02 فبراير 2005

خواطر انتحاري في ساعاته الأخيرة
جمال خاشقجي*

استيقظت قبيل الفجر بصعوبة, هزني أبو هاجر بلهجته العراقية التي أصبحت أحبها "قم يا أبو الزبير, اليوم يومك, الجنة الجنة يا طالبها" ابتسمت وسلمت عليه, صليت الفجر بخشوع وتضرع خلف أبو محمود قائد مجموعتنا, وهو عراقي أيضا والذي أمضى معنا ليلة البارحة على غير عادته, كنا ثلاثة أشخاص فقط في شقة تكاد تكون منفصلة من بيت أسرة أبي هاجر في أحد أحياء بغداد المزدحمة, كم طيبون هؤلاء الناس, إنهم يخاطرون من أجل الجهاد رغم علمهم بالخطر الذي يمكن أن يداهمهم أي لحظة من الأمريكان والعملاء العراقيين الذين يعملون معهم.
أتمنى لو أتحاور معهم, ومع غيرهم من المواطنين العراقيين لأعرف كيف يفكرون وماذا يريدون, أتمنى لو أتيحت لي الفرصة لنشر العقيدة الصحيحة بينهم, فما رأيته خلال فترتي القصيرة في العراق ورغم التخفي والتنقل والاختباء يشير إلى انتشار الفساد من تلفاز وسينما وأغان ومجون, ناهيك عن أصحاب العقائد المنحرفة من رافضة وشيعة وتمسح بالأضرحة, ولكن هذه مهمة إخواني العراقيين عندما يقيمون دولة الإسلام أما أنا فطالب شهادة ولا شيء غيرها, يا دنيا غري غيري.
ولكني أيقنت مما سمعت ممن حولي وخلال تنقلاتي المحدودة أنهم غاضبون من الأمريكان والاحتلال, والحكومة العميلة, ضاقوا من الإساءات التي يتعرضون لها والقصف والمداهمات, أخبرني أبوهاجر كيف قام جندي أمريكي بتفتيش أخته بشكل استفزازي وتحرش بها في إحدى المداهمات الليلية, ولكنها أخت رجال فلم ترتعب أو تكشف عما أخفي لديها من متفجرات وموقتات.
استمعت بخشوع لصوت أبو محمود يتلو آيات من سورة الفتح, أخذت أدعو الله أن يحقق لإخواني في العراق الفتح الذي يريدون ومن خلفهم المسلمون في دولة إسلامية خالصة يعز فيها الموحدون ويذل فيها العملاء وأهل الضلال, خصوصاً هؤلاء العلمانيين ما أخبثهم فبعضهم يتستر بالدين ويضلل العامة, إنه يوم الانتخابات, هذه البدعة الكافرة التي يريد الأمريكان والغرب الكافر فرضها علينا، يرون ومن معهم من أهل البدع والضلال في نجاح هذا اليوم فتحاً لهم, وبداية لعراق جديد يختارون فيه الشريعة التي يريدون والرئيس الذي يريدون ولكنه رئيس عميل تحت حراب الأمريكان, ما أقبح فعلهم يسمحون للعامة أن يختاروا ماذا يريدون, شريعة الله أم الديمقراطية أم الشيوعية؟, عين الكفر, هكذا تعلمت في المدرسة وفي المخيمات وفي حلقات العلم أن الديمقراطية كفر وتعد على الله عز وجل في أخص اختصاصاته جل وعلا عما يقولون علوا كبيرا وهو التشريع, ولكننا نرى في هذا اليوم فتحاً لنا وبداية انهيار المشروع التغريبي الذي بفشله تكون البداية لدولة الإسلام على أرض الرافدين, لابد أن نفشل هذه الديمقراطية الكافرة ونمنع الجهال والمضلل بهم من أهل العراق من المشاركة فيها ولو بترويعهم. إن منع قيام دولة على منهج كفري واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وبالتالي فإن عمليتي الاستشهادية بعد ساعات واجبة, أسأل الله أن يمكنني من رقاب الأمريكان خاصة ذلك الخبيث الذي تحرش بأخت أخي أبوهاجر.
لقد اهتديت إلى طريق الجهاد قبل عامين وأنها السبيل الوحيد لإعادة العزة للمسلمين وتحديدا بعيد غزوة مانهاتن المباركة, عندما رأيت تكالب الكفر على المسلمين, وتدميرهم للدولة الوحيدة التي رفعت راية الشريعة والجهاد كاملة غير منقوصة في ذرى أفغانستان, لقد كانت دولة الطالبان شوكة في حلوقهم فاغتنموا الفرصة لإسقاطها, أحمد الله على التوبة التي انتشلتني من الضياع والسهر والشهوات والأغاني والفتن, لقد كان لأساتذتي والدعاة الأفاضل في بلدي فضل كبير في ذلك, إنني أدعو لهم بالخير في ساعاتي هذه التي يمكن أن تكون الأخيرة, وإن كنت أعتب عليهم, علمونا أن لا عزة إلا بالجهاد ولكنهم لم ينفروا له, ولست ممن يتهمهم في دينهم وإنما هي الدنيا والتثاقل إلى النساء والأولاد والحياة الدنيا.
