23 فبراير 2005

 

                                                  الفاجعة اللبنانية وتيوس الأمر الواقع

جهاد نصره

 

  لم يعد أمر البعض من عبيد الأيدولوجيا محتملاً..! لقد تجاهلناهم طويلاً ولم نشأ أن نذرف حبرنا كيفما كان ولكن، حان الوقت لامتشاق القلم والذهاب إلى النهايات مهما تكن.. ولمَ لا والخسارة كامنة في الصمت كما هي في الكلام.؟ أولئك المؤدلجون الذين ليست عندهم رغبة التطور ولا يملكون إمكانيته، والذين يملكون البصر ويفتقدون البصيرة، تغيظهم الكلمة الجديدة، والفكرة الجديدة، واللغة الجديدة..وهم لا يرون في كلِّ هذا غير الموبقات، فتارةً يستحضرون الإمبريالية، وأخرى الصهيونية، وما بينهما العولمة الداعرة ، ومؤخراً الليبرالية الجديدة ابنة عم الليبرالية القديمة، وجارة أم علي الكولونيالية.. وإلى ما هنالك من محتويات القاموس المحروس من قبل التيوس الذين يرشقون من كفر بهم، وبالأمر الواقع، بكل ما في جعبتهم من قذائف خلبية من مثل: العمالة، والارتهان للخارج، والتعامل مع السفارات وغير ذلك.!

 

تيوس الأمر الواقع ونحن منهم، باعتبارنا من النخبة التي لم تختلف إلى يومنا هذا عن القطيع إلا في الثرثرة المتواصلة، يغضّون النظر عن الخصوم السياسيين من حولهم اللهم إلا من بعض الكلام الذي لا يهش.. ولا ينش..! وذلك بسبب نقص هرمون الرجولة السياسية لديهم في حين تراهم يرفعون قبضاتهم الكرتونية في وجوه الذين كفروا بالأمر الواقع.. وبهم قبل ذلك.!

  

وهم، أو نحن جميعاً، نتباكى منذ خمسين عاما ونيِّف على الجغرافيا.. مجرّد جغرافيا يحلم الناس منذ زمنٍ طويل أن تصبح وطناً حقيقياً للجميع..!

  

فيوماً يقولون:

إن البورجوازية الطفيلية سرقت الوطن..! ويوماً يقولون: الإمبريالية الشريرة تعدّ العدة لنهب الوطن..! ولا أحد يعرف كيف ستنهب الإمبريالية شيئاً لم يعد موجوداً.!؟

 

وتيوس الأمر الواقع، أصبحوا أمراً واقعا بدورهم وهم، وكما هو واضح، سيبقون كذلك إلى أن يأتي الوقت الذي تتحطم فيه على رؤوسهم جغرافيا الوطن المفترض ..حينذاك، قد يفيقون من غفلتهم بعد فوات العقل، و فوات الأوان..! أوان الأيدولوجيا وأصنام الكلام الذي هو عندهم مجرّد عجينة مناسبة للشعارات والعلف السياسي..!

 

تيوس الأمر الواقع، لا يعنيهم الزمن الذي يهرب بسرعة البرق من بين الأصابع، ومن فوق الأجيال المتعاقبة، ومن شقوق جغرافيا الوهم خاصتهم.! في حين يستمرون بكل دعة، وتيسنة،  في تقديس الأوهام، والخرافات،  ومآثر التاريخ الغابرة..! وهم بذلك لا يتركون وراءهم سوى الغبار، ووحل التردي،  والاستكانة الذليلة.!

 

تيوس الأمر الواقع، يتباكون على كلِّ شيء وينسون أنفسهم بينما هم، قبل غيرهم، من يستحق دموع الرثاء، أو الشفقة، أو الحسرة وبخاصة حين يدّعون أنهم أحزاب، أو منظمات، أوما شابه ذلك من مثل: قرّر الكتب السياسي كذا..و اجتمعت اللجنة المركزية أو الوطنية كذاك..! ويا لها من لجان .!؟ وأكثر ما يدهش هو في حقيقة أنه كلما حفل الواقع بالمآسي المحبطة كلما كثر كلامهم عن الإمبريالية، والكومبرادور، والعولمة المتوحشة، والليبراليين أذناب الاستعمار في حين أنهم لا يتوقفون يوماً على أضرحة أيديولوجياتهم ليسألوا أنفسهم كيف، ولماذا، يحصل أن شيخا أمياً بلحية أم بدونها، أكثر أهمية منهم، وأكثر تأثيراً بمالا يقاس بالرغم من كلِّ تخرصاتهم التي امتدت لعشرات السنين .!

  

وهاهم اليوم وقد سقط سياسيٌ من طرازٍ رفيع يستمرون في التنظير، والعمليات الهجومية الخنفشارية على الأعداء الإمبرياليين..! إنهم يرثون هذا البؤس أميناً عاماً بعد أمين، ورفيقاً بعد رفيق، وانشقاقاً بعد انشقاق.!

  

وعوضاً عن الانكباب والشغل على هذه المسألة وغيرها والتي تكشف عن كونهم مجرَّد أصفار في معادلة اجتماعية واضحة المدخلات ورهيبة المخرجات، فإنهم يديرون وجوههم شطر ( الأعداء ) فيما وراء البحار..!

  

في الأمس، وبدل الانزواء خجلاً بعد أن شاهدوا حراكا شعبياًً لبنانياً مدهشاً، إذ بهم ينطحون الهواء بكل حماسة ثم يسارعون إلى دعوة فقراء البلاد، والعاطلين من العباد، إلى المقاومة [ الشاملة ] للإمبريالية الأمريكية اللعينة و بقية الدول الاستعمارية الغاشمة. وكان الأجدر بهم أن يلوذوا بالصمت، ويداروا وجوههم استحياءً من تفاصيل المشهد اللبناني المهيب.

 

قبل أيام، عرفت من قتل الحسين وذلك حين هتف شيخ حزب الله وأمينه العام أثناء إحياء ذكرى عاشوراء: الموت لأمريكا مثبتاً شعار الحزب الاستراتيجي..!

 تباً لنا ما أتعسنا يوم أمسكنا القلم.. ويوم جاملنا البكم فصار حالنا من حالهم.. وعارنا من عارهم فبتنا نغوص في بحر العدم.؟

 

  للتعليق على هذا الموضوع