Middle East Transparent

3 يوليو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 
عراق الجهاد آمال وأخطار

تحليل للواقع واستشراف للمستقبل وخطوات عملية على طريق الجهاد المبارك

 

إعداد:

 

الهيئة الإعلامية لنصرة الشعب العراقي

(مركز خدمات المجاهدين )

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإهداء

إلى من كان جنديا من جنود الله (وما يعلم جنود ربك إلا هو) [المدثر: 31]....عمل سرا وكره اطلاع الناس على أعماله الجليلة

إلى من لم يفارقه الأمل رغم قسوة الظروف التي عاشها، ورغم تكالب أهل الباطل عليه

إليك يا من حملت السلاح لقتال السرطان الأحمر فشهدت لك جبال الأفغان بصدق القتال وعمق الإصرار.

إليك يا من عرفتك أرض الجهاد في الشيشان والبوسنة والعراق..مجاهدا بفكرك وقلبك وروحك.

لم يثنك السجن عن الاستمرار، ولا الملاحقة والتضييق عن مواصلة الدرب...

مساكين هم الذين لاحقوك وطاردوك وقتلوك...لم يعرفوا أن جنة المؤمن قلبه وأن أشد أمنياته أن يُقتل على أيديهم بعد أن يذيقهم الهوان والألم.

إلى الشهيد المجاهد والمفكر الفذ...الشيخ يوسف العييري رحمه الله..نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا

إليك يا أخي الحبيب وشيخي الفاضل أهدي هذا العمل البسيط راجيا المولى سبحانه وتعالى أن يجعل لك فيه ثوابا وأجرا، وأن ينتفع به إخواننا المجاهدون في أرض الإسلام في العراق الحبيب

(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [هود: 88]

 

قبل البدء:

فهذه كلمات من القلب والفكر، ونصائح وتوصيات للإخوة المجاهدين في أرض الرافدين، أرض الأئمة الأطهار والأولياء الصالحين، بذلنا فيها أقصى النصح ونرجو أن نكون مخلصين في عملنا ومصيبين فيه، ونرجو من المولى الكريم أن يقبله كعمل بسيط يُكتب لنا في صحيفة أعمالنا كخدمة للجهاد الإسلامي الناهض في العراق الحبيب والمليء بالمبشرات عجل الله بها، وبالمخاطر وقانا الله منها.

وابتداء فإننا نرى لزاما وجوب قراءة كتاب (مستقبل العراق والجزيرة العربية بعد سقوط بغداد) للشيخ يوسف العييري رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عنا خير الجزاء وغفر له وبارك له في عمله، فالكتاب يعطي تصورا واضحا للمخطط الأمريكي-اليهودي بشكله الشامل وللمخاطر التي تتعرض لها المنطقة وللمستقبل الديني والعسكري و السياسي والاقتصادي للمنطقة، وقد أعرضنا غالبا عن ذكر وتكرار ما ورد في كتاب الشيخ رحمه الله خاصة وأن هذا الكتيب يهتم بالقضية العراقية بشكل مباشر وتفصيلي رغم اختصاره الشديد ورغم الاستعجال في كتابته والذي فرضته أسباب كثيرة.[1]

 

كلمة البداية

إن معركة العراق اليوم هي بكل بساطة ووضوح معركة للأمة الإسلامية كلها، وهي بالفعل كما عبرت مستشارة الأمن القومي الأمريكي "كونداليزا رايس" بقولها أن العراق يعطي (فرصة لإحداث تغيير تاريخي في الشرق الأوسط). ونحن كذلك نرجو هذا التغيير ولكن على خلاف ما ترجوه مستشارة الأمن وإدارتها بإذن الله تعالى.

وهذه المعركة إن انتهت -لا قدّر الله- بنصر الأمريكان فستُفتح الأبواب للفساد والإفساد وستُضرب الصحوة الإسلامية بكل هذه المنطقة والتي هي قلب العالم الإسلامي

أما إن كانت الدائرة على الأمريكان وهذا ما نرجوه من الله تعالى فالأبواب ستشرع أمام المد الإسلامي وستكون لنا ولأول مرة في عصرنا الحديث قاعدة متقدمة للصحوة الإسلامية وللجهاد الإسلامي، قريبة من أرض الحرمين ومن المسجد الأقصى، تمد نظرها إلى أرض الرباط في الشام وتشد أزر الصحوة الإسلامية في المنطقة والعالم الإسلامي.

ولكن لا ينبغي أن تحجب الآمال عنا صعوبة المسير وكثرة المعوّقات، فهذه المعركة تخوضها كل دول الكفر العالمي الغربي وعلى رأسهم دولتي الكفر والعدوان أمريكا وبريطانيا يساعدهم أذنابهم الأوروبيين من مثل أثنار وبرلوسكوني، ومعهم بل قبلهم إسرائيل واستخباراتها، كل هؤلاء يخوضون هذه الحرب بعقيدة دينية توراتية أو فكرة يمينية حاقدة وبمصالح كبيرة وقديمة، ولن يثنيهم عن عزمهم ألم أو خسائر عادية، وبالطبع لن يثنيهم حاكم عربي هو معهم في الخندق وإن ندد بكلمات من حبر جفت آثارها قبل جفاف حبرها، إن هؤلاء وأولئك لا يثنيهم ولن يثنيهم إلا شباب قد باعوا المهج لله تعالى وارتدوا عصبة الموت...عصبة أبي دجانة، وساروا مسيرة الخيلاء التي لا يحبها الله إلا في مواطن نصرته، إن الكفر لن يثنيه سوى دماء قانية طيبة تمسح عنا عار ترك الجهاد والخلود إلى الأرض، دماء تعيد كتابة الحاضر، وترسم الخطى نحو فجرنا القادم، فجر العزة والتمكين.

وهذا ما نؤكد عليه، أن الأمر لا بد وأن ينتهي بنصر دين الله والتمكين لأوليائه في الأرض، وهذا ما تشهد له نصوص الكتاب والسنة وتاريخ الأمة الإسلامية بل وحتى إرهاصات الواقع والمستقبل تبشر بإذن الله بالتمكين لأهل الإسلام.

ولذا فعلينا دوما تذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [أبو داود:3003 و صححه الألباني] فالحمد لله على عودة المسلمين لدينهم بجهادهم واستشهادهم.

وهذا الكتيب مساهمة منا في ترشيد العمل الإسلامي والجهادي في العراق حاولنا فيه ذكر أهم المسائل والقضايا التي تمس واقع العراق الحبيب وتؤثر على مستقبله, وكان حرصنا شديدا على أن يكون صغيرا وعمليا وهذا الأمر أدى إلى كثير من الاختصار والتبسيط الذي نرجو ألا يؤثر على الفائدة المرجوة، كما نرجو أن يكون هذا الكتاب الصغير حافزا لنا ولغيرنا من الغيورين على الأمة الإسلامية للكتابة وإسداء النصح بعيدا عن الأبراج العاجية وبعيدا عن المثالية والتنظير.

والكتاب مؤلف من عدة فصول منتظمة في موضوع واحد، ولضرورة الاستعجال فقد اكتفينا في بعض النقاط بسرد المسألة دون شرح عسى الله ييسر ذلك في القريب العاجل، وما لا يدرك كله لا يترك جله.

وبسبب تشابك المواضيع وتداخلها فقد رأينا لزاما علينا أن نكرر بعض الأمور وفي أكثر من موضع ونظن أن هذا الأسلوب هو الأنسب في معالجة القضايا المتشابكة والمترابطة، و نرجو ألا يسبب هذا الأسلوب مللا لقارئ هذه الصفحات، وأخيرا فقد طال الكلام وعلينا الشروع في المقصود فعلى بركة الله الذي نسأله الهداية والتوفيق لكاتب وقارئ هذا الكتاب.

 

 

حقائق في الواقع الدولي:

لا بد من ذكر حقائق تحكم الواقع الدولي استقرأناها من كتاب الله الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معايشة الواقع ومحاولة فهم القوى التي تديره وتحكم قبضتها فيه بإذن الله، وإلا فما لأحد في هذا الكون من حقيقة التصريف والتسيير إلا الاسم فقط.

وسنقتصر على بعض هذه الحقائق مما يتعلق ويؤثر بشكل مباشر على القضية العراقية، فنقول وبالله التوفيق:

1- (الكفر ملة واحدة) وهذه الحقيقة أثبتها الله تعالى في القرآن الكريم في مواطن كثيرة وبأشكال متعددة، من مثل قوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء)[النساء: 89] وقوله سبحانه (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) [البقرة: 120] وغير ذلك من الآيات الكريمة، نستفيد من هذه القاعدة عدة أمور منها:

- أن كل من سلك سبيل غير المؤمنين هو مخالف للمؤمنين ومعادٍ لهم في أصل الفكرة ومعاد لهم في المنهج، ورغم وضوح هذا الأمر بالبداهة إلا أنه قد ضاع على كثير من المفكرين المسلمين في خضم "التفكير الواقعي" وانتشار أفكار "السلام العالمي" والله المستعان، والله تعالى يقول: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)[الأنعام: 153].

- أن الخلاف بين الكفار والذي قد يؤدي لتقاطع مصالح بعضهم مع المسلمين أحيانا مما قد يدفعهم أحيانا لنصرة المسلمين هو أمر لا يعول عليه بالمطلق، ولا يجب أن يُغيّب عنا علمنا بالعداوة والبغضاء بينا وبين كل من اتبع غير سبيل الهدى.

- ولكي نفهم هذه القاعدة الهامة بشكلها الصحيح ولا ننحرف بتأويلها فإن علينا أن ننتبه للنقطتين التاليتين، الأولى: أنه ليس كل من كان كافرا هو عدو لله ولرسوله، فهناك الكثير من غير المؤمنين يريدون الحق ولو علموه لآمنوا به، ولذلك فنحن في دعوتنا الإسلامية لا نحكم على حقيقة مواقف الكفار من الدعوة ابتداء وقبل أن ندعوهم ونجادلهم بالحسنى ونسعى ما أمكن لهدايتهم فنفوز جميعا بخيري الدنيا والآخرة -وإن كنا نحكم بالطبع بكفرهم-، قال صلى الله عليه وسلم: فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحد، خير لك من أن يكون لك حمر النعم) [البخاري: 2787]. فلا تنسى أيها المجاهد أن دعوة الناس للهدى ودين الحق هي من أعظم القربات لله سبحانه وتعالى وأن الجهاد نفسه إنما شرع -من ضمن ما شرع له- لتعبيد الناس لرب العالمين ولإيصال دعوة الرحمة والنور لكل الناس في كل أرض وفي كل زمان، ولا تنسى أن الكفر درجات تتفاوت فيما بينها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (واعلم أن الكفر بعضه أغلظ من بعض فالكافر المكذب أعظم جرما من الكافر غير المكذب فإنه جمع بين ترك الإيمان المأمور به وبين التكذيب المنهي عنه ومن كفر وكذب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه أعظم جرما ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب ومن كفر وقتل وزنى وسرق وصد وحارب كان أعظم جرما) [مجموع الفتاوى 20/52].

