4 أبريل 2006 

 

 

 

 

 

حاتيمي محمد، أستاذ التاريخ المعاصر و متخصص في تاريخ الجماعات اليهودية..

يتحدث عن واقع اليهود بالمغرب

أجرى المقابلة: مصطفى عنترة

 

ـ هل تعتقدون بوجود تعايش داخل بلد تسوده أغلبية مسلمة سنية مقابل أقلية يهودية؟

في المغرب حصل إجماع "وطني" في موضوع قدرات المجتمع المغربي على التعامل إيجابيا مع الأقلية اليهودية. فالخطاب السياسي (الرسمي والحزبي والنقابي والمدني) شدد دوما على ما جبل عليه المغاربة منذ "القديم" من شيم التسامح والتعامل السمح مع اليهود، على اعتبار أنهم مواطنون ورعايا صاحب الجلالة، وساهموا بقسط وافر في صنع الشخصية المغربية. وقد رسخ هذا الاعتبار كون أحد الأساطير المؤسسة للدولة المغربية تستمد إحالاتها من شخصية السلطان ـ الملك ـ أمير المؤمنين محمد الخامس الذي جعل من حماية اليهود المغاربة مسألة مبدئية حيث رفض "رفضا قاطعا" تطبيق "قوانين فيشي العنصرية" في مملكته. وهذا الموقف "الشجاع" ضمن له احترام وتقدير يهود العالم، كما أنه شكل على الدوام أحد مصادر قوة الدبلوماسية المغربية في تعاملها مع القوى الغربية. وقد عملت مجموعة من الفعاليات اليهودية (مقربين لدار المخزن ورجال أعمال ومفكرين) من خلال إنشاء جمعيات ومنتديات فكرية تنظيم مظاهرات ثقافية تحت الرعاية السامية للملك الحسن الثاني"وارث سر أبيه والد الأمة" على الترويج لثقافة الحوار بين الديانتين ـ الإسلامية واليهودية ـ فوق أرض المغرب.

 

 

ـ معلوم أن لديكم اهتماما كبيرا بالحركة الصهيونية على الصعيد الدولي، نود منكم أن ترسموا لنا البدايات الأولى لنشاط الحركة الصهيونية داخل المغرب؟

تأسست أول خلية صهيونية في المغرب سنة 1900 في مدينة الصويرة، وكانت بها نخبة محلية وأجنبية متعلمة لها علاقات عمل ومعاملات متنوعة مع هيئات أوروبية مختلفة تستلزم القيام بأسفار متكررة والاستقرار لمدة في بلدان أوروبا. وترتبت عن هذه الاتصالات معرفة بالتيارات الفكرية والقومية التي عجت بها القارة العجوز، وتعززت عبر النهل من الصحف والمجلات والدوريات اليهودية ومؤلفات في مواضيع النهضة اليهودية في أوروبا الغربية والوسطى والشرقية. وفي نفس السنة، رأت النور خلية ثانية في تطوان وهي مدينة تتقاسم والصويرة العديد من الخصائص (الانفتاح على العالم الخارجي ووجود نخب متعلمة على دراية بالتطورات الدولية، واستقرار قناصل منذ القرن التاسع عشر...). وانطلاقا من المدينتين الساحليتين، عملت أطر صهيونية عديدة ـ وأغلبهم أجانب ـ على الدعوة للإيديولوجية المستوردة وتأسيس خلايا جديدة في أهم المدن. ويثير الانتباه سعي أطر الخلايا منذ البدايات إلى تكثيف الاتصالات بهيئات صهيونية مختلفة في أوربا والجزائر وكذلك أولى المستوطنات الصهيونية في فلسطين.