أقمت الليل البارحة وبكيت وتضرعت إلى الله كثيرا, أن يتقبل عملي لوجهه الكريم, كان معي عدد من الإخوة المجاهدين العراقيين, شعرت كأنهم يزفونني إلى عرسي, لقد اختار أبو محمود آيات الجنة ونعيمها الذي ينتظرني, فبارك الله فيه وحفظه ونصره, تفكرت في والدتي ووالدي اللذين تركتهما وهما غاضبان علي, ولكنه عدو صائل وجهاد حق تخرج له حتى الجارية من خدرها دون إذن وليها فكيف بشاب مثلي؟, ولكنهما سيقدران فعلي عندما أشفع فيهما وفي 70 من أهلي. بعد الصلاة تمددت للنوم ولكنه أبى, فلم أستسلم له إلا بعد خواطر لذيذة تملكتني عن حور العين اللواتي ينتظرنني في نعيم مقيم, ما لي لهذه الدنيا وآثامها؟.
لم أمد يدي للفطور الذي أعدته لنا أخت أبو هاجر ودفعت به من خلف الباب, فلم أر سوى يدها, سوف أنتقم من أجلك ياأختاه من ذلك العلج الأمريكي, أخذ القلق يتسرب لي فشعرت بعرق بارد يتصبب مني، وأفكار أحاول أن أطردها بقوة, هل ما أفعله هو الشيء الصحيح؟, أليس عملي هذا انتحاراً وقتلاً للنفس التي حرم الله؟ خيم الصمت في المكان فاستعذت بالله, إنه الشيطان يثنيك عن خير كثير ينتظرك. ذهب أبو محمود ليحضر السترة الناسفة والتي سميتها مفتاحي إلى الجنة. والتي يحتفظ بها في منزل آخر تحسبا للمداهمات, حانت الساعة قمت وصليت الضحى, تمنيت لو أطيل الصلاة ولكن خفت أن يقولوا إنني ترددت, على بركة الله, وموعدنا الجنة, قال من حولي أكثر من مرة.
الخطوات ثقيلة وأنا في طريقي للمدرسة في نهاية الشارع التي اتخذها الكفر مقرا للاقتراع, مساكين هؤلاء العراقيون, لم تمنعهم تحذيرات المجاهدين, يا الله, إنني أريد الجنة فاكتبها لي, ولكن كيف أقتل نفسي وأقتل مسلمين أبرياء معي ثم أدخل الجنة؟, هل هذا عمل طيب؟ ولكنها الديمقراطية الكافرة والأمريكان الكفرة, ألم يقبلوا بالمشاركة في منهج كفري فدخلوا في دائرة الكفر؟ اقتربت من المدرسة القريبة من مسجد الحي, سمعت أذانه فجر اليوم, لابد أن بعضا من هؤلاء المصطفين أمام مركز الاقتراع قد صلوا فيه فهل يجوز قتلهم؟ نعم.. نعم.. ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وكل يبعث على نيته.
يجب ألا تنجح هذه الانتخابات, يجب أن نمنعها, لو شارك أكثر من نصف الناخبين لكان انتصاراً للكفر, سيقولون إن الشعب العراقي لم يكترث بتحذيرات المقاومة, وإنه اختار نهج الديمقراطية, ليتني أستطيع أن أقنعهم أنهم على خطأ, ولكني لا أستطيع, لن يسمعوا لي, إنهم يعيشون في جاهلية, وسائل الإعلام العلمانية الخبيثة ضللتهم, لا حل إلا بالجهاد, إلا بالموت, مضيت في طريقي وأخذت أسمع نفسي أنشد في صمت ذلك النشيد الذي أجدته في أحد المخيمات الصيفية " صمتا فقد نطق الرصاص وحسبنا أن الرصاص إلى الجهاد ينادي "ارتفع الصوت في رأسي حتى لم أعد أسمع شيئاً, أرى الناس من حولي يصرخون, جنود عراقيون يقبلون نحوي شاهرين سلاحهم, ولكني لم أعد أسمع لأحد سوى ذلك النشيد يضج في رأسي.
انفجار ضخم يصك المكان, انتهى الانتحاري الحزين, أشلاؤه في كل مكان, دماء أبرياء تخضب أوراق الاقتراع, ينهض عراقيون, يجمعون أشلاء ضحاياهم, يداوون المصابين, يؤجلون تنظيف المكان ريثما يدلون بأصواتهم, الحياة مستمرة ويبقى الأمل الذي غاب عن الانتحاري الذي لا بد أن والدته وحدها تبكيه الآن، بينما ينعاه مجهول في أحد مواقع الصحوة.


*
كاتب ومستشار إعلامي سعودي .

(نقلاً عن "الوطن" السعودية)

 

للتعليق على هذا الموضوع