أما النقطة الثانية الواجب التنبه لها كي نفهم حديث ملة الكفر الواحدة فهو القاعدة التالية أو ما يسميه علماؤنا قانون التدافع.

2- ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا))[الحج: 40]. وهذا نستفيد منه في نقطتين الأولى أن الأمم وإن اتفقت في الكفر فقد تختلف فيما بينها ويعين بعضها من يعادي البعض الآخر وهذا العداء بين أهل الكفر لا حد له والحروب العالمية أبرز شاهد على ذلك ، وإن ما نراه من "سلم عالمي" بينهم سببه توازن للرعب والقوى ومصالح مترابطة بينهم تلزمهم بهذا السلوك فيما بينهم.

والنقطة الثانية أن الأمم في هذه الأرض والتي فيها القوي والضعيف لا تستقيم أمورها بسيطرة طرف على كل مقاليد الأمور لأن حصول هذا الأمر كما هو حاصل الآن سيؤدي للفساد والإفساد والطغيان في الأرض ، وحصول ذلك يدفع الطرف المظلوم للنهوض لدفع الظلم والقهر عنه وفي الوقت نفسه هو أي الظلم- سبب وسنة كونية توجب انهيار المتلبس بها

3- ((تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى)) [الحشر: 14]. وهذه القاعدة نتيجة لفهم القاعدتين الأوليتين ونتيجة لفهم حقيقة أساسية موجودة في الإنسان الذي لا يؤمن بفكرة غيبيه أو يؤمن بدين غير الإسلام ، وهذه النقطة تفيدنا في تفكيك التحالفات الموجودة ضدنا حاليا بشرط معرفة نقاط الالتقاء والافتراق بين أعدائنا ومعرفة كيفية اللعب عليها.

4- (وعن المستورد القرشي قال عند عمرو بن العاص "تقوم الساعة والروم أكثر الناس". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة. وأوشكهم كرة بعد فرة. وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسة حسنة وجميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك) [مسلم: 5158] نستفيد من هذا الحديث أمور منها : أن العداوة الحاصلة بيننا لا يجب أن تمنعنا من معرفة خصال العدو وميزاته وهذا ما فعله عمرو بن العاص رضي الله عنه ، وإن حقيقة أنهم (أمنعهم من ظلم ملوكهم) موجودة فيهم بل وواضحة، وهي من أبرز مزايا الغرب التي تفوق فيها والله المستعان- على العالم الإسلامي ، ولكنها الآن وبعد ضربات أيلول المباركة أصبحت أضعف من قبل ، وانكشف كثير من عوار الديمقراطية ، وهذا ما سيعجل بإذن الله من هلاك ماديتهم الباطلة.

5- الإعداد والتخطيط أساس للنجاح في أي مشروع جماعي لأنه يحقق استثمار أفضل الطاقات ويختصر الزمن ويلغي التعارض في العمل ويستبق المشاكل مما يتيح له الإعداد لها والاستعداد لتبعاتها ، وهو منهج الأنبياء وما سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام عنا ببعيد، ولكن المسلمين تخلوا عنه منذ أمد بعيد ، في حين أنه أهم عوامل بقاء ما يسمى بالحضارة المدنية اليوم.

6- أمريكا وإن كانت الدولة الأقوى في العالم وبلا منازع واضح ، فإن قوتها في تراجع وإن كانت شراستها في تصاعد.

7- إن أساس النصر في الإسلام هو التقوى والتي هي الإخلاص لله والعمل الصالح الصواب ، والصواب ما وافق السنة وأصاب الصحة في معرفة الواقع.

8- وهم السياسة والحياة: يقول الشيخ يوسف العييري في كتابه القيم الذي أشرنا له في أول الكتاب ((إن الإجابة على المستقبل السياسي للمنطقة يحتاج إلى إطالة حتى نأتي على تشعبات الموضوع ، لأن السلاح السياسي اليوم هو يعد رأس الحربة في تحركات العدو العسكرية والاقتصادية والدينية والفكرية والثقافية ، لذا فإن الإطار السياسي هو إطار يضم جميع الأطر الأخرى ولكن بأسلوب آخر ، ونستطيع أن نقول أن هناك عموم وخصوص بين جميع المجالات وبين السياسة ، فبالإمكان أن نقول بأن كل عمل عسكري يعد سياسياً من وجه ، ولا يمكن أن نقول بأن كل عمل سياسي يعد عسكرياً ، وهكذا فالسياسة تكون بالأفعال وبالأقوال وبالإيماء ، فهي مفهوم واسع ، وكلما كانت الجماعة أو الدولة حاذقة سياسياً فبإمكانها تحقيق أهدافها في المجالات الأخرى بالأسلوب السياسي ،.... ما نرغب أن نقوله هو أن السياسة متشعبة جداً ومتداخلة مع جميع المجالات بشكل أو بآخر ، ولكن السمة الرئيسة اليوم للسياسة الدولية هي الخداع والكذب والمراوغة وتزوير الحقائق أو إنكارها ، فهذه سمات تميز السياسة الدولية اليوم وتميز العلاقة بين الدول ، فلا عهود ولا مواثيق تحترم فالمصلحة هي فوق كل شيء ، وصدق المواثيق والعهود في بعض المعاملات السياسية اليوم ، ليس عائداً لرغبة هذه الدولة أو تلك بالصدق ، ولكنه عائد لحاجة هذه الدولة أو تلك إلى الوفاء والصدق لما لها من مصالح مع الطرف أو الأطراف الأخرى .

يتلخص لنا من ذلك أن النظام العالمي الجديد قام على أصول سياسية نستطيع أن نسميهاً ( بيت العنكبوت ) ، فهي وإن كانت مترابطة كبيت العنكبوت بشكل كبير جداً ، إلا أنها من أوهن البيوت وتكفي ريح خفيفة لتفك ترابط هذا النسيج ، ونشاهد أن العلاقات السياسية المتينة والمضروبة منذ عقود بين بعض الدول ، لا تحتاج إلا إلى تصريح من جملة واحدة يطلقه مسئول ثمل ليهدم كل شيء ، ولا يوجد دولة ملزمة بالوفاء بالعهود والمواثيق إلا إذا كانت محتاجة إلى غيرها سواء كان غيرها دولة أو جماعة أو تكتل أو منظمة دولية ، وهذا يعني أن الدولة القوية التي لا تحتاج إلى أحد فلا يوجد من يلزمها بالوفاء في مواثيقها والصدق بعودها ، ومعنى هذا أن سياستها هي كحبال سحرة فرعون يخيل للناس أنها تسعى وهي ليست كذلك )) إ.هـ

إن هذه الحياة الدنيا قائمة على أساس ضخم كبير ولكنه مهلهل ، ألا وهو الوهم ، وبقدر ما يكون الوهم مسيطرا على جماعة أو دولة أو مجموعة أمم انقلبت لتصبح واقعا مسلما وحقيقة لا تُجادل ، بل وتبني الدول عندها سياساتها اعتمادا على هذا الواقع-الوهم.

بدأ هذا مع إبليس ومن ثم أخذه الإنسان.

كان من أمر إبليس أنه بسبب استكباره توهم أن النار أفضل من الطين ، وكان هذا ترجيحا من دون مرجح سوى الهوى (الوهم) ، فقال تعالى في ذلك (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) [الأعراف: 12]. فكان نتيجة هذا الوهم أن تردى إبليس من الجنة إلى الأرض مع بني آدم كي يُلقى بعد الحساب في نار جهنم جزاء كفره وعدم امتثاله لأمر الله تعالى[2]

والوهم في عالم الإنس أمره عظيم كذلك من جهة أنه في الغالب يتمكن من عدة أطراف متضادة بحيث يكون أحد هذه الأطراف مستفيدا من هذا الوهم دونا عن الآخرين ، وهذا ما نراه في الحياة اليومية البسيطة بين آحاد الناس ، ونراه كذلك بين الأمم في الاقتصاد الاجتماع والسياسة والحرب وغيرها من النواحي.

فالأسواق المالية مثلا تقوم على قاعدتين أساسيتين وهميتين وإن استندتا لحقائق نسبية ، الخوف والجشع ، وهم يُطابق الواقع أحيانا ويخالفه غالبا فغالبا ما تتناسب أسعار الأسهم مع واقع الاقتصاد وكثيرا ما تنهار أسواق مالية نظرا للخوف

ولقد كانت ضربات أيلول مثالا صارخا على صحة نظرية الوهم.

وكلما زادت قوة الخصم القائمة على الوهم كلما ازدادت سيطرته على الآخرين بتكاليف أقل ودون حاجة لاستعمال القوة في غالب الأحيان ، ولذلك نرى كثيرا لجوء أمريكا لعرض قوتها بشكل مبالغ في مسعى منها لتكريس هذا الواقع-الوهم في نفوس جميع البشر ، أفرادا وأمما

ونقول أنه واقع-وهم لأنه يضم الاثنين معا ، الواقع من حيث أن أمريكا حقيقة هي أقوى أمم الأرض حاليا ولها مقومات موضوعية لتكون الأمة الأولى في العالم لأسباب خاصة بها أو لأسباب تتعلق بتخلف غيرها من الأمم كالمسلمين.

وهي وهم من جهة أخرى لأن جزءا كبيرا من قوتها ناتج من اقتناع الآخرين بعدم قدرتهم على المواجهة ، صحيح أنه لا توجد قوة أرضية تجاري أو حتى تقارب قوة أمريكا ، ولكن من الممكن أن تزيد الأمم قوتها بدرجة معقولة وبنفس الوقت تدمير جزء هام وأساسي من قوة أمريكا وبتكاليف بسيطة نسبيا

ومن هذا المنطلق كانت النتائج المذهلة لضربات أيلول ، حيث أنها دمرت الأسطورة الأمريكية في القوة والمنعة ، إضافة للخسائر الاقتصادية الكبيرة التي حققتها ، كل ذلك بتسعة عشر شابا أصبحوا بدورهم أسطورة للأجيال ، ولكن شتان شتان بين المثالين ، وأنى للثرى أن تبلغ الثريا بل أنى للكافر أن يشابه المؤمن بالله تعالى.

نلخّص كل ما سبق بكلمات بسيطة ومهمة لك أخي المجاهد : إن كل ما تراه من عتو وقوة قائم على شقين وهمي وواقعي ، أما الواقعي فمن السهل أن تتخلص من جزء كبير منه بخطوات عملية بسيطة ولكن دقيقة. أما الوهمي فأنت يابن الإسلام أقدر الناس على التخلص منه لأنك موحد مؤمن بالله تعلمت من رسول الله أن (أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار) [صحيح الجامع الصغير 5244]

وتعلمت كذلك أن (الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك بشيء إلا قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، (رفعت الأقلام وجفت الصحف) [صحيح الترمذي 2043]

وكذلك لا يزال لسانك رطبا بكلام الله تعالى من مثل قوله: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) وقوله سبحانه ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله...)

