8 مايو 2006 

 

 

 

 

 

"يا راجل فين الباقي"

جميل محمد علي فارسي

(شيخ الجواهرجية بجدة)

 

(وردنا هذا المقال من قارئ سعودي مع التعليق التالي: "قدّمت للنشر ورُفِضَت"! وحيث أن هذا الموقع "منحاز" للمواضيع "الممنوعة"، فقد قرّرنا نشر الموضوع. على أمل أن يسامحنا الأستاذ جميل محمد علي فارسي على نشر موضوعه بدون استئذان- الشفّاف).

*

 

أخي الدكتور حسن وأنا وصديقي الطبيب الماكر (صاحب اقتراح سداد الدين العام في خطّة من أربع كلمات) سافرنا في أوائل السبعينات الميلادية للدراسة في جامعة القاهرة فكنا نذهب يوم الخميس للسينما.

والسينما هناك أمرها غريب، حيث يمر بائع الكوكاكولا وسط ظلام السينما لخدمة الرواد. كان سعر الزجاجة خمسه قروش، فكنا حين ندفع له الجنيه يستغل ظلام السينما ليختفي وسط ذلك الظلام فيصبح السؤال الملح طوال الفيلم "فين الباقي". فالظلام دائماً يخلق سؤال "فين الباقي".

 

ومن يومها ارتبط لدي الظلام بسؤال فين الباقي.

 

تذكرت عبارة "فين الباقي" عندما قرأت رد سعادة وكيل وزارة المالية الأستاذ محمد البازعي على الأستاذ تركي الثنيان ("الوطن"، عدد 2020)، مبيناً "إن الوزارة تبحث فرض ضريبة القيمة المضافة على السلع المباعة تماشياًً مع دول الخليج لتمويل الخزينة بقصد تعويض النقص في الإيرادات الجمركية نتيجة الانضمام لمناطق تجاره حرّة".

 

بامكاني أن أقدم له عدة مقترحات لتخفيض بعض مصروفات الخزينة والتي تبلغ الواحدة منها أضعاف المحصل من الرسوم الجمركية. ولكن دعنا من بند مصروفات الخزينة ولنركز على إيراداتها حيث كنت أعتقد أن إيراد البترول وحده أكثر من كاف لتمويل الخزينة سواء حُصلت أي رسوم جمركية أم لم تحصل. ولإثبات ذلك لنأخذ مسطره وقلماً وآله وحاسبة وفرجار ومنقلة ولنحسب:

365 يوماً في السنة مضروبة في متوسط عدد البراميل المنتجة مضروبة في متوسط سعر البرميل, ثم حاصل الضرب هذا لنطرح منه الرقم المذكور في الميزانية كإيرادات الخزينة..... والآن ( فين الباقي.؟).

 

لهذا تذكرت ظلام السينما المذكورة في أول المقال. فالظلام قد ارتبط لدي بالسؤال "فين الباقي؟".

 

حسب إجابة الآلة الحاسبة فإن الباقي يكفي للصرف على مشاريع تمتص البطالة ونفعّل صندوق معالجة الفقر ونخفض الدين العام!! ولكن دعنا أولاً نجد الباقي نفسه قبل أن نبحث في أوجه صرفه.

 

العجيب في الأمر أن ولي الأمر حفظه الله شكل مجلساً للشورى من خيرة رجال البلد وفي كل دورة يزيد لهم من الصلاحيات حتى أصبح بإمكان أي عشره منهم مناقشة أي موضوع كان ولم يقيد حريتهم بأي قيد إلا ضمائرهم وثوابت الشريعة. ومع ذلك لم يخطر في بال أي عشره منهم مجرد سؤال... "فين الباقي؟".

 

ثم على افتراض أني ضعيف في جدول الضرب (رغم حصولي على ترخيص محاسب قانوني) أو إن إجابة سؤال فين الباقي مبهمة فسيظهر سؤال أخر هو هل من العدالة أن نمّول الخزينة من تلك الضريبة.؟

 

البنوك وحدها تربح عشرين ألف مليون ريال في السنة. لا نأخذ على هذه الأرباح الفاحشة أي ضريبة ونأخذ ضريبة من الأب إذا اشترى لابنه شنطة المدرسة؟ لا نأخذ ضريبة دخل على الشركات ونأخذ من الزوج إذا أحضر ربطة الخبز للغداء؟

 

لا نشاهد من يخطط أرضاً لبيعها بمئات الملايين رغم إنها لم تكلفة أصلاً أي ريال، ونترصد للموظف إذا اشترى لنفسه غترة؟ الذي يحالفه الحظ في سوق الأسهم ليربح ألف مليون ريال وسط آهات ودموع وحسرات مراقبي المؤشر الأحمر ننساه، ونتذكر فقط الأرملة إذا اشترت مكينة خياطة لتعمل عليها، بدلاً من ذل السؤال، ونقول لها أين ضريبة القيمة المضافة؟...

 

يا راجل فين الباقي؟

 

أخيراً أقول... إن من يدفع تلك الضريبة يحق له أن يسأل "أين صرفت؟"... أليس كذلك؟ ...أنا شخصياً سأسأل. فهل الإجابة جاهزة أم ستختفي وسط الظلام. كإجابة "فين الباقي؟".

Jamil@FarsiJewelry.com

 

للتعليق على هذا الموضوع