 

ـ في رأيكم متى انطلق مسلسل هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل وأوربا والولايات المتحدة الأمريكية، وما هي طبيعة العوامل التي ساهمت في تشجيع مسلسل الهجرة؟

لا بد هنا من التمييز بين ثلاث مراحل كبرى في تاريخ هجرة اليهود المغاربة صوب ما ظلوا يعتبرونه أرض الميعاد، وهو اعتبار بنوئي تحول بفعل التأطير الصهيوني إلى اعتبار إيديولوجي. المرحلة الأولى وتمتد من البدايات إلى تاريخ تأسيس الدولة العبرية، ومحفزها الرئيسي هو الرغبة في تحقيق غايات دينية. وظلت وثيرة الهجرة نحو أرض الميعاد ضعيفة، إذ لم يتعد عدد اليهود النازحين من بلدان شمال إفريقيا الثلاث خلال مدة الانتداب البريطاني ألف شخص. وقد رحل أغلبهم بشكل انفرادي، إذ أن عدد العائلات التي هاجرت بأكملها قليل جدا لا يتعدى على الأرجح عشر أسر صغيرة. المرحلة الثانية دشن لها تأسيس الدولة العبرية، حيث ارتفع العدد بشكل ملموس وجل المهاجرين ينتمون للفئات الفقيرة والمتوسطة، وهم في أغلبهم سعوا من خلال انتقالهم لأرض الميعاد تحسين أوضاعهم المعيشية. أما المرحلة الأكثر حسما، فهي التي تلت استقلال المغرب حيث أخذت الهجرة طابعا أكثر تنظيما وتأطيرا وكذلك تحديا للدولة المغربية.

 

ـ لكن كيف استطاع المغرب الرضوخ إلى ضغوطات الحركة الصهيونية وبعض القوى الغربية للسماح بهجرة أبنائه إلى إسرائيل على وجه التحديد ؟

أعطيت العديد من التفاسير لبسط الأسباب التي دفعت بفئات عريضة من يهود المغرب إلى مغادرة أرض آبائهم والتوجه نحو أرض فلسطين من دون أن تكون لهم قناعات صهيونية فلسفية ومادية (لم تحقق الدعاية الصهيونية في المغرب استنفارا جماعيا جعل من الهجرة واجبا وطنيا وقوميا كما حصل فعلا في دول أوروبا الشرقية). ويرى العديد من المهتمين بالموضوع أن قيام دولة إسرائيل واشتداد حدة الصراع العربي-الإسرائيلي في الخمسينيات واقتحام الخطاب القومي المشرقي لثقافة الشارع المغربي، هي أمور تظافرت فاستنفرت الجماعات وسرعت من وثيرة رحيل اليهود من المغرب نحو دولة إسرائيل. ويجمعون على أن القهر الطائفي لم يكن سببا في الدفع باليهود إلى الهجرة، لأن حياتهم في المغرب لم تكن في "وضع الأزمة"، ولم يكن البحث عن عيشة أفضل سببا كافيا لوحده للدفع بآلاف العائلات للرحيل صوب المجهول. ومن جهتنا، نعتقد أن الهجرة هي الحلقة الأخيرة من مسلسل الحداثة الذي بدأ خلال القرن التاسع عشر، وكرست ثقافته مدارس الأليانس (الرابطة الإسرائيلية العالمية) التي شبعت عقول تلامذتها بواجب التضامن مع اليهود أينما كانوا، وأقنعتهم بأن كل ما يهم يهود العالم يهم بني ملتهم بالمغرب لأن اليهود يشكلون وفق جميع المواصفات أمة واحدة. وقد أدى المسلسل المعقد في نهاية المطاف بيهود المغرب إلى الاعتقاد بأنه لا مكان لهم داخل المجتمع المغربي لأنه مجتمع يحدد هويته وفق اعتبارات دينية وثقافية (إسلامي وعربي)، وهي اعتبارات تقصيهم فعليا وأخلاقيا.

وقد حاول العديد من اليهود "المتنورين" مقاومة هذا المعطى عبر الاعتقاد في قيم سامية أرادوا لها أن تكون محفزات تسمو فوق المعطيات الظرفية (صراع الطبقات بالنسبة للشيوعيين واليساريين، والارتباط بالعرش العلوي بالنسبة للربيين والمسنين، والمشاركة في التطور الاقتصادي والتقني للوطن بالنسبة لليبراليين...)، إلا أن منطق الهجرة ما فتئ أن لحق بهم ؛ فمن لم يرحل في بواخر المنظمة الصهيونية، رحل في وقت لاحق على متن طائرات عصرية لأنه بات يشعر بالعزلة وبوجوب القيام بمثل ما قام به الآخرون.