فلا يبقى إذا لأمريكا بعد ذلك إلا جزء من قوتها الحقيقية الدنيوية صغيرا كان أو كبيرا- تدمره أنت أيها المجاهد بجدك وجهادك بعد اتكالك على المولى الكريم بشرط أن تحسن صناعة الحياة والموت في مواجهتك للكفار والمرتدين ، وكل ذلك طبعا مشروط بأن تكون صادق النية ، سليم العقيدة ، مخلصا في البيعة ، وقائما بشروطها.

9- وننبه ختاما لنقطتين الأولى أنه لا تعارض بين عقيدة الولاء والبراء من جهة وبين الاستفادة من تعارض قوى الكفر فيما بينهم إن لم تؤد هذه الاستفادة للتفريط في مبادئنا وقطعياتنا.

والثانية أن أي جماعة جهادية لا تحمل عقيدة واضحة ولا تصورا شرعيا وفكريا وعمليا ، معرّضة دوما للانشقاق والاختراق ومهددة بالزوال ، وستكون عاجزة في أحد مراحلها عن الحفاظ على مكتسباتها فضلا عن اكتساب أفراد جدد.

 

الواقع الحالي للعراق والجهاد:

الاحتلال: بشكله العسكري المباشر بل وبتشريع من الأمم المتحدة وإن جاء متأخرا ، وهذا الاحتلال شكل سابقة جديدة في العلاقات الدولية المعاصرة وفي حاضر ومستقبل المنطقة ، وهو يمثل عودة لشكل الاستعمار القديم بكل ما يحمله من سطوة وقوة وعدم مراعاة لما يسمى بالقوانين الدولية والتي لا تحترمها الدول الكبرى إلا عندما تساعدها على تحقيق مصالحها، وهذا الاحتلال العسكري المباشر يفتح الأبواب للإدارة الأمريكية لتطبيق سياساتها التغييرية بشكل مباشر ، ويدل كذلك على استعجال الإدارة الأمريكية ورغبتها بالحصول على النتائج بسرعة ، ولعلنا نلمح في ذلك عدم قدرة على الانتظار وهذا ما يخبئ ضعفا في الإرادة وقصرا في النظر ، لأنه لم يراع نتائج احتلال الدول الاستعمارية للعالم الإسلامي في القرن السابق ولم يراع التطور الذي حصل لدول العالم الثالث من حيث الوعي والاعتزاز بالمبادئ وخاصة عند المسلمين ، ويمكننا أن نزعم أن من أسباب قصر النظر هذا العقيدة الأصولية التي يتبناها أكابر القادة في الإدارة الأمريكية ، والهروب إلى الأمام من آثار أزمة أيلول والكساد الاقتصادي في أمريكا.

انهيار الدولة ومؤسساتها: ونستخلص منها نقطتين هامتين.

الأولى هي مدى هُزال الأنظمة العربية وضعفها المتأصل في بنيتها نفسها ، فإذا علمت كم كان النظام العراقي متجبرا وطاغيا ومتمكنا في الأرض ، أدركت هشاشة الأنظمة الأخرى التي لم تصل لما وصل له طاغية العراق من ظلم أو تجبر أو حتى قوة مادية وبشرية.

والثانية أن هذا الانهيار سيكون عاملا معيقا ومساعدا في إعادة بناء عراق التحرير ، معيق لأنه يحمّل الحركات الجهادية والجماعات الإسلامية مسؤولية إدارة الدولة من دون آلياتها الأصلية وهذا أمر صعب للغاية بل يكاد يكون مستحيلا ، وأما أنه مساعد فلأنه يتيح للحركة الإسلامية البناء من دون تحمل تركة النظام الثقيلة من مسؤولي مخابرات ومسؤولين مرتشين وبعثيين مخربين وغير ذلك ، كما أنه يضع على كاهل الاحتلال الأمريكي مسؤولية تأمين الحياة اليومية للمواطن العراقي ومسؤولية بناء المؤسسات (والتي ستحاول بناءها على ما يحقق مصالحها)

الانفلات الأمني: الذي رافق سقوط النظام واستمر بعده وهو عامل اضطراب لكل من سيحكم العراق سواء كان الأمريكان بشكل مباشر كما هو الآن ، أو بشكل غير مباشر كما يسعى الأمريكان الآن ، أو أي حكومة وطنية أو إسلامية تتطلع لحكم العراق في المستقبل.

الحرية النسبية: والتي جاءت مع سقوط أجهزة القمع الصدامية[3] ، وهذه الحرية "النسبية" يجب الاستفادة منها بشكل كامل في الدعوة لدين الله أولا وفي إعادة زرع بعض القيم الإنسانية العربية الأصيلة ثانيا ، من مثل الشجاعة والكرم والعزة والرجولة وغيرها ، طبعا كل ذلك بما يوافق المبادئ الإسلامية العامة ، وفي زيادة الوعي السياسي والاجتماعي ثالثا.

كل هذه المحاور ستصب بإذن الله في خانة إعادة بناء الأمة الإسلامية في العراق وبشكل تكون فيه قادرة بإذن الله على الوقوف في وجه المشاريع الأمريكية والصهيونية.

دخول العلمانيين: وهم بحمد الله قلة صغيرة جدا لا تكاد تُذكر في العراق ، ولكنّ قوة الأفكار كما يقول الدكتور جعفر شيخ إدريس- لا تُقاس بكثرة عدد من يعتنقها ويدافع عنها ولكن بعدد من يتأثر بهم ، ولو تأثُّراً جزئيا، والمظنون أن الأمريكان سيسلمون لهذه الفئة الكثير من المناصب الحساسة والهامة في بناء الإنسان العراقي وستعطيهم من القوة أضعاف حجمهم الحقيقي.

اليهود: ودورهم إلى الآن غامض وغير واضح المعالم ، ويمكن القول أننا لا نرى من جبل مشاريعهم إلا جزءا من الرأس متمثلا بشرائهم للعقارات وبمحاولة فتح أسواق تجارية لهم إضافة لمشاركة محدودة لضباطهم في أثناء الحرب وبعدها ، هذا غير دورهم الاستخباراتي المؤثر بحكم خبرتهم في المنطقة وعلاقاتهم مع بعض الأحزاب الفاعلة وحجم الجالية اليهودية العراقية الكبير في إسرائيل.

تعاظم النفوذ الشيعي وقدرتهم التنظيمية العالية وقوتهم المالية: والراجح والله أعلم أن أهل السنة في العراق هم الأغلبية ، وتبلغ نسبتهم حوالي 55 بالمئة ، ولكن إن أخذنا التقسيم بحيث يكون دينيا عرقيا فسيكون الشيعة العرب (ويدخل معهم الشيعة من أصل إيراني والذين لا يقلون عن بضع مئات من الآلاف) هم الأكثرية النسبية ، ومن ثم السنة العرب ، يليهم وبفارق قليل الأكراد.

بالنسبة للشيعة فقد كانوا يعانون من الظلم والاضطهاد خلال حكم صدام حسين وقد دمر كثيرا من قدراتهم وإمكاناتهم ، ولكن ومنذ سقوط النظام استعاد الشيعة معظم قوتهم ، بل يبد أنهم الآن يشغلون حجما أكبر من واقعهم على الأرض ، ويبدو أن الأموال تتدفق إليهم من إيران بكميات هائلة وأنهم في عجلة من أمرهم لتنفيذ مخططاتهم.

وهم يتوزعون على ثلاثة ولاءات أساسية

أولا : حزب الدعوة الشيعي

ثانيا : المجلس الأعلى للثورة الإسلامية

ثالثا : جماعة مقتدى الصدر

وهناك بالطبع أحزاب وقوى غير دينية في الوسط الشيعي ، ولكن الغلبة والكثرة للصوت الديني الشيعي.

بدء ظهور الحزب الإسلامي بقوة: والذي استطاع بفترة وجيزة أن يعيد بناء هياكله الأساسية ويوسع انتشاره في كامل المناطق السنية العربية تقريبا ، وهناك مناطق لا يتواجد فيها أي حزب أو تنظيم سواه ، والحزب إلى الآن يدعو للمعارضة السلمية للاحتلال الأمريكي ولديه عضو في مجلس الحكم الانتقالي هو الدكتور محسن عبد الحميد ، ومن أبرز قياداته التي كانت في الخارج إياد السامرائي و أسامة التكريتي ومحمد أحمد الراشد (واسمه الحقيقي عبد المنعم صالح العلي العزي) وثلاثتهم من الإخوان المسلمين.

والحزب الإسلامي يشكل الفكر الإخواني قاعدته الأساسية ويضم أساسا أبناء حركة الإخوان أو المتشبعين بفكرهم ، بالإضافة لتيارات إسلامية أخرى ، ومعلوم أن الكتلة الإخوانية متوزعة بين تيار الجهاد والحزب الإسلامي كما ذكر أنصار الإسلام في أحد بياناتهم ، والمرجو أن لا يحدث تباين بين المجاهدين والحزب الإسلامي ولا فرقة لأن كلا منهما بحاجة للآخر ولأن وحدة المسلمين واجبة اليوم أكثر من أي وقت مضى ، والعمل الجهادي يشكل ورقة ضغط قوية للحزب الإسلامي ومعيقا أساسيا للمخططات الأمريكية قد يؤدي إن استثمر بشكل جيد إلى تعزيز موقف الحزب الإسلامي وجعل مطالبه من الأمريكان قابلة للتطبيق (وإن كنا نرى ذلك بعيدا).

تشتت المقومة العراقية: سواء تنظيميا أو فكريا أو مكانيا ، وهذه النقاط لا تصب في صالح المقاومة العراقية لأنها تساعد على اختراقها وتسهل التوظيف السياسي السيئ لها ، كما أنها تمنع المقاومة من الاستفادة الجيدة من النجاحات العملية على الأرض.

قوة ضربات المقاومة: والذي أذهل أكثر المتفائلين بها وأزعج كل من خطط للاحتلال والسرقة ، ولا نبالغ إن قلنا أن حرب العصابات في العراق تبشر بنتائج ضخمة وطيبة قد تكون من حجمٍ يفوق حرب فيتنام إن أحسن المجاهدون صناعة الحياة والموت في جهادهم المبارك ، وهذا الأمر هو الهدف الأساس من كتابة هذه الصفحات وله تفصيله فيما بعد.

تمركز العمليات في القطاع السني العربي رغم توسعها: وهو أمر منطقي إلى الآن بسبب عدم توافر الحد المطلوب من الدوافع لانفجار الوضع في المناطق الشيعية جنوبا والكردية شمالاً ، ولكن يبدو أن الوضع بإذن الله- يسير باتجاه التصعيد ، وخيار العمل المسلح بدأ يأخذ جاذبية أكبر من الأيام الأولى للاحتلال.

