6 يناير 2006

 

 

الهجوم السلمي للديمقراطيين السوريين

جبر الشوفي

 

 

اعتقد موقعو (إعلان دمشق) أنهم قد قبضوا على الممكن والمتيسر في ساحة المعارضة السورية المترجرجة بأطيافها ومواقفها يميناً أو شمالاً. وبواقعية التوافق والائتلاف هذه،  أصدروا إعلاناً تتلامح من خلاله رؤى وأطياف،  أريد لها أن تعبر عن مشترك يتقاطع الجميع فيه لمواجهة كلية الاستبداد وشموليته الممددة بفعل غياب القوى المنظمة البديلة،  وليس بفعل قوة النظام وانسجامه الداخلي. ومن هنا جاء رهانهم على قوى سلفية باتت تدعي أنها تقبل بالتغيير وباللعبة الديمقراطية سبيلاً لإنهاء الاستبداد، رغم أن برنامجها ما زال يلحّ على أنّ الحاكمية لله، ودستورية القرآن. وأظنهم هنا يراهنون كما راهنت جماعتهم في مصر على رصيدهم الاجتماعي المتمكن من خلفيته السلفية.

 

هكذا تبدو توافقية الواقع الراكد. وهكذا بدا الأمر لمعارضة فرغت أيديها من مجتمعها المستلب والمغيب قروناً بفعل ابتلاع السلطة له،  وبعد أن تقيأته لوناً واحداً،  وهتافاً واحداً،  وقائداً واحداً،  وأمة واحدة،  وكل أنواع الوحدانية المتسلطة المستبدة،  إلا الواحد (المواطن) الذي أدمج بالقطيع.  فلا هو يميز بين كيانه وحريته كفرد،  وكيان وطن التهمه قائده الأبدي حتى غدا الوطن حيزاً صغيراً من حيزاته!

 

وإذا كانت أهمية إعلان دمشق تتمثل في هذا الارتقاء إلى حالة ائتلاف وتوافق عام،  وتعبر عن حالة قطيعة مع النظام،  بعد أن نطحت القوى المعارضة الجدار،  وهي تنتظر وهم مبادرة السلطة إلى التغيير،  ونفضت أيديها من إمكانية ذلك،  فإن أهميته تتمثل أيضاً بإعلان حالة القطيعة مع الماضي أي مع الذات المترددة والمناورة. وهذه القطيعة هي ما حدا (برياض الترك) الشخصية الأبرز والأوضح والأشجع حتى الآن،  لكي يعلن مبادرته،  أي إنه نهض بالإعلان باتجاه تفعيله،  وتحويله إلى مبادرات عملية تطرح البديل عن النظام المتعفن في بؤر الفساد والعطالة بكل جدية. والفرق شاسع بين هذا الموقف وبين معارض يسارع إلى التبرؤ من المبادرة المذكورة بحجة أنها خروج عن الإجماع،  وموقف فردي،  وينسى أو يتناسى أنّ أهمية الإعلان لا تكمن في انتظام أفكاره القائمة على التوليف،  ولا في جعله سقفاً للتصور والحركة،  بل في تحويله إلى مبادرات عملية ترتقي بالفكر والممارسة في سبيل جوهرة الجوهر ليتخلى عن قشوره..

 

هكذا فهم رياض الترك الإعلان وهكذا يريده.  ولذا مضى به إلى أفقه العملي،  ليبدد وهم المتوهمين بإمكانية الالتفاف عليه وتحويله إلى مجرد دغدغة للنظام أو نوع من الضغط، كي يلفتوا نظره إلى الداخل وإليهم عسى أن يشاركهم كعكة السلطة لربما!! ولذا وجب عليهم إشعار السلطة بلا جدية الإعلان ولا جدية المطروح فيه.

 

ما كان للسوريين أن يقبلوا (إعلان دمشق) بصيغته التي صدر فيها،  لولا أنهم اعتبروه نقطة انطلاق وناظماً فكرياً للتوجه العام. ثمّ أنهم سيرفضون كل من يعمل على الالتفاف عليه،  وتصويره سقفاً للطموح وسداً لمنافذ الفكر. إذ أنه بمجرّد توقيعه وإذاعته،  يكون قد خرج حتى من أيدي موقعيه وأصبح نقطة مفصلية لانطلاقة البلاد والمعارضة معاً.