وسعى الوطنيون المغاربة من جانبهم منذ بدايات العمل الوطني إلى التكثيف من المبادرات الفعلية قصد طمأنة مواطنيهم اليهود، وترديد مقولات تؤكد على حرص المجتمع المغربي على تخصيص يهوده بمكانة متميزة وضمان مصالح الجماعات والأفراد. وقد تحصل عن كل هذه المجهودات رصيد معرفي دل على قدرات متميزة في تطوير وجهات نظر أصيلة في موضوع التعايش الإيجابي بين أغلبية مسلمة وأقلية يهودية مواطنة. وإجمالا، لم ينل فشل الاجتهادات السياسية والميدانية، من وفاء الدولة المغربية لروح أسطورة التسامح. ففي جل المناسبات -أفراحا وأتراحا- تروج وسائل التأثير العام لمقولات تسعى إلى التأكيد على أن "الإنسان المغربي" جبل على التسامح، وأن اليهود عاشوا دوما بين "إخوانهم المسلمين" في سلام وأمان.

 

ـ ما هو الدور الذي لعبه اليهود المغاربة في مقاومة المستعمر الفرنسي داخل المغرب علما بأن هذا الأمر ظل مسكوتا عنه في كتابات المهتمين والمتتبعين لشأن المقاومة؟

يطغى الحرج على أحاديث وتحاليل الباحثين اليهود مغاربة وغير مغاربة- حين تطرقهم لدور العنصر اليهودي في مقاومة المستعمر وطبيعة وحجم مساهمته في الحركة الوطنية. ويعكس هذا الشعور إقرارا بتذبذب موقف غالبية اليهود المغاربة من قضية الاستقلال. فخلال الفترة العصيبة التي تلت نفي السلطان محمد بن يوسف، أدركت فئات عريضة من اليهود أن الحماية الأجنبية المباشرة كفت عن ملء وظائفها، وأن تحديد مصيرها يتوقف أساسا على حجم وطبيعة الخيارات الآنية. وقد أخذت إرهاصات ومظاهر هذا الشعور في بداية الأمر أشكالا مختلفة للتوتر دلت على حيرة جماعية حقيقية. كان الوضع يتطلب اتخاذ مواقف محددة من التطورات الحاصلة والطارئة والتأهب للتعامل مع كل الاحتمالات بما فيها الاستقلال، وهو ما اعتبرته الأغلبية الكبرى من يهود المغرب مراهنة على المجهول. والحقيقة، اعتبر عموم اليهود حصول البلاد على الاستقلال توطئة لاستحواذ المسلمين من جديد على السلطة والعودة إلى الممارسات "الهمجية" التي أعطت للمسلمين الحق في تحقير اليهودي وسلب ممتلكاته وسبي نسائه، وهي تخوفات ضخمت من هولها السلطات الاستعمارية والتنظيمات الصهيونية. فهذه الأخيرة، استغلت الوضع للرفع من حدة دعايتها كما وظفت لصالحها الفوضى العامة قصد تهجير أعداد مهمة من المرشحين للهجرة الجماعية المنظمة.

ويفسر هذا الشعور التزام الأغلبية الصامتة من اليهود المغاربة لمواقف سلبية اتجاه الصراع الدائر أمامها، وتأرجحها بين الحياد التام والاتكال بشكل مطلق على التنظيمات اليهودية الدولية للدفاع عنها وعن مصالحها. وزاد من سلبية المواقف الفردية والجماعية، الدور الخطير الذي لعبه مجلس الجماعات اليهودية عبر قيامه بالعديد من المبادرات السياسية التي جعلت منه طرفا في الصراع متحالفا مع السلطات الفرنسية والقوى التقليدية. والحقيقة، فعدد اليهود الذين طوروا علاقات تعاون مع الأوساط الوطنية قليل جدا، جلهم من الأوساط الحضرية والمثقفين. ولم تكن في الغالب وطنية اليهود الذين فضلوا العمل الإيجابي ذات أبعاد شعبية لأن ولاءاتهم كانت متعددة ومتضاربة.