 

 

الخطة الأمريكية الحالية :

وهي المفضلة لديهم والتي تضمن لهم كل أو معظم المكاسب المنتظرة من هذا الاحتلال ، ونحن هنا لا نناقش الأهداف الأمريكية ولكن نتحدث عن تفصيلات المخطط الأمريكي المعتمد لتحقيق أهدافه المرسومة سابقا ، وأركان هذا المخطط من الناحية العسكرية هي التالية:

1. الانسحاب من المدن الكبرى والبقاء خارج المناطق المأهولة ، أي البعد عن نقاط التماس مما يقلل من الاحتكاك مع الشعب ويقلل من احتمالات الخسائر ، وقد تكتفي بأربع قواعد كبرى في العراق (كما نقل ذلك الشيخ العييري)

2. تسليم الشرطة العراقية مسؤولية الأمن الداخلي والتعامل اليومي مع المواطنين وحماية مؤسسات الدولة العراقية الأمريكية ، وسيساعدها بالطبع قوات أمريكية صغيرة ومختارة وفي مناطق محددة، ويبلغ الآن عدد قوات الشرطة العاملة حوالي الأربعين ألفا منهم سبعة آلاف في بغداد وحدها ، ومن المتوقع أن يتم رفع العدد إلى حوالي الثمانين ألفا ، أما تأمين الحدود والمنشآت النفطية والعمليات العسكرية المتوقعة في المستقبل ضد المقاومة فستوكل إلى الجيش والذي لن يزيد تعداده عن الثلاثين ألفا من العسكريين السابقين ولكن المنتقين بشكل دقيق ، وقد أعلن الأمريكان صراحة عن عدم قبول ضباط الحرس الجمهوري أو الضباط ذوي الرتب العالية.

3. دخول القوات الدولية إلى العراق ، ويجب أن تكون بحسب المخطط الأمريكي حوالي الخمسين ألفا.

هذا المخطط العسكري سيسمح للأمريكان تحقيق عدة نقاط من أهمها :

-       تخفيض عدد القوات الأمريكية

-       تخفيض الخسائر البشرية

-       تخفيض التكاليف المالية الباهظة بتوزيعها على عدد من الدول الأخرى

وهذا سيساهم بدوره بتحقيق أهداف أهم هي:

-       بقاء الهيمنة الأمريكية الكاملة ، بل بسطها بقوة لم تعهد من قبل

-       إبقاء تواجد عسكري قوي في المنطقة من دون تكاليف كبيرة ( حوالي الخمسين ألفا)

-       السيطرة الفعلية على كامل الثروة النفطية في الخليج العربي

-  إخضاع السعودية إخضاعا سياسيا كاملا والتفرغ للقضاء على الدعوة الإسلامية باتجاهاتها السلفية الحركية والجهادية، في خطوة ستكون أولى وهامة للقضاء على الإسلام الحقيقي في العالم أجمع

-  تنشيط الاقتصاد الأمريكي بمشاريع بناء العراق وسرقة النفط وإعطاء الأفضلية لأمريكا في التعاملات الاقتصادية وخاصة بالصفقات العسكرية وغيرها

-       بناء الدولة العراقية التي ترجوها أمريكا وتسعى لها

-  فرض سلام إجباري على العرب ومحاولة القضاء على الحركات الجهادية في فلسطين.

-  محاصرة سوريا وإجبارها على الرضوخ للشروط الإسرائيلية والقضاء على الصحوة الإسلامية الناشئة فيها.

-  إبقاء الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأولى في العالم ، وبقاء الدول الأخرى تحت رحمتها.

-  إتمام الحصار على إيران من الشرق والغرب. مما يجبرها على الموافقة على أي شروط لأمريكا في المستقبل.

وفي حال فشل هذا المخطط وعدم قدرة القوات الأمريكية على ضبط الأوضاع ، فسيبقى للولايات المتحدة خيارات محدودة سيكون عليها اختيار أقلها خسارة ووطأة عليها وأكثرها تكاليفا على خصومها ، بحيث تكون هي الفائزة في المحصلة ولو نسبيا[4].

أما في حال فشل المشروع الأمريكي بعون الله تعالى فستكون الخسائر ومهما كان شكل الهزيمة باهظة جدا . وستكون في أدنى حالاتها هزيمة معنوية كبيرة للجيش الأمريكي وضربة هائلة للوجود الأمريكي بالمنطقة ، وتحرر نفسي للشعوب من السطوة الأمريكية . وفي أعلى حالاتها هزيمة عسكرية ضخمة وخسارة مالية هائلة تضاف للمشاكل المعضلة التي تواجهها حاليا وتضعضع للمنزلة العالمية لأمريكا.

أي أن الأمر سيتراوح بين هزيمة فيتنامية جديدة أو دمار للمشروع الأمريكي في المنطقة ، وبكل الأحوال انتهاء مستقبل بوش السياسي وانتهاء رموز إدارته.

ولا يجب أن تسرع بنا الآمال فتحجبنا عن الحقائق والواقع ، فإن حجم الخسارة سيدفع الولايات المتحدة لفعل المستحيل لضمان النجاح لأنه لن يكون مقبولا بالنسبة لها الهزيمة خاصة مع إدارة دينية يمينية كالتي تحكم الآن.

 

شروط نجاح القوات الأمريكية:

من الضروري أن ننتبه أن كل هذه الشروط مرتبطة ببعضها البعض ويكفي منع تحقق أحد الشروط لإفشال المخطط بكامله ، وإن كان الأمل بإذن الله أن الحركة الجهادية في العراق ستكون قادرة على منع تحقق معظم هذه الشروط والتي يمكننا بالاستقراء أن نركز على أهمها:

تخفيض القوات العسكرية والتكاليف المالية: وعدد القوات والتكاليف مترابطة بشكل مباشر كما يعلم الجميع ومرتبطة بشكل غير مباشر مع دخول القوات الدولية بما يعنيه ذلك من توزيع تكاليف الاحتلال على دول أخرى.

يجب التأكيد ابتداء أن الاقتصاد الأمير كي يمر بأزمة حادة ، إذ يعاني من الكساد ، كما يعاني الدولار من منافسة حادة من اليورو أضف إلى ذلك أزمة الطاقة وارتفاع أسعار النفط المطردة بشكل لافت ، وسنلقي الضوء فيما يلي على هذه الأزمة وتأثيراتها على العراق والوضع الداخلي الأمريكي.

ويجب التنويه كذلك إلى أنه ليس بالإمكان مقارنة الحرب الحالية بحرب الخليج الثانية والتي سميت بحرب تحرير-احتلال الكويت ، فالدول الخليجية حاليا مفلسة وغير قادرة على تمويل هذه الحرب كما فعلت في الحرب الماضية ، كما أن الكثير من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين قد تملصوا في هذه الحرب بسبب سياسة بوش الرعناء وإدارته الإعلامية غير الراشدة للأزمة- من مسئولياتهم تجاه الالتزام المادي لدفع تكاليف الحرب وكان آخر هم اليابان التي أعلنت عدم استعدادها للمساهمة في الحرب على الرغم من تأييدها السياسي للموقف الأمير كي ـ البريطاني في حين أن اليابان لوحدها تكفلت بدفع 10 بلايين دولار من تكاليف حرب تحرير الكويت عام 1991م. وهو نفس المبلغ الذي دفعته ألمانيا ، ولا ننسى كذلك موقف فرنسا آنذاك والتي شاركت عسكريا وماليا في حرب الكويت.

ولكي نرى مقدار الفارق الهائل بين الحربين نقتبس من كتاب هيكل (حرب الخليج أوهام القوة والنصر) ما أورده عن التكاليف والأرباح في حرب الكويت فيقول في ص 157 ( ... وصلت هذه السوق [سوق التهديد والحماية] إلى حالة من الازدهار لم يسبق لها مثيل في التاريخ إلى حد أنها أصبحت في حد ذاتها تجارة مجزية :

إن الولايات المتحدة جمعت أثناء حرب الخليج وطبقا لكتاب الإحصاءات الاقتصادية الأمريكية مبلغ 54 بليون دولار ، ولكن تكاليفها في حرب الخليج [الكويت] 31 بليون دولار أي بربح صاف مباشر قدره 23 بليون دولار

والحكومة البريطانية جمعت أثناء نفس الحرب مبلغ 6 بلايين دولار ، ولم تزد نفقاتها عن ثلاثة بلايين ، أي أنها ربحت مثل ما تكلفته تماما.) ا.هـ

هذا غير سيطرة أمريكا المباشرة تقريبا على نفط الخليج بكامله باستثناء العراق ، ووجودها العسكري "الشرعي" في هذه المنطقة الحيوية ، إضافة للنتائج غير المباشرة من مثل بدء ما سُمي بعملية السلام والمشروع الشرق أوسطي وغيره.

أما بالنسبة لهذه الحرب فالأرقام لها لغة أخرى لا تسر الإدارة الأمريكية ، وفيما يلي شيء من التفصيل نراه ضروريا.

فقبل بدء الحرب مثلا أرسل الرئيس الأميركي جورج بوش إلى الكونغرس مشروع ميزانية العام المقبل والذي تضمن زيادة في نفقات الدفاع وتخفيضات ضريبية كبيرة وإصلاحا في نظام الرعاية الصحية ، ولكنه انطوى على عجز مالي قياسي حتى دون نشوب أي حرب مع العراق.

وقال بوش في بيان له عن ميزانية عام 2004 والتي يبلغ حجمها 2.23 تريليون دولار "أدّى كساد وحرب ليسا من اختيارنا إلى عودة العجز" وكان يقصد بذلك حرب أفغانستان والإرهاب. ويبلغ العجز المتوقع في ميزانية السنة المالية الحالية 304 مليارات دولار ارتفاعا من المستوى القياسي السابق البالغ 290 مليارا في ميزانية 1992. ووصل الآن العجز المتوقع إلى ما يزيد عن 370 مليار دولار[5].

ويتوقع البيت الأبيض الآن عجزا إجماليا يبلغ 1.084 تريليون دولار في السنوات الخمس المقبلة، فيما يمثل تأكيدا للضعف الكبير الذي طرأ على الوضع المالي للولايات المتحدة منذ تحقيق فائض قياسي عام 2000 (أي في فترة إدارة كلينتون)[6].

وبالطبع يشير الديمقراطيون إلى بوش (الجمهوري) بإصبع الاتهام قائلين إنه يتبنى تخفيضات ضريبية تتسم بالاندفاع من شأنها أن تزيد بدرجة حادة عبء الدين الأميركي وتعجل بالركود الاقتصادي ، أما مسئولو البيت الأبيض فيقولون أن ركود عام 2001 وهجمات سبتمبر/ أيلول من ذلك العام على مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع والحرب على ما يسمى "بالإرهاب" هي أسباب العجز المالي الضخم ويرون أن هذا الخلل ليس مستعصيا ، رغم أن تباطؤ نمو الاقتصاد الأميركي قد يسبب شهود الإدارة الأمريكية لأكبر هبوط في إيرادات الضرائب منذ عام 1955.