 

ويفترض أن يعلن بكل مسؤولية ووضوح بداية الهجوم السلمي للقوى الديمقراطية السورية نحو التغيير. "من يريد أن يناطح لا يخبئ قرونه". هذه هي طبيعة الحياة،  وطبيعة الواقعية السياسية في الإعلان. وهي واقعية يفترض أنها جاءت متضمنة إمكانية نفيه والانتقال به إلى صيغة أرقى وائتلاف أوسع وأعمق. لتصبّ به جداول أخرى لم تجد لها مكاناً في صيغته الأولية،  وإن لم تعاده،  لأسباب باتت مفهومة.  

 

من هنا جاءت ورقة ورشة دمشق-( بيان رقم .)- بلورة وتتويجاً لمفاهيم ظلت ملتبسة في الإعلان. ومن هنا خرجت بصيغة فكرية محكمة لمفهوم الحرية كقيمة لا تنفصل عن قيم الديمقراطية،  ولا تتناقض مع مفهوم العلمانية الوطنية والمواطنة وحقوق الإنسان.

 

فالورشة تتوجه في خطابها بكل وضوح إلى مجتمع تتوزعه اتجاهات سياسية ذات مضمون ديمقراطي،  ويقوم توجهها على خطاب سياسي أفقي ينظر إلى أبناء الوطن الواحد بوصفهم مواطنين،  لا طوائف وملل أكثرية وأقلية،  وتدعوهم تبعاً لذلك منطلقة من أن المصلحة العليا للجميع تكمن في مجتمع ديمقراطي علماني لا يتعارض مع مفاهيم الحرية الفردية والعامة بل يعززها. 

 

ولأن الورشة تخاطب ببيانها الحس الوطني انطلاقاً من الشعور بالكرامة والمسؤولية،  فهي حركة في الاتجاه الصحيح،  أعادت صياغة الإعلان بعد خلصته من نقاط الخلاف القائمة برؤية عميقة ومتكاملة،  لا تلتف على الواقع ولا تتلبس خبثه،  بل تجلوه من كلّ التباس

ومراهنة.

 

لقد عمقت ورشة دمشق مسألة الديمقراطية،  بوصفها نظاماً ودستوراً،  وخياراً ضامناً للحريات الفردية والعامة،  وأكدت أنّ حرية الفرد هي البداية. وحين تكون بداية يعني أن العلمانية متضمنة حكماً،  لأن النظرة القومية والإسلامية والماركسية،  كلها قدمت الفرد (الإنسان) قرباناً للجماعة المفترضة والمتوهمة،  وهو في الحقيقة ليس إلا قربان للأنظمة الشمولية بمختلف أشكالها وألوانها. والجماعة هنا ليست سوى السلطة التي ابتلعت أو تأهلت لتبتلع مواطنيها (رعاياها).

 

فالورشة،  إذا،  قدمت ببيانها موقفاً فكرياً متكاملاً،  دون أن تستثني أحداً من التغييرين الجادين،  ودون أن تخاطب خلايا المجتمع الموزعة إلى مذاهب وطوائف وأعراق،  بل توجهت إلى السوريين كنسيج حيّ يكمل بعضه بعضاً،  وفي تكامله وتفاعله يكوّن مجتمعاً مدنياً،  تنبثق عنه دولة حديثة. والحداثة هنا تعني دولة الجميع،  كما تعني دستوراً ناظماً للحقوق والواجبات،  ولإمكانية تداول السلطة بشكل سلمي،  بحيث لا يقلّ ويجب ألا يقلّ عن أيّ دستور عصري ضامن للحريات الفردية والعامة. 

 

هكذا يقدح السوريون زناد تفكيرهم،  فيجددونه بسرعة قياسية،  وحيوية تحسب لهم،  في مقابل يباس النظام والقوى المشابهة له في الضفة الأخرى! هكذا يعبرون عن مدنيتهم،  وعن أهليتهم لهذه المدنية التي تؤدي إلى بناء دولة حديثة تدخل الحداثة هي ومجتمعها

معاً، ومعاً تعني متساندين متجادلين.

 

فتحية لورشة دمشق لأنها واسعة دون ترهل،  ومُحكمة دون ضيق وقسر،  وتحية لها لأنها تخطب ود الشرفاء على اختلاف مواقعهم وتباين اتجاهاتهم،  وتدعوهم إلى المشاركة الفعلية وتحمل المسؤولية في مسألة التغيير الديمقراطي وإنهاء عهد الاستبداد،  بكل مفاعيله وقوانينه الاستثنائية.