 

ـ وكيف كان موقف الفاعلين السياسيين المغاربة من مسألة اندماج المواطنين اليهود في دولة الاستقلال؟

من دون أدنى شك، راودت جل الزعماء المغاربة الرغبة في تحقيق حلم اعتبروه ممكنا، حلم يكون المغرب فيه البلد العربي "الوحيد" الذي تتعايش فوق أرضه "طائفتان" يشكل تكاملهما محركا للتقدم وانسجامهما سندا لتلميع صورة المملكة التي حفظت لقرون للأقلية اليهودية حقوقها وحرياتها ومقدساتها. وعلى اختلاف قناعاتهم الفلسفية وانتماءهم السياسي، أدرك الساسة أن الدولة المغربية في حاجة ليهودها وأن مسيرتها نحو الرقي مرهونة بضمان الانسجام بين جميع مكوناتها البشرية. وإجمالا، أرادوا أن يمكث اليهود المغاربة في بلادهم ويساهموا في معركة البناء. ومن جهتها، أبدت فئات عريضة داخل الجماعات اليهودية عن تفاؤل حقيقي اتجاه الاستقلال، فالعديد من الشخصيات المؤثرة ـ تقليدية وعصرية ـ اعتبرته حقق في وقت قصير ما لم تنجح في تحقيقه الحماية وأقرت بأن الدولة المغربية جعلت عبر نقلة واحدة من اليهود مواطنين من نفس درجة المسلمين، وهو ما يمثل ثورة حقيقة.

كان على هذه الرغبة أن تصمد أمام التحديات الكبرى التي واجهتها الدولة المغربية في بداية عهدها بالاستقلال. فقد ترتب عن الانتقال من وضع المستعمر المسير إلى وضع المالك للسيادة وصانع السياسة الاقتصادية خلل بنيوي تضررت منه مجموعة من القوى كانت مصالحها مصونة في العهد السابق (أو على الأقل اعتقدت أنها مصونة). ثم إن أزمة اقتصادية خانقة عصفت بالتوازنات الاقتصادية خلال السنة الأولى وقلصت بشكل كبير من القدرات التنافسية للعديد من المقاولات اليهودية، وبالتالي انخفضت أرباح التجار والمقاولون الكبار بسبب رحيل زبنائهم الأوروبيين، فاضطروا بدورهم إلى للاستغناء على مستخدميهم اليهود. وفقد التجار المتوسطون والصغار الأدوار التي شغلوها في السابق كحلقة وصل بين الشركات الأوروبية والمستهلك المسلم، في حين قضت المنافسة المسلمة على جملة من الصناعات التقليدية التي ارتبطت في المخيال الشعبي بحدقة ونباهة الحرفي اليهودي.

وعلى الواجهة السياسية، دفع احتدام الصراع السياسي بين حزب الاستقلال والقصر بغالبية اليهود المغاربة ـ وهم فئة تعتبر السلطان ضامنا لأمنها ومصالحها ـ إلى فقدان الثقة في المؤسسة الملكية (خاصة بعد سقوط النظام الملكي في العراق)، وفي قدراتها على حماية اليهود وخلق ورعاية مناخ عام للتسامح والانسجام. والحاصل، ساعد الارتباك العام في الإيقاع بفئات عريضة من يهود المغرب في أحضان الصهيونية ومنظماتها المهيكلة والمدعمة بالمال والسند الإعلامي.

في الحقيقة، لم يكن الحماس الوطني لوحده كافيا لتجاوز المعيقات الموروثة عن زمن الحماية. فقد خلقت التطورات الكبرى التي عرفها المغرب منذ بداية التسرب الأوروبي "فراغا" وغيابا للجسور بين اليهود والمسلمين بات من الصعب ملؤهما حتى ولو اجتمعت النيات الحسنة على مستويات الأشخاص والجماعات. وفي المقابل، سهل الوضع "مأمورية" القوى التي سعت إلى زعزعة ونسف ركائز "تناسق تاريخي" ضمن لقرون تعايش المكونات المختلفة للشعب المغربي.