وقال بوش "مقارنة بإجمالي الميزانية الاتحادية واقتصادنا القومي البالغ حجمه 10.5 تريليونات دولار فإن عجز ميزانيتنا صغير بالمعايير التاريخية". وتوقع مشروع الميزانية نمو الاقتصاد بنسبة 2.9% في العام الجاري 2003[7] ، و3.6% في 2004.

وقد رفعت خطة الميزانية تلك الإنفاق على الأمن الداخلي إلى 41 مليار دولار والإنفاق الدفاعي إلى 379.9 مليار دولار في سنة 2004 المالية من 364.6 مليار في السنة الجارية 2003.

وتظهر أرقام ميزانية الحكومة الأميركية المقترحة للعام 2004 نموا اقتصاديا سريعا لأغنى دول العالم وانخفاض معدل البطالة وزيادات محدودة في الأسعار خلال السنوات القليلة المقبلة. كما توقعت الميزانية زيادة بنسبة 25% في المساعدات الخارجية (لشراء ذمم دول أخرى وكسبها لصالح أمريكا في حربها على الإرهاب) .

غير أن مشروع الميزانية التي يبلغ حجم الإنفاق فيها 2.23 تريليون دولار كشف عن تدهور مالي كبير إذ يبلغ العجز المتوقع في السنة المالية الجارية مستوى قياسيا بنحو 304 مليارات دولار مع ارتفاع الإنفاق العسكري وتطبيق تخفيضات ضريبية.

ووفقا لإدارة الرئيس جورج بوش فإنه يُتوقع للفترة من 2004 إلى 2008 أن تحقق نموا اقتصاديا قويا، إذ إنها توقعت أن يبلغ معدل النمو 3.6% في العام 2004 ثم 3.5% في العام 2005 و3.3% في العام 2006 و3.2% في العام 2007 و3.1% في 2008.

وتوقعت الإدارة أيضا انخفاضا مطردا في معدل البطالة حتى يصل إلى 5.1% في العام 2006. كما توقعت ارتفاع أسعار المستهلكين بنسب تتراوح بين 2.1% و2.3% سنويا في السنوات الخمس المقبلة. ولم تأخذ هذه التوقعات في الحسبان الأثر الذي قد يحدثه شن حرب على العراق في الاقتصاد.

ولكن ومع اقتراب الحرب على العراق بدأت الأجواء تزداد قتامة ، ففي الأسبوع الأخير من شهر شباط اعترف وزير الخزانة الأميركي (جون سنو) بأن القلق من نشوب حرب يلقي بظلاله على الاقتصاد الأميركي، وأوضح أن هذا القلق أدى إلى "تقييد الإنفاق وخلق جو من الشك بين رجال الأعمال وارتفاع أسعار الطاقة".

وقال سنو في حديث تلفزيوني شارك فيه وزير التجارة دون إيفانز إن "تسوية المشاكل السياسية الجغرافية هو أهم شيء يمكن أن يمنح الاقتصاد الدفعة التي يحتاجها"، لكنه أضاف أن اقتصاد بلاده لا يزال يواجه مشاكل كامنة نتيجة ضعف الأداء.

ومن جانبه قال إيفانز "لدينا اقتصاد قادر على التحمل.. لقد خضنا حربين عالميتين وتجاوزنا كسادا وتسع فترات من الركود، لذا فإن اقتصادنا يمكنه تحمل أي تكلفة للانتصار في هذه الحرب".

ورغم هذا تمسك سنو بخيار الحرب وقال إن بلاده ستنفق كل ما يجب من مبالغ لتكسب هذه الحرب. وأضاف "سندفع الفاتورة اللازمة مهما بلغت" كي نكسب الحرب على العراق, زاعما أن "الحرية تستحق دوما أن يقاتل الإنسان من أجلها" ، وهذا هو دأب كل إدارة أمريكية

أما في 17 أبريل نيسان فقد ذكر البنتاجون أن تكاليف الحرب العراقية بلغت حتى ذلك التاريخ أكثر من 20 مليار دولار.

وذكر (دوف زاخيم) وكيل وزارة الدفاع للشئون المالية أن " الحرب الدائرة في المنطقة تكلفت حتى الآن أكثر من 20 مليار دولار." وذكر زاخيم مفصلا تكاليف الحرب أن الأموال التي أنفقت حتى الآن تشمل أكثر من 10 مليارات دولار على العمليات العسكرية و3 مليارات على الذخائر والباقي من أجل الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي ودعمه في المنطقة.

وقال إنه مع نهاية المعارك الكبرى فمن المتوقع أن تتكلف الحرب أكثر من ملياري دولار شهريا على مدار الفترة المتبقية من العام الجاري. وأضاف المسئول بالبنتاجون أن " التكاليف الشهرية للحرب من الآن فصاعدا تقدر بحوالي ملياري دولار شهريا. "

وبالنسبة لميزانية الحرب التي تبلغ قيمتها 63.5 مليار دولار والتي صدق عليها الكونجرس في وقت سابق من ذلك الشهر -أي نيسان- ذكر زاخيم أنه يتوقع أن يستمر الإنفاق " حتى نهاية العام المالي."

كانت هذه التوقعات تعتمد على واقع متصور للعراق تبين حدوث خلافه ، فالمتصور كان حدوث قبول واسع للاحتلال وعدم وجود مقاومة مؤثرة ، ولكن مع بدء الجهاد ضد الأمريكان تغير الحال كثيرا وبدأت الأرقام المتوقعة لفاتورة الاحتلال بالارتفاع وبسرعة مذهلة ، فقد أعلن مدير موازنة البيت الأبيض الأمريكي في 30-7-2003 أن التكاليف الشهرية للاحتلال حوالي 4 مليارات دولار تقريبا ، وقال كذلك يومها أن احتلال العراق سيكلف سبعة مليارات وثلاثمائة مليون دولار لباقي السنة المالية التي تنتهي في الثلاثين من سبتمبر القادم , مشيرا إلى أنها لن تستلزم زيادة أرقام الموازنة

ويبدو أن التكاليف الحالية الحقيقية تفوق بكثير ما توقعه الأمريكان ، حيث نقلت الجزيرة مثلا في الجزيرة في 27-3-2003 توقع خبراء أن تكون تكاليف احتلال العراق ضخمة جدا بحيث تبدو تكاليف الحرب ذاتها ضئيلة مقارنة بها. ويصدق ذلك بدرجة كبيرة بالنظر إلى أن التكاليف النهائية للحرب ومصادر تمويلها تأتي في وقت تواجه فيه ميزانية الحكومة عجزا متناميا

أما في 24-4-2003 فقد نقلت الجزيرة توقع محللين عسكريين وماليين أن تتراوح تكلفة إعادة إعمار العراق بين 50 مليار و400 مليار دولار في السنوات القادمة، ويرى هؤلاء أن الفاتورة النهائية ستتوقف على أمور كثيرة منها عدد القوات في العراق ومدة بقائها وتقييم سليم للأضرار التي أصابت البنية التحتية والأمن ومقاومة العراقيين لقوات الاحتلال.

ورجح المحلل الأميركي "كيث أشداون" أن يتراوح الرقم بين 20 إلى 30 مليار دولار سنويا لمدة خمس سنوات على الأقل، على أن تتحمل الولايات المتحدة النصيب الأكبر من النفقات العسكرية وأغلب تكاليف التعمير الأولية. ويتوقع كيث أن تتأثر الأعباء المالية الملقاة على كاهل الولايات المتحدة بمقدرة هذه الدولة على إقناع دول أخرى بالإسهام في تكاليف التعمير وقوات حفظ الأمن، وقد خصصت اليابان بالفعل معونات قدرها 100 مليون دولار، بينما خصصت كندا 65 مليون دولار مقابل عرض إيطاليا بإرسال قوات قوامها 3000 جندي للاشتراك بما سموه العمليات الإنسانية.

ومن الواضح أن الولايات المتحدة ليست قلقة كثيرا من مسألة إعادة الإعمار، إذ إن المحللين يؤكدون أن ثروة العراق النفطية قد تسهم في مشروعات التعمير والتنمية، خاصة أن الحرب انتهت أسرع مما كان متوقعا لها، وعاد القطاع النفطي إلى نشاطه بسرعة فاقت التوقعات، خاصة بعد إخماد النيران التي اشتعلت في تسعة حقول نفطية فقط من أصل ما يزيد عن 500 حقل موجودة بجنوبي العراق. كما أن إنتاج النفط في الجنوب تجاوز ال 800 ألف برميل يوميا ولم تستطع المقاومة إلى الآن أن تعطل ضخ النفط من هذه الحقول.

ولزيادة الإيضاح حول الوضع المالي القلق وعدم الدقة في التقديرات بل والتعارض الشديد بين المتوقع والحاصل نذكر أن مكتب الميزانية بالكونغرس الأميركي قدر تكاليف احتلال العراق بين 22.8 و45.6 مليار دولار في السنة الأولى (تبين أنها ستكون بين 45 و50 مليار)، وذلك بافتراض وجود قوات يتراوح قوامها بين 100 ألف و200 ألف جندي أميركي (عددها الآن 150 ألف جندي أمريكي غير القوات الأخرى)، وقد قدرت إدارة الأبحاث بالكونغرس تكاليف المعونات الإنسانية بنحو 2.5 مليار دولار في السنة الأولى لتصل إلى 10 مليارات دولار سنويا خلال أربع سنوات (في حين أن تقديرات الأمم المتحدة مثلا لتحديث شبكة الكهرباء وحدها كانت ما بين 12 إلى 17 مليار دولار ،وقد علق على ذلك المتحدث باسم وكالة المعونة الأميركية ألفونسو أجويار بأن هذه التقديرات مرتفعة ، ولكنها تعطي دلالة على الفارق بين التوقعات الأمريكية والواقع)

ونقلت وكالة رويترز في أواخر الشهر الثالث أن القلق من التكاليف الفعلية للحرب كان وراء قرار مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء بتقليص التخفيضات الضريبية التي اقترحها الرئيس جورج بوش على مدى عشر سنوات وقيمتها 726 مليار دولار إلى النصف.

صحيح أنه بالنسبة لدولة تنفق أكثر من تريليوني دولار سنويا فان دفع 75 مليار دولار مرة واحدة يعتبر تكلفة صغيرة نسبيا. إلا أن هذه التكلفة ستضاف إلى ما يقال انه عجز قياسي في الميزانية يبلغ 304 مليارات دولار في عام 2003 (ارتفع هذا التقدير كما ذكرنا) وسيعني ذلك دينا إضافيا إلى دين الحكومة البالغ 400ر6 تريليون دولار.

