتعات بمبادئ الحرية والتسامح والمساواة الإجتماعية.

 

ربما كانت هناك بعض النقاط التي يمكن أن نتفق فيها مع "إنجيلهارت ونوريس" وبخاصة النقاط المتعلقة باختلاف القيم والأسس التي تقوم عليها المجتمعات الغربية والمجتمعات الإسلامية، ولكني أرى أن إختصار هذه الإختلافات في المساواة بين الجنسين فقط لا يشكل كل الحقيقة، وإن كان جزءا اساسيا ومهما منها. إذ أن قيم أخرى كفصل الدين عن الدولة، وحقوق الإنسان، والمساواة بين المواطنين على اختلاف عقائدهم، والتسامح ، وقبول الأخر، وحرية الإختلاف، ورفض المطلق، ونقد المحرمات لا تزال تشكل فروقا جوهرية بين العقلية الغربية والعقلية المتزمتة في مجتمعاتنا. مجتمعاتنا لا تزال تشهد ظواهر سياسية واجتماعية عفا عنها الزمن منذ أمد بعيد في المجتمعات المتحضرة. وإلا فبماذا نفسر تدخل الدين في أمور الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية بما يشكل عائقا أمام تقدم معظم مجتمعاتنا؟ وبماذا نفسر إحتلال الدول الإسلامية مقدمة جداول الدول المنتهكة لحقوق الإنسان في العالم؟ وبماذا نفسر الإعتداء على الأقليات هنا وهناك؟ وبماذا نفسر الحرب الأهلية التي تكاد تندلع في العراق بين المسلمين السنة وأشقائهم المسلمين الشيعة؟ وبماذا نفسر التصفيات الفكرية والجسدية التي تتم لرجال الفكر في لبنان ومصر والجزائر وغيرها؟ وبماذا نفسر ظاهرة الثأر؟ وبماذا نفسر عدم منح المرأة حقوقها المساوية للرجل؟  أسئلة كثير تشكل فوارق زمنية وحضارية وعلمية بين مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية التي يكفرها البعض.

 

إن نبذ صراع الحضارات لا يكون بالشعارات الرنانة وحوار الطرشان الذي يريده البعض، ولكنه يتم بتبني قيم متحضرة تقاوم التخلف الذي تقبع فيه مجتمعاتنا. إن تبني تعايش الحضارات لايعني بالطبع أن يتخلى المسلمون عن دينهم وتعاليمه كما يروج البعض، ولكنه يتطلب تفعيل العقل، والإنفتاح على الثورات العلمية، والتعلم من تجارب الأخرين في المجالات الأتية:

 

أولا: فصل الدين عن الدولة فصلا تاما على أن يقتصر دور رجال الدين على شرح وتفسير العقائد الدينية دون التدخل الأمور السياسية أو فرض الرؤية الدينية على الحكومات. علينا الاستفادة من تجارب الأخرين في هذا الشأن. أوروبا لم تنطلق من كبوة العصور الوسطى إلا بعد تحرير الدولة من سلطة البابوات.

 

ثانيا: تثبيت  دعائم الديمقراطية السياسية القائمة على المساواة والتسامح والعدل بما يكفل للفرد حرية العقيدة والتعبير وانتخاب ممثليه.

 

ثالثا: مواجهة الفكر الإرهابي المعادي لكل ما هو غير سلفي. وأعتقد في هذا الصدد أنه تقع على عاتق رجال الدين الاسلامي مسؤولية ضخمة في في هذا الشأن. أرى أنه لا ينبغي إغفال الجانب التاريخي لبعض النصوص وبخاصة التي تتعلق بتكفير الأخر ومواجهته، وذلك لمواجهة التنظيمات الارهابية التي تفرغ تلك النصوص من دلالاتها التاريخية وترى انها واجبة التنفيذ في كل العصور. لقد عانى الغرب طويلا من سيطرة النصوص ولكنه تمكن من التغلب على قوى الظلام ليس بمواجهة المسيحية ولكن بالإنفتاح في فهم الكتاب المقدس.

 

رابعامراجعة الفتاوى والأحكام الصادرة عن دور الفتوى الرسمية بالدول الإسلامية ومنها على سبيل المثال "حكم الإحتفال بحلول عام 2000 الافرنجي وما يتعلق به من أمور" ألصادر عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية وغيرهما من الفتاوى والأحكام التي قد تؤثر على سلام واستقرار التعايش الإجتماعي المشترك. قراءة إحدى هذه الفتاوى يعطي الإنطباع بحجم الإنعزال والتقوقع الذي يريده رجال الفتوى لمجتمعاتنا، ناهيك عن الأثار السلبية التي تغرسها مثل هذه الفتاوى في بنيان المجتمعات المتعددة الثقافات والأديان. مثل هذه الفتاوى تقوض أركان أي مجتمع مدني مبني على التسامح وقبول الاخر

 

خامسا: إعادة تاهيل رجال الدين والخطباء بما يضمن حصولهم على الحد الأدنى من التعرف بالثقافات الأخرى، فالتعرض للثقافات الأخرى لا يجب أن يكون في أطار التنافس والسعي لنقضها وهزيمتها كما هو الحال في معظم البلدان العربية والإسلامية ولكن التعرض للأخر يجب ان يكون في إطار الإحترام المتبادل والسعي لخلق ارضية مشتركة مع الجميع.

 

سادسانظم تطوير نظم التعليم القائمة على أحادية الثقافة والمصدر، إذ ينبغي تنقية التعليم من كل ما يهين ويجرح مشاعر ويقلل من شان الأخر. أصبح من الضروري التعامل مع التعليم بنظرة مختلفة، فالتعليم لم يعد هو التلقين، وإنما تدريب النشء على البحث العلمي الدقيق والموضوعي.

 

سابعاعلي وسائل الإعلام في العالم الاسلامي أن تعي أهمية الدور الذي تلعبه في تشكيل الرأي العام. ففي ظل العولمة والثورة الهائلة في نظم المعلومات والإتصالات والهجرة المنتظمة بين المجتمعات أصبح من الضروري التعامل مع الاخر كشريك لا كعدو وكاضافة لا كمرادف. وعلى وسائل الإعلام أن تتوقف عن التقليل من شان الأخر في سعيها لتعظيم الذات، وكذا عليها أن تتوقف عن التحريض ضد الأقليات الدينية والعرقية وأن تعامل مع الجميع من منظور عادل يتيح للجميع حير التعبير.

 

إن تعايش الحضارات يتطلب  تغييرا في القيم السياسية والإجتماعية، وتطويرا للمناخ والعقليات والسلوكيات السائدة في العالمين العربي الاسلامي. فلا تعايش الحضارات طالما تواجدت الدكتاتورية وسيطرة رجال الدين وانتهاك حقوق الإنسان. ولا تعايش للحضارات مع الكراهية والحقد وإنكار الأخر.  تعايش الحضارات يتواجد حيثما تواجدت قيم التسامح والمساواة والعدل بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة. دعونا نحلم بمستقبل افضل لمجتمعاتنا....

josephhbishara@hotmail.com

 


للتعليق على هذا الموضوع