 

ـ في رأيكم من هي الجهات التي استفادت من هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل وأوربا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا؟

يحسن بنا أن نكون صرحاء مع أنفسنا إلى أقصى درجة والإقرار بأن الجميع استفاد من هجرة اليهود وأن الخاسر الأول والأخير في القضية هو المغرب.

ـ لماذا؟

لأن أغلب من هاجروا اضطروا إلى بيع ممتلكاتهم ومتاعهم في آخر لحظة، وكان المشترون يعرفون في أغلب الأحيان أن اليهودي الذي يبيعهم متاعه هو عازم لا محالة على الرحيل. فالمنازل في أحياء الملاح بيعت بأثمان زهيدة، وهو ما استفاد منه سكان الأحياء الشعبية. ثم إن أرباب المقاولات الصغرى والمتوسطة وذوي الخدمات باعوا مصالحهم جملة ومن دون مزايدات وكان همهم هو التخلص منها مقابل مبالغ مالية سائلة، وهو ما استفاد منه السماسرة المسلمون وبعض عناصر الحركة الوطنية الذين راكموا ثروات لا باس بها غداة الحصول على الاستقلال مكنتهم من شراء حوانيت وورشات ومكاتب وعيادات.... ثم إن العديد من أقطاب البرجوازية المغربية تحالفوا مع أثرياء يهود هاجوا إلى أوربا وكندا، فعملوا وكلاء وشركاء ثم في وقت لاحق استحوذوا على المملتكات.

 

ـ معلوم أنكم قمتم بعملية التنقيب في بعض الأرشيفات بأوربا حول خبايا المسألة اليهودية بالمغرب، نود منكم أن تطلعونا على بعض مواقف المنظمات الصهيونية من بعض الوجوه الوطنية البارزة كعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم وعلال الفاسي؟

حدد مواقف المنظمات الصهيونية العالمية من الفاعلين السياسيين المغاربة مدى درجة تفهم هؤلاء للقضايا اليهودية إجمالا، وخصوصا قضية الهجرة أو ما كانوا يسمونه حرية التنقل. والحقيقة، كان الوطنيون قاطبة مناهضين للصهيونية واعتبروها خطرا حقيقيا ليس فقط على عرب فلسطين وأمن الدول العربية، بل أولا وأساسا على المغرب نفسه لأن أحد أهم غاياتها هو حرمان البلد من طاقاتها اليهودية الحية. وعليه، اجتهدت أجهزة الضغط الصهيونية في إقناع أكثرهم حضورا وتأثيرا على تبني نوع من المرونة في التعامل مع ملف الهجرة اليهودية وذلك عبر التصريح لأثر اليهود عوزا بالرحيل جماعيا. وهنا لا بد من الإشارة على أمر مهم هو أن الممارسين للعمل السياسي انتبهوا إلى صعوبة بل استحالة التصدي لدينامية الهجرة لأن أجهزة الترحيل الصهيوني كانت قد تمرست وترسخت وأضحت عارفة بالبلاد وأهلها. وعليه جعلوا همهم هو الحد من الوثيرة وتشجيع المترددين على البقاء في المغرب والمساهمة في معركة البناء. ومن أهم هؤلاء نذكر الباشا البكاي وعبد القادر بن جلون وادريس المحمدي والغزاوي وإلى حد ما المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد. للإشارة، فهذا الأخير كانت له صداقات معروفة مع أطر المؤتمر اليهودي العالمي، وكان قبل الاستقلال قد عبر باسم الدولة المغربية عن مجموعة من التعهدات لصالح إدماج اليهودي في الأمة المغربية وضمان مجموعة من الحقوق الطبيعية من أهمها الحق في التنقل. وقد أولت الأدبيات الصهيوينة أهمية خاصة للوزير عبد الرحيم بوعبيد. فالرجل في نظرها يمثل بحق السياسي البراغماتي الذي يعي حق الوعي طبيعة وحجم موازين القوى التي تتحكم أو تؤثر في وضع المبادئ العامة التي تقوم عليها السياسة المغربية في وقت حرج من تاريخ البلاد. ثم إنها تشير إلى قدراته في تفعيل أو إجهاض الخطط الحكومية. وفيما يخص ملف هجرة اليهود المغاربة، فبوعبيد كان يرى أن البلد أمام مشكل حقيقي، وأنه مادام هذا المشكل عالقا فإن الدبلوماسية المغربية ستظل معاقة، وبالتالي سيفقد المغرب السمعة الطيبة التي اكتسبها في الأوساط العالمية المؤثرة من خلال تجربته الفريدة في إنهاء زمن الحماية من دون عنف جماعي. وفي تقييمها للأسباب التي جعلت من عبد الرحيم بوعبيد عنصرا معتدلا وواقعيا، تتفق التقارير في اعتبار المهام التي كلف بها (حقائب تقنية في المالية والخزينة) في حكومات الاستقلال الأولى (حكومة البكاي الأولى والثانية ثم حكومة أحمد بلافريج)، جعلته لمدة بعيدا عن النقاشات السياسية والسياسوية، وعلى بينة من الاحتياجات الهائلة للدولة. إن الوزير بوعبيد أدرك بأنه من دون المساعدات الأمريكية، فإنه سيكون من الصعب تكريس مكتسبات مرحلة المقاومة وتفعيل الآمال المعقودة.