وقدر مجلس العلاقات الخارجية في تقرير حديث أن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى نشر 75 ألف جندي في العراق وهو ما قد يتكلف بالإضافة إلى المساعدات نحو 20 مليار دولار سنويا لعدة سنوات.

وقال بوب بيكسبي المدير التنفيذي لتحالف كونكورد وهو جماعة تطالب بميزانية لا عجز فيها إن التكلفة السنوية للاحتلال قد تتراوح بين عشرة مليارات و30 مليار دولار.

وقال لايل جراملي الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الاتحادي والمستشار الاقتصادي البارز لمجموعة شواب واشنطن للأبحاث لا احد يعلم على الإطلاق حجم هذه التكلفة ...ستكون كبيرة للغاية.))

وفي 9 أيلول 2003 تقول الفايننشال تايمز نقلا عن البيت الأبيض إن إعادة إعمار العراق قد تكلف 75 مليار دولار، ماعدا الإنفاق العسكري. وتقول الصحيفة إن البيت الأبيض طمأن دافعي الضرائب الأمريكيين بأنهم لن يتحملوا العبء الأكبر من هذا المبلغ بل إن عائدات النفط العراقية ستكون المورد الرئيسي لتغطية نفقات إعادة الإعمار.

وذكرت الصحيفة من هذه النفقات مثلا أكثر من خمسة مليارات دولار لتدريب الشرطة والجيش الجديدين في العراق. أما العمليات العسكرية في العراق فسوف تتكلف بحسب تقديرات البيت الأبيض واحدا وخمسين مليار دولار خلال العام القادم وحده.

ونقلت صحيفة الفايننشال تايمز عن هوارد دين المتسابق الديمقراطي لخوض الانتخابات الأمريكية اتهامه للرئيس بوش بالقيام بحملة تزييف للحقائق تهدف إلى إقناع الشعب الأمريكي بدعم سياسته المنهارة في العراق، على حد قول هوارد دين.

وتقول الصحيفة إن هذا هو موقف العديدين من المتسابقين لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية، وتخلص الصحيفة من ذلك إلى القول إن نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي ترفض أن تتولى الولايات المتحدة دفع تكاليف الحرب المتزايدة في العراق.

ونقلت الصحيفة عن هاورد دين قوله "إن الوضع في العراق بدأ يذكره بما كان يحدث للرئيسين لندون جونسون وريتشارد نيكسون أثناء حرب فيتنام." وتنقل الصحيفة عن دين أيضا قوله إن ما صرح به الرئيس بوش "خلف انطباعا غير حقيقي" بوجود علاقة بين الرئيس العراقي السابق صدام حسين وتنظيم القاعدة." وقال هاورد دين أيضا إن الحرب في العراق " تعرض الأمن في الولايات المتحدة للخطر."

 

أما في آخر شهر أيلول فقد أكد الأعضاء الديمقراطيون في لجنة الميزانية بمجلس النواب الأمريكي أمس أن احتلال وإعادة بناء العراق سيكلف دافعي الضرائب الأمريكيين (179) مليار دولار في أحسن الأحوال

وقال الأعضاء إن الرقم قد يقفز إلى أكثر من 400 مليار دولار إذا أرادت القوات الأمريكية البقاء في العراق لفترة طويلة....

ونحن قد توسعنا في الجانب المالي لنرى بوضوح ما أكدنا عليه من أن شروط نجاح الاحتلال الأمريكي مترابطة بعضها ببعض بشكل شديد يجعل الخلل في أحدها مؤثرا أو مدمرا لنجاح بقية الشروط

الأسوأ من ذلك أن يعلن رئيس البنك الدولي أن التقديرات الأمريكية الحالية لإعادة إعمار العراق هي تقديرات متواضعة وغير واقعية. كان من المفروض عندما خطط لهذه الحرب أن يكون تعداد القوات الأمريكية في العراق قد انخفض من 150 ألفاً عند بدء الاحتلال إلى 50 ألفاً فقط في أيلول (سبتمبر). ولكن ما جرى أن مفاجأة العراق قد أجبرت الإدارة الأمريكية على الحفاظ على قواتها في ساحة العمليات عند مستواها الأول، بل وتعزيزها بعشرين ألف آخرين من قوات دول أخرى، والسعي إلى جلب عشرين ألف آخرين من دول إسلامية هذا غير الإعلان عن عزم الإدارة الأمريكية على إرسال خمسة عشر ألف جندي إضافي للعراق ، كما أن تكاليف وجود القوات غير الأمريكية في العراق ستدفع بشكل مباشر أو غير مباشر من الأموال الأمريكية ، فمثلا دفعت أمريكا لبولندا مبلغ 330 مليون دولار لتأمين معظم نفقات قواتها في العراق.

ونحن نظن والله أعلم أن المقاومة العراقية إن استطاعت تنفيذ بعض النقاط الأساسية والمذكورة فيما بعد ، فسترفع التكاليف إلى ما يقارب الحد الأعلى المتوقع وهو 400 مليار دولار في خلال خمس سنوات ، والأمل بالله الواحد القهار أن يعين المجاهدين ويسدد خطاهم فيخرجوا الأمريكان قبل هذه الفترة.

 

دخول القوات الدولية[8]: وأهميتها قصوى في المشروع الأمريكي لتحقيق النقاط التالية:

1- تخفيض التكاليف المالية الكبيرة

2- تخفيض الخسائر البشرية وتقليلها إلى الحد المقبول داخليا

3- إعطاء الغطاء القانوني والأخلاقي للاحتلال والذي ما زال مفقودا ويسبب إحراجا للولايات المتحدة أمام منافسيها العالميين وضعفا أمامهم في معارضتها لسياساتهم.

ويجب أن يتراوح عدد هذه القوات بين 30 إلى 50 ألف لتحقق ما هو مرجو منها ، ويضاف لها حوالي أحد عشر ألف جندي بريطاني مرابطين في الجنوب ، ولا تزال هذه النقطة تسير ولو بخطى متعثرة ، وأهم الدول التي شاركت مع أمريكا وبريطانيا كل من إيطاليا (أكثر من 2000عسكري) وإسبانيا (حوالي 1300) والوحدات اللاتينية التابعة لها (حوالي 1000) وأوكرانيا (حوالي 2000) وبولندا (حوالي 2400) وغيرهم ، ويبلغ تعداد هذه القوات حاليا ما يقارب العشرة آلاف تقودها بولندا.

ونعتقد أن هذا العدد وإن لم يكن صغيرا فإنه ليس كاف أبدا لبعده عن الوصول للحد الأدنى ولشدة المقاومة ولعدم دخول هذه القوات إلى المثلث السني العربي باستثناء بعض الوحدات البولندية الصغيرة. ولكن عدم تعرض هذه القوات لخسائر ضخمة وذات ضجة إعلامية كبيرة سيشجع دول أخرى للمشاركة تحت سيل المغريات والضغوطات الأمريكية ، فضلا عن زيادة القوات المشاركة حاليا لعددها في العراق.

 

وأفاد تقرير للكونغرس الأمريكي نُشر يوم 3-9-2003 أن الولايات المتحدة لن تتمكن من إبقاء قوة احتلال في العراق إلا إذا قررت تقليص عدد جنودها في العراق لأكثر من النصف لإبقاء قوات كافية لمواجهة مخاطر أخرى.

وقال المكتب إنه في ظل السياسات الحالية فإن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) سيكون بمقدورها تحمل كلفة قوات احتلال تتراوح بين 38 ألف جندي إلى 64 ألفا في العراق على الأجل الطويل مقارنة بالعدد الحالي البالغ 150 ألف جندي وهو العدد الذي يقول عنه بعض المشرعين إنه ليس كافيا لمواجهة العنف المتصاعد.

وجاء في التقرير أن قوات الاحتلال الأميركية عندما يكون عددها أقل من 64 ألفا فقد تتكلف ما بين 8 مليارات دولار إلى 10 مليارات في العام بينما تتكلف قوات يصل عددها إلى 106 آلاف بالإضافة إلى مشاة البحرية والقوات البرية الأخرى من 14 مليار دولار إلى 19 مليارا

الولايات المتحدة لن تتمكن من الحفاظ على قوة احتلال في العراق، إلا إذا قررت زيادة حجم القوات العسكرية، ووضع حد لالتزامات خارجية أخرى، أو إلغاء نظام المناوبة التبادلية بين القوات الأمريكية.

وحذر مكتب الموازنة في الكونجرس من أنه إذا لم يتم تعديل القاعدة التي تقوم على عدم إبقاء وحدات في مناطق حرب لأكثر من سنة، فان الجيش الأمريكي لن يكون قادرا على إبقاء وحداته إلى ما بعد آذار/مارس من العام المقبل 2004.

ويقول مسؤولون في الكونجرس إن الجيش الأمريكي لا يملك العدد الكافي لاستبدالها بوحدات جديدة.

ويرى محللو الكونجرس أنه تأسيسا على هذا الافتراض لن تتمكن الولايات المتحدة بالتالي من إبقاء أكثر من 64 ألف جندي في العراق لفترة طويلة، إذا تقيدت باستدعاء الجنود ممن هم قيد الخدمة وبعض وحدات الاحتياط.

 

بناء الجيش العراقي: والذي سيكون طائفيا وسيعطى الشيعة فيه نسبة عالية تزيد عن النصف ، كما أن هذا الجيش سيكون مليئا بعملاء أمريكا وذوي النفوس الضعيفة ، كما أنه لن يكون بأي حال من الأحوال كبيرا أو قويا ، على الأقل في المرحلة الحالية ، ولن يزيد تعداده في هذه المرحلة عن الثلاثين أو الخمسين ألف عسكري ، يكونون كافين للتخفيف من مهام وخسائر الاحتلال ، حيث ستوكل إليهن مهام تأمين الحدود والنفط وتجريد المواطنين من السلاح والاشتباك مع المقاومين خارج المدن والمشاركة مع قوات الاحتلال

 

تصدير النفط: وهو أمل أمريكا الأول في تأمين الموارد المالية الضرورية للاحتلال وما يسمى إعادة الإعمار ، كما أنه أحد أهم أسباب الاحتلال ذاته.

وإدارة بوش تعلن صراحة عن رغبتها في استعمال احتياط العراق النفطي لتغطية تكاليف الحملة ، ولكن هذا الخيار ليس مفروشا بالورود فوفقا لدراسة أعدها مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، تحتاج صناعة النفط العراقي لثلاث سنوات على الأقل من أجل تغطية دين مقداره خمسة بلايين دولار بناء على معدلات الإنتاج التي كان العراق يتمتع بها قبل غزو الكويت 1990م (من 5-8 مليون برميل يوميا)، ويخشى المسئولون الأمريكيون في هذا الصدد فتح باب الاعتماد على احتياطي النفط العراقي لان القائمة تطول من الدائنين ينتظر كل منهم حصته ، منهم روسيا والتي تطالب العراق بدين مقداره 7 مليارات دولار من دين خارجي مترتب على العراق يبلغ 300 مليار دولار يتوق كل دائن إلى تحصيل دينه منها في اقرب فرصة هذا إذا افترضنا سلامة حقول النفط العراقية من هجمات المقاومة المسلحة.. وإلا فان الحسابات الأمريكية سوف تتعقد كثيرا وسيحدث توتر داخلي وخارجي شديد من كل الذين ينتظرون واردات النفط وفوائده من الشعب العراقي إلى الدائنين إلى أمريكا نفسها.

وقد ذكرت الوكالة الدولية للطاقة في يوم الجمعة 10-10-2003 أن قطاع النفط العراقي الذي دمرته الحرب يواصل انتعاشه مع نمو الإنتاج بمقدار نحو 400 ألف برميل يوميا للشهر الثاني على التوالي، مشيرة إلى أن متوسط إنتاج العراق بلغ 1.45 مليون برميل يوميا خلال شهر أيلول ، والمشروع النظري الأمريكي كان يفترض أنه ومع بداية عام 2004 سيتمكن العراق من إنتاج حوالي 7 ملايين ومائتي ألف برميل يوميا وهذا المستوى من الإنتاج سيكون كافيا لإعادة إعمار جزء كبير من القطاعات الأساسية في العراق ولدفع جزء مهم من فاتورة الاحتلال ويساهم إن حصل في إنجاح المشروع الأمريكي بحيث نكون نخرب بيوتنا بأيدينا ، نسأل الله أن يرد كيدهم في نحورهم.

ولكن هذا التصور الأمريكي مفرط في التفاؤل ولا يراعي المشاكل الخطيرة التي يعاني منها القطاع النفطي في العراق والتي أشرنا لأهمها في ما سبق من أسطر.

 

بناء الدولة وتوفير الأمن: وهو نتيجة للنقاط السابقة.

 

حصر العمليات العسكرية كما ونوعا وكفاءة:

وهو أمر يعتبر تحقيقه نصرا بحد ذاته مهما كانت الخسائر التي تقع في هذه المناطق المحصورة.

 

 

نقاط أساسية في منهج المقاومة ومطالبها وتحركاتها:

بعد إلقاء الضوء ومعرفة بعض التفصيلات عن الواقع العراقي والمخطط الأمريكي وشروط نجاح هذا المخطط ، أصبح بالإمكان الدخول إلى المواضيع الهامة والأساسية التي نود أن نسلط الضوء عليها وهي الأهداف الخاصة بنا داخل الحركة الجهادية في العراق وآليات تنفيذها الدنيوية ، فنقول وعلى الله التكلان ...

يجب أن تكون للمقاومة العراقية مطالب واضحة ومحددة ودقيقة ، تكون جامعا حركيا للفصائل المجاهدة تميز الخبيث من الطيب ، وتشكل وحدة في الأهداف تعوض نسبيا- عن صعوبة التوحيد التنظيمي في الوقت الراهن.

وهذه الوحدة الإيمانية الفكرية الهدفية ضرورية جدا سواء للفترة الحالية التي يمر بها الجهاد في العراق أو للمرحلة القادمة التي يتاح للمقاومة فيها أن تصبح علنية بشكل جزئي أو كامل ، سواء رافق ذلك انسحاب جيوش الاحتلال أو لا ، وسواء كان للعراق حكومة أو كان يعج بالفوضى والقلاقل.

ويجب التنبه إلى أن المطالب يجب أن تراعي أولا الأصول الشرعية ثم الواقع المعاش في العراق وكذلك أن تهتم نسبيا- بأثر هذه المطالب على الوضع الدولي في محاولة للاستفادة من عنصرين يمكن تفعيلهما وهما التناقضات الدولية والضغوط الدولية ، مع التذكر دوما أن القول الفصل سيكون لضربات المجاهدين وثباتهم في الميدان وقدرتهم على إفشال المخططات الأمريكية

ونعتقد أنه يتوجب على المجاهدين في العراق في المرحلة الحالية التركيز على المطالب التالية :

1.      الانسحاب الفوري والشامل وغير المشروط لكل الجيوش الأجنبية من كامل الأراضي العراقية ، ومن الممكن في حال الإعلان الأمريكي عن الموافقة وهو أمر نستبعده لأسباب كثيرة- أن يتم بجدول زمني لا يتجاوز بحال من الأحوال مدة ثلاثة أو ستة أشهر.

2.      رفض أي شكل من أشكال الوصاية الأمريكية ولو على شكل مستشارين في الوزارات أو مسؤولين في أي منظمة دولية (خيرية). ويمكن بسبب انهيار الدولة العراقية القبول ببعض المساعدات (الدولية)

3.                     التأكيد على عدالة القضية وإسلاميتها

4.                     وضوح الراية وبراءتها من كل راية غير إسلامية

5.      رفض أي عملية تستهدف الحياة اليومية للشعب العراقي أو مستقبله من مثل المرافق الأساسية (المياه والكهرباء والمستشفيات وغيرها..) أو التعليمية (المدارس والجامعات) وكل ما هو ملك للعراق كأمة أو أفراد ، مع استثناء وحيد هو النفط الذي يجب ألا يُضخ طالما هناك احتلال.

6.      التأكيد على إسلامية العراق وأن الإسلام هو الجامع الأساس للمجتمع العراقي والمصدر الوحيد لمبادئه ومنطلقات.

7.      رفض مجلس الحكم الحالي شكلا ومضمونا ، أما شكلا فلأنه لم يراعي النسب الصحيحة لمكونات الشعب العراقي ومضمونا لأنه معين من الأمريكان وفاقد للاستقلالية التي تشترط للاعتراف به من قبل المجاهدين

 

 

أما الأهداف النهائية التي يجب أن تكون واضحة في خطوطها العريضة-للمجاهدين فهي

1-تحقيق الاستقلال الكامل للعراق وعلى كامل أرضه

2- بناء الحياة الإسلامية والحكم الإسلامي العادل

3- زرع العقيدة الصحيحة في أبناء الشعب وتحريره من أسر الشبهات والشهوات ومحاربة البدع التي تضرب أطنابها في المجتمع

4- النهوض بالأمة إيمانيا وحضاريا وتقنيا

5- الإعداد لبناء جيل التحرير للأمة الإسلامية

 

ونحن إن كنا قد ذكرنا الهدفين 1 و2 قبل سواهما فذلك راجع لكونهما سابقين نسبيا وخاصة الأول- لما يليهما من أهداف وليس لتقدم أهميتهما ، وإن كان الصحيح أن العمل يجب أن يبدأ ومن الآن على جميع المحاور وإن كان بنسب مختلفة

ولكن يجب أن يكون هدف المجاهدين العملي الحالي مركزا على النقاط التالية والتي نرى أنها شروط أساسية لا بد من مراعاتها على طول مسيرة الجهاد المبارك وإلى أن تتغير الظروف بشكل جذري قد تؤدي لتغير الأولويات والشروط:

 

من الناحية العسكرية:

ونستهدف في هذه المرحلة

1- تشتيت القوة الأمريكية وإصابتها بشكل يومي مما يؤدي لضعف فاعليتها وتدمير الروح المعنوية للجندي الأمريكي

2- ردع دخول أي قوات أممية أخرى (وهذا مهم لتحقيق النقطة الثالثة والرابعة)

3- زيادة التكاليف المالية على الاحتلال ومحاولة جعلها باهظة وبأي شكل كان

4- إجبار الجيش الأمريكي على الاحتفاظ بالعدد الحالي من القوات وعدم السماح له بتقليص العدد الموجود

5- زيادة الضغوط الدولية والداخلية على الإدارة الأمريكية بحيث تُجبر على سحب قواتها من أرض العراق الأبي

 

ويتم تحقيق هذه الأهداف عن طريق ما يلي

1. تفعيل العمليات الجهادية: ومحاولة زيادة حجمها كما ونوعا ومساحة، مع الانتباه لعدم استنزاف المخزون من العتاد والذخيرة بل ينبغي أن يكون هناك تخزين يماثل أو يزيد على ما يستهلك خلال الجهاد أو يتم تدميره من العدو.

ولذلك ينبغي الحرص على ما في أيدينا حاليا من السلاح والذخيرة وتوزيع أماكن وجودها وعدم تخزين كميات ضخمة في مكان واحد ، وكذلك الإكثار من شراء ما في السوق المحلي من سلاح وذخيرة ولكن بشكل يتناسب مع قدرة المجاهدين على تخزينه واستعماله وشرائه بشكل لا يؤدي إلى استنزاف ما لدينا من إمكانات

2. الاحتفاظ دوما بروح المبادرة: ويتم ذلك بالإضافة للنقطة السابقة عن طريق تنويع الأهداف التي تُضرب ، وتغيير أساليب العمليات المستخدمة من كمائن وغارات وتفجيرات ومعارك التحامية صغيرة وغير ذلك

3. ضرب المنشآت النفطية: وبشكل دوري يعيق عمليا أي احتمال لتصدير النفط من العراق ويجبر أمريكا في حال بقائها في العراق على أن تدفع بنفسها تكاليف المعيشة للشعب العراقي فضلا عن تكاليف الاحتلال نفسه ، وهذا الهدف سهل بالنسبة للحقول الشمالية لعدة أسباب ، ولكنه أصعب في الحقول الجنوبية لذلك نظن أن الحقول الشمالية يكفيها ضرب الأنابيب وفي مناطق نائية لتجنب أي ضحايا من العراقيين ولسهولة الأمر ، أما الحقول الجنوبية فقد يكون من الضروري -نظرا لصعوبة الضرب الدوري لها- أن يتم مهاجمة المنشآت النفطية ذاتها أي في مناطق الاستخراج أو في حال استحالة ذلك يتم ضرب الميناء أو المصافي ، وذلك مرتبط أساسا بالنقطة التالية

4. إنشاء خلايا جهادية مقاتلة في الجنوب ذي الأغلبية الشيعية : وهذه النقطة هامة جدا لأنها تساهم في تفعيل كل ما سبق من نقاط وتشكل نواة عسكرية ضرورية للدفاع عن السنة في حال لا قدر الله اشتعلت المواجهة مع الشيعة في الجنوب.

 

الجانب الإعلامي:

وهو الذي يعد حقيقة نقطة الضعف الأساسية والقاتلة للجهاد في العراق ، وهذا الجانب يستهدف ما يلي

1-  نقل حقيقة ما يجري في العراق من ظلم وقهر في ظل الاحتلال الأمريكي مما يساعد في دعم موقف الدول المناوئة لأمريكا (وإن كنا لا نعول كثيرا على موقفهم) ويفقد أمريكا البقية الباقية من حججها الحالية سواء خارجيا (غير هام) أو داخليا (هام جدا)

2-  جعل الاستفادة العملية من الجهاد كبيرة ومكافئة للنجاحات المبهرة التي تحققها المقاومة العراقية ، وهذه النقطة هي الأساس الأول في إجبار الأمريكان على الانسحاب وردع أي دولة أخرى من إرسال جنودهم

3-       المساعدة في توحيد التوجه العام لدى المجاهدين

4-  البراءة من النظام السابق ، سواء من أجل توضيح مفاهيم التوحيد والبراءة لدى المسلمين في العراق وخارجه ، أو بالنسبة للشعوب الغربية التي ما تزال تظن أن عمليات المقاومة تشن أساسا من فلول النظام ومن المجرمين.

ولا نبالغ إن قلنا إنه في أحيان كثيرة لا تقل الكاميرا أهمية عن السلاح بل وفي أحيان كثيرة تتفوق عليه من حيث الأثر والقوة

 

وسنكتفي الآن بالإشارة إلى النقاط الباقية وبشكل سردي دون شرح ، ولعل الله يهيئ لنا نشر أبحاث مستقلة حول هذه المواضيع لأهميتها وخطورتها.

 

 

الجانب الداخلي والدعوي:

فلا بد من حشد الفتاوى الشرعية المؤيدة للجهاد والداعية له ولوحدة الصف.

والدعوة للكتاب والسنة بعيدا عن التعصب وبروح المحبة للمدعو والشفقة عليه ، لأنه قد حان لدعوتنا أن ترد بسلوكها العملي على تهم التشدد والكره للمسلمين.

التأكيد على موضوع وحدة أهل السنة داخليا فيما بينهم ، وبينهم وبين الشيعة.

تحييد الشيعة عن الصراع كحد أدنى ومحاولة جلبهم إلى القتال ضد الأمريكان إن كان ذلك ممكنا.

سحب البساط من العلمانيين.

 

الجانب الأمني:

وهو مقتل معظم الحركات الجهادية في العصر الحاضر وله أشكال متعددة : الاختراق ، الدس ، كشف المعلومات ، التضليل الإعلامي سواء بنشر ما يخالف الحقيقة لدى الناس أو بإعطاء معلومات مضللة للجماعات الجهادية .

واعتماد أمريكا الأساسي في معركتها الأمنية يقوم على :

- التطور التقني والتقدم الهائل في أجهزة التنصت والمراقبة

- الاعتماد المتزايد على القدرات البشرية سواء من كوادر أجهزة الأمن لدى النظام البائد أو بتجنيد عناصر جديدة أو بشراء بعض العناصر من داخل المقاومة

وابتداء لا بد من الاعتراف بفارق الامكانات والخبرات والقدرات على جميع الصعد في المجال الأمني ، ولكن من الممكن تقليص الفارق بل وتحقيق اختراقات مهمة وذلك عن طريق الانتباه واليقظة التامة والتشدد في اختيار الأخوة الذين يشاركون في العمل السري وعدم استعمال الهاتف مطلقا لنقل المعلومات أو تحديد أماكن اللقاءات .... وللكلام تفصيل أوانه في رسالة مستقلة.

ولكن يجب أن نؤكد وباختصار شديد على أن الجانب الأمني لا مجال فيه للتهاون أو التقصير.

 

أبرز حلفاء أمريكا في عدوانها على العراق:

وهم بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وبولندا وبعض الدول العربية

وسنتناول بعضها بالحديث لمعرفة أسباب توجهاتها وماذا ستجني من مواقفها في حال نجاح المخطط الأمريكي ، ولكن يجب الانتباه إلى نقطة في غاية الأهمية بالنسبة للعمل الجهادي في العراق وهو أن إسبانيا وبولندا ليس لهما مصالح ضخمة حقيقية في العراق وإنما مصالحهم لأمور أخرى كما سنرى فيما يلي من أسطر ، وحتى بريطانيا نفسها ليس لها من المصالح ذات الأولوية التي تدفعها لتقديم تضحيات ضخمة قد تفوق قدرتها كدولة صناعية قوية ولكن غير قادرة على الصمود لفترة طويلة في أي أزمة كبيرة كأزمة العراق

 

بريطانيا:

إن الوضع الحالي لبريطانيا كما إسبانيا وبولندا يتمثل في رغبة حكامها في دخول الحرب لأسباب تغلّب فيها الجانب الشخصي والتاريخي والمطامع على حقائق الواقع وحقيقة مصالح هذه الدول.

إن بريطانيا ولا شك دولة قوية ولكن أضعف بكثير من أمريكا وهي غير قادرة على الحفاظ على مصالحها في العالم من دون سند عالمي أوروبي أو أمريكي ، ويبدو أن رئيس الوزراء البريطاني "طوني بلير" قد قرر ومنذ اللحظة الأولى لضربات أيلول أن يكون بالإضافة لمنصبه الرسمي ، وزيرا لخارجية أمريكا ، ووضع كل البيض البريطاني في السلة الأمريكية ، وبدا ذلك واضحا في جميع مواقفه السياسية والعسكرية ، فقد شارك بقوة في حرب أفغانستان وأسرع لتعديل قانون الإرهاب بما يساعد أمريكا في حربها على الإرهاب ، ثم أيد أمريكا بقوة في مجلس الأمن من أجل إصدار قانون يشرع العدوان على العراق ، بل ولم يجد طوني بلير حرجا من الكذب بتقرير الأسلحة العراقية والذي تبين فيما بعد أنه مسروق من طالب عراقي ، وعندما عجز عن ذلك ضربت "الشرعية الدولية" بالحائط وشاركت أمريكا عسكريا في الحرب والاحتلال.

ويبدو أن بريطانيا كانت تتوقع أن تحصل على جزء جيد من الكعكة النفطية في العراق ، وهي مستعدة لبذل بعض التضحيات التي رأتها معقولة بسبب ضعف نظام صدام حسين وتهلهل الواقع الدولي ، فنجد مثلا وزير المالية البريطاني جوردون براون يعلن في 12 شباط/فبراير 2003 أن بريطانيا سوف تضيف 750 مليون جنيه استرلينى أو 1.21 مليار دولار إلى تكاليف الحرب على العراق. ليصبح الرقم المرصود 2.83 مليار دولار. وقال براون أمام البرلمان أنه " ينبغي ألا يكون هناك أي شيء يمنعنا من تجهيز ودعم قواتنا المسلحة ". وقال إن " هذا هو وقت الخطر الكبير اقتصاديا وجيوبولوتيكيا. "

وقد تم هذا الإعلان عن التمويل الإضافي في وقت تراجع فيه بنك انجلترا عن توقعاته الاقتصادية عقب التحذير من تأثير الحرب المحتملة على المستقبل الاقتصادي البريطاني.

ومضت بريطانيا أكثر من ذلك حيث تعهدت ونفذت التزامات بريطانيا بإرسال حوالي 45 ألف عسكري إلى الحرب ، وهو ما قانت به فعليا بعد ذلك.

وقد توقع حينها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن تكاليف الحرب بالنسبة لبريطانيا تتراوح من 3.2 مليار جنيه إلى 3.5 مليار جنيه ، إي حوالي 5.5 مليار دولار ،وهي كمية تماثل ما أنفقته بريطانيا خلال حرب الخليج الثانية أي تحرير الكويت.

ومن الجدير بالذكر أنه الميزانية الدفاعية في بريطانيا لعام 2002 كانت 24 مليار جنيه أي حوالي 39 مليار دولار، وهذا يعني أن تكلفة الحرب المتوقعة حينها كانت تشكل حوالي عشرة بالمئة من ميزانية الدفاع ، وهذا العبء بإمكان بريطانيا تحمله خاصة مع ما تتوقعه من فوائد استراتيجية واقتصادية وتدعيم لموقفها الدولي بشكل عام والأوروبي بشكل خاص. وقد نقلت الجزيرة في يوم 16-10-2002 عن "دوج ماكوليامز" رئيس مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال في بريطانيا أنه لا يعتقد أن (خزائن الدولة يمكن أن تتعرض لضغوط من جراء ضربة عسكرية إلى بغداد ولا سيما إذا كانت قصيرة وفعالة). وقال (إن الحرب لن تكون باهظة التكاليف وسوف يتبين أنها تقع داخل نطاق تمويل الطوارئ، ولذا فلن تكون زيادة إضافية للإنفاق العام) ، ويجب ألا ننسى أن ميزانية الدفاع بأكملها لا تزيد عن 3% فحسب من إجمالي الناتج المحلي الكلي.

ولكن يبدو أن بريطانيا وإن التزمت -ظاهريا- وإلى الآن بالوقوف وإلى النهاية مع أمريكا فيما يسمى بالحرب على الإرهاب ، فإن هذا الوقوف مشكوك فيه إلى حد بعيد ، والعراق خير شاهد على ذلك ، فالحرب حقيقة كانت (قصيرة وفعالة) كما توقع "دوج ماكوليامز" ، إلا أن نتائجها لم تكن كذلك بل على عكس كل التوقعات ، ولذلك نرى بريطانيا بل وكل دول ما يسمى التحالف الدولي ممسكين للعصا من المنتصف ، فلا هم راغبين ولا حتى قادرين على التخلي عن أمريكا خاصة مع بقاء كثير من الأمل لديهم بالنجاح ، ولا هم يملكون الجرأة والقوة والإرادة على النزول بكل ثقلهم إلى جانب الولايات المتحدة خاصة مع فقدانهم للدعم الشعبي أولا وللتغطية الدولية ثانيا ، ولذلك رأينا بريطانيا وفي ذكاء واضح و"براغماتية" قاسية تسحب معظم قواتها بسرعة وهدوء ، وتبقي على حوالي أحد عشر ألف عسكري في مناطق الجنوب ، وخاصة أن هذه المناطق ما تزال إلى الآن هادئة بشكل كبير.

ولكن هذا الهدوء ليس كاملا ،ومنطقة الجنوب وخاصة البصرة مهيأة للتفجر في أي لحظة مع سوء الأوضاع المعيشية اليومية وانتشار البطالة وارتفاع نسبة السنة في البصرة (والتي يقدرها البعض ب 30-35 % من السكان هناك) ، ودليل ذلك ما ذكرته "الفايننشال تايمز" في 9-9-2003 عن إرسال مزيد من القوات البريطانية إلى العراق، وقالت كذلك صحيفة "الديلي تلغراف" في ذات اليوم أن بريطانيا قررت إرسال 1400 جندي إضافيين إلى العراق. ونقلت الصحيفة عن وزير الدفاع البريطاني جيف هون القول بأن القرار بإرسال مزيد من القوات جاء بعد طلب تقدم به قائد القوات البريطانية في العراق الجنرال لامب. ورغم إعلان وزير الخارجية "جاك سترو" انه لا بد من إرسال 5000 من القوات الإضافية إلى العراق لتفادي "فشل استراتيجي" في العراق. فإنه لم يتم إرسال هذا العدد كاملا بعد.

بعد هذا السرد التحليلي نخلص إلى أن مشاكل الوجود البريطاني في العراق متعددة ، وهي مشاكل وضغوط بريