5 يوليو 2005

 

 

 

لنربط بين تعديل المناهج ومتطلبات سوق العمل، ولا شيء غير ذلك

جمال أحمد خاشقجي*

 

ما من دولة متقدمة في العالم إلا وتجدها تشكو من ضعف أداء طلاب مدارسها، إلا نحن، بل تجدنا نرفض الحديث عن تطوير التعليم ونسميه تعديل المناهج ونصر أنه مؤامرة أمريكية، والحقيقة أننا نتآمر بأنفسنا على أنفسنا وعلى مستقبل وطننا وقدراتنا وموقعنا في العالم.

 

إدخال الإنجليزية إلى المدارس الابتدائية يتحول إلى قضية متعلقة بالهوية الوطنية والدينية، واكتساب المهارات الفنية يصبح إفساداً وسوء خلق، الاهتمام بالعلوم والرياضيات يصبح مؤامرة لإقصاء الدين عن الحياة، والغريب أن الجميع بعد ذلك كله يريدون من الدولة وظائف ومزيداً من الوظائف لأبنائهم، هؤلاء الأبناء غير القادرين والمفتقدون للمهارات الأساسية من أجل حياة أفضل، وأستشهد هنا برأي خبير في التعليم هو الصديق الدكتور راكان حبيب الأستاذ في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة والذي طالما استمعت له وهو يشكو من طلبته الذين يقذف بهم للجامعة نظام تعليمي قاصر، فيجدهم لا يحسنون حتى كتابة جملة مفيدة في خارج موضوع الدرس لعله يعطيهم عليها علامة تقدير، فكتب قبل أكثر من عقد ما يلي "إذا دققنا فيما يكتبه الطلاب فسوف نجد أن نسبة كبيرة من كتاباتهم تعكس عدم تعلمهم نظام الكتابة وعدم القدرة على إيصال المعلومة والسبب في ذلك أننا لا نهتم بتدريس نظامها وبالتالي نجهل ما فيها من تفكير ومنطق.. ومن ثم ننسى أنها مهارة يقصد بها تفعيل ما يراد قوله حتى يتاح فهمه للناس".

 

الأسبوع الماضي بشرنا الدكتور راكان أنه اعتمد أخيرا وبعد 11 عاما من التأمل والتفكير مادة تعليمية جديدة تدعى "مهارات الاتصال" وقال إنه حضر ورشة عمل عقدت في جامعته لتدريب 30 مبتعثاً للولايات المتحدة لتعلم تدريس هذه المادة الجديدة، يبدو أننا جميعا لا نجيد مهارات الاتصال فاحتاج موضوع حيوي ومهم كهذا كل هذا الوقت لاتخاذ قرار في شأنه. إن هذا التأخير يعكس الصعوبة التي تواجه عملية تطوير المناهج في المملكة.

 

ذلك أن العملية تمت أدلجتها على ما في ذلك من إضعاف للوطن وإهدار للوقت وتشتيت للجهد، وليتنا لا ننظر للموضوع من زاوية "قدر أقل من الدين في مناهجنا أم قدر أكبر" فقدر الدين في حياتنا قائم دوما دون مزايدة المزايدين ممن "يحفظون البخاري ويزيدوا فيه" كما يقول المغاربة في مثلهم الدارج، وإنما ننظر من زاوية "كفاءة مخرجات نظام التعليم الحالي، واحتياجات سوق العمل" فنحن بلد نام رغم وقع هذه الكلمة المؤلمة على ذاتنا المنتفخة، ولدينا بطالة مع وجود وظائف شاغرة وهي حالة نادرة لا تعني سوى شيء واحد هو خلل في مخرجات التعليم وبعدها تأتي الأسباب الأخرى.

 

بعد الصيف ومع عودة المدارس سيكون الموضوع المعتاد في الصحف البريطانية أو الأمريكية هو إصلاح التعليم بدون أن يقفز أحد هناك من على مقعده، موضوع لا يملون منه رغم التقدم العلمي والاقتصادي في بلدانهم، يجرون الاختبارات الدورية على قدرات أبنائهم ويقارنونها مع البلدان الأخرى، هاجسهم دول مثل سنغافورة أو كوريا ويغيظهم أن الطالب هناك يحقق نتائج أفضل في العلوم والرياضيات، لقد أجرينا مثل هذه الامتحانات، وأتمنى لو يعلن عن نتائجها المخيفة معالي وزير التربية والتعليم لأولئك الذين يستهلكون جهده ووقته في جدل بيزنطي عقيم يسوفون به الوقت لوأد مشاريع الإصلاح التعليمي، كل ذلك يجري بينما العالم يتغير من حولنا، ويلقي بثقله الضاغط علينا اقتصاديا.

 

لقد أضحت "مخرجات التعليم" سلعة تصدر، إن الآسيويين يغزون العالم، ويحصلون على أفضل الوظائف في المستشفيات والجامعات والمصانع الأمريكية والبريطانية لمجرد أن تعليمهم جيد، بينما نعجز عن شغر وظائفنا الشاغرة أو التي يشغرها آسيوي يسعى حاليا للهجرة إلى الغرب وسوف يفعلها فور أن تتاح له الفرصة.

 

في الأسبوع الماضي جمعتني طاولة عشاء في العاصمة البلجيكية بروكسل مع عضو في البرلمان الفلبيني، روى لي أنه زار ابنة أخيه الممرضة في إحدى مستشفيات مدينة براد فورد البريطانية، وهي واحدة من بين أكثر من 20 ألف ممرض وممرضة هاجروا للعمل في المستشفيات البريطانية، ومزيد منهم في الطريق، قال إن الهيئة الطبية الفلبينية وصفت ما يجري بأنه ليس مجرد هجرة للعقول وإنما "كارثة بالصحة العامة" في الفلبين، ولكن لا أحد بما في ذلك البرلمان الفلبيني يستطيع أن يصدر تشريعاً بمنع هذه الهجرة "كيف أحرم شابة من فرصة عمرها ستحصل على راتب ضعف راتبها عدة مرات، وحياة أفضل واستقرار معيشي" وأضاف مبتسما "أن ابنة أخي وعمرها 24 عاما امتلكت شقة وسيارة وهي لم تأت لبريطانيا إلا قبل عامين فقط ولو أمضت عمرها كله في الفلبين ما كان لها أن تحصل على كل هذا".

 

إن الإنجليز لا يوظفون الفلبينيين لأنهم يقبلون برواتب أقل، فالقانون هناك يمنع التمييز في الراتب، وبالتالي يحصلون على نفس راتب ابن البلد الإنجليزي، إنه التعليم والكفاءة، وهو نفس السبب الذي جعل مستشفياتنا تعتمد اعتمادا كاملا على التمريض من الفلبين، بالإضافة إلى رخص رواتبهم. ذلك أننا لا نمنع التمييز في الراتب ولا أعرف فيما إذا كنا نستطيع أن نستمر في ذلك بعدما نستظل بمظلة منظمة التجارة العالمية التي نجاهد من أجل موقع لنا فيها، وعلينا أن نستعد لمستشفيات بدون ممرضات فلبينيات فهن يسعين بالتأكيد إلى اللحاق بأخواتهن في بريطانيا و أوروبا، لقد منعت سنغافورة لهذا السبب شركات التوظيف البريطانية من النشاط فيها لمنع تسرب الكفاءات الفلبينية من مستشفياتها.

 

ما السبب في كل هذا الإقبال على الممرض الفلبيني؟ إنه التعليم وقيم العمل الجاد، والحل الوحيد الذي وجدته الحكومة الفلبينية هو تشجيع تأسيس مزيد من كليات التمريض لملء الفراغ الحاصل، ولكن عضو البرلمان يقول إنه غير متفائل ويتوقع أن تجد الرعاية الطبية في الفلبيين صعوبات أكبر في المستقبل، طالما أن هناك طلباً على الممرضين الفلبينيين، بل إن كليات الطب تتحول إلى كليات تمريض، والأطباء يتخلون عن شهاداتهم ويأخذون دورات مكثفة ليتحولوا إلى ممرضين فبريطانيا تريد ممرضين وليس أطباء، ويقول إن ما ترسله العمالة الفلبينية من حول العالم إلى أسرها يمثل 10% من الدخل القومي الوطني، ما يعني أن ما من حكومة قادرة على منع هذا الرافد المهم.

 

إنهم عالم يتغير من حولنا، فالتعليم أصبح أداة اقتصاد وسلعة تصدر، بينما نحن مشغولون "بمؤامرة مزعومة لتعديل المناهج كي نتخلى عن قيمنا ومبادئنا وديننا" فهل يستطيع صاحب القول السابق أن يحول جملته هذه إلى وظائف؟ لقد حان الوقت أن نربط بين مشروع تطوير المناهج واحتياجات سوق العمل، فقط سوق العمل.

 

* كاتب ومستشار إعلامي سعودي.

 

للتعليق على هذا الموضوع