في المقابل، جعلت هذه الأدبيات من علال الفاسي وعبد الله إبراهيم أشد اعدائها في المغرب ونظمت قنوات التأثير الصهيونية حملة إعلامية ممنهجة للنيل منهما وتشويه صورتهما عند الرأي العالمي الغربي. وهذه الحملة تندرج ضمن مخطط مدروس هدف إلى النيل من سمعة الفاعلين السياسيين المغاربة الأكثر نشاطا على المستوى الفكري والتنظير الإيديولوجي، وبالتالي التشكيك في مصداقية الحكومات المغربية دون المساس بمبدأ تخصيص المؤسسة الملكية باعتبار متميز. فالفلسفة العامة للعمل الصهيوني في المغرب انبنت على المراهنة على سمعة السلطان وسلطته ليبقى كما كان دوما بالنسبة لليهود حاميا وضامنا لسلامتهم وأمنهم. أما ما دونه وأسرته، فيمكن انتقادهم بشكل يجعلهم باستمرار في وضع المدافع والمحتاط حين التعامل مع الملفات التي تخص اليهود. وليس من الصعب معرفة الأسباب التي جعلت من علال الفاسي وعبد الله إبراهيم بالضبط موضوعا للدعاية الصهيونية، فالزعيمان مثلا في النصف الثاني من عقد الخمسينيات قطبين سياسيين رئيسيين، الأول مثل التيار اليميني المحافظ والثاني مقابله اليساري الثوري. وقد سهل التكوين التقليدي للزعيم الاستقلالي مأموريات من يريدون الصيد في المياه العكرة واستغلال الزلات والهفوات في مواضيع فقهية "كالمعاداة الفطرية لليهود" و"الدعوة لاحترام التراتبية الدينية" و"التحمس للتضامن الإسلامي"...، في حين شكلت يسارية عبد الله إبراهيم جوهر الاتهامات ضده، خاصة بعد تعيينه على رأس حكومة "تقدمية". فاليسارية عند الرأي العام الغربي تعني أن صاحبها "شيوعي" أو على الأقل "موالي للشيوعية"، وبالتالي مناهض للغرب ومعادي لمصالح العالم الحر وللقوى المتحالفة معه.

للتعليق على هذا الموضوع

"bahir abderrahim" <bahirabderrahim@menara.ma>

Date: Tue, 21 Nov 2006 23:55:33 +0100



موضوع جيد وتحليل دقيق وان كان في حاجة الى المزيد ولكم الشكر

 

 

"K-LABRITI" <KHADIJA@menara.ma>

Date: Sun, 24 Sep 2006 12:10:00 -0000

موضوع جيدا لكن تنقصه بعض الاستدلالات