 

فهل بدأ الهجوم السلمي لقوى التغيير الديمقراطية في الساحة السورية!!                            

samram.5@mktoob.com

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

"tayson" <tnasreddin@aliceposta.it> 

Date: Fri, 13 Jan 2006 12:09:27 +0100

   

 

أحيي الاستاذ جبر الشوفي على هذا التحليل المعمق والشفاف ,

في تقديم الاستاذ جبر للمرحلة وتفنيدها  وتسمية بعض  الرموز  لا  ادري  لماذا  اعادني  إلى مرحلة متميزة بتاريخ  سوريا , متميزة  بمحكّها ومحَنها وحراكها ,ولم  يكن  هذا الحراك  سياسياََ فقط بل كان حراكاََ  مسلحاَ ودموياََ تمثل  بالأغتيالات والتصفيات والتعدي على أمن  الوطن والمواطن على  ايدي  عناصر تابعة  للاخوان المسلمين وربما  جهات  اخرى  ,انذاك تحركت القوى السياسية وعليت الاصوات وتجاسرت الرجال  لتعلن مواقفها وتعبر عن  سخطها ورفضها  لممارسات النظام واذ كر أن  المرحوم ممدوح  عدوان  كان  اكثر تميزاََ بمداخلته الشهيرة في اتحاد الكتاب العرب  , وتحركت القوى السياسية لتعلن موقفاََ محدداََ من هذه  الأحداث دون  ان  تستغل  هذه الظروف  الذهبية  سياسياََ  ,و,التي  لا  يضيعها  سياسي  محنك ,كان  الوحيد  الذي  وقف  بالجانب الاخر  هو  الاستاذ رياض  الترك , ايضاََ هو لم  يكن موفقاََ  في موقفه  وفي موقعه بالقرب  من الاخوان المسلمين ,لا  أحد  يشك  بنضال السيد رياض الترك إذا قيس النضال  بسنين  السجن ولا  بمواقفه إذا  كان القياس  بالثبات  اي  تصرفوالصلابة والصمود , أنا  لا أقبل محاكمة  اية مرحلة من المراحل خارج سياقها  الموضوعي والمرتبط  بزمانها ومكانها

 لكن بتقديري  لم  يوفق  حينها السيد  رياض  الترك كما  لم  يوفق  احد غيره من القوى السياسية التي  ساهمت   بشكل  مباشر  او غير مباشر  بتقوية عود  النظام ولف  حبل السلطة على رقاب  الجميع..

 ,حسب  تقديري إذا كانت هذه القوى السياسية عاجزة  فتلك  مصيبة ,وإذا  كانت قاصرة  فالمصيبة  أعظم ,هذه القوى هي  مفرزاتنا الاجتماعية شئنا  ام  ابينا,هذه  شرائح  جماهيرنا وقياداتها التي شابه بعضها النظام إلى حد  التوريث السياسي وعلى راسهم  السيد خالد  بكداش وكثر  غيره في الهيكليات السياسية  المحلية

هل  نستطيع  ان  نعقد  امالاََ هذه  المرة على هذه  القوى الجديدة أم  اننا  سنقع إمّا في  حضن النطام  وإمّا  في  احضان المومس الفاضلة التي تقدم وجبات مسمومة للشعوب المتعطشة والتواقة  للحيلة والحرية

أريد ان  أذكر أن هناك  قوى سياسية طرحت منذ السبعينات برنامج  سياسي  منسجم تماماََ مع  ما  يحدث اليوم ,كانت في  ابجدية عملها السياسي  الديمقراطية وطرحت في  برنامجها أن  الطريق الوحيد للتغير  هو التحديث وبناء الديمقراطية والمشاركة الخلاقة لجميع القوىالسياسية وطرحت نفسها كفصيل مشارك من فصائل التغيير

 ,كان هذا البرنامج  لحزب   (لعمال  الثوري)والذي  لم يلقى رواجاََ وبتقديري لم تستطع  نخبته  ترويجه  لأنه  سقط مباشرة في  سلوكياتهم المصابة بفيروس  انفلونزا الطليعة  المسماة   بالأنتليجنتس) قلت  هذا  كي  أحي الاستاذ جبر وأشاركه التفاءل بتغيير ديمقراطي سلمي تشارك  فيه 

كافة القوى والأطياف السياسية والاجتماعية دون  السماح للعابثين بالدخول من ثقوب الديمقراطية السلبية والمسماة بالفوضى البناءة على راي عراب  الموت والدمار السيد (.......جورج  بوش الابن)

وليس بالديمقراطية وحدها تحيا الشعوب الأمن  والأمان أولاََ وثانياََ وثالثاََ

وهذا لا يعني  أنني لست ديمقراطي بل اصبحت أنظر  للديمقراطية بشيء من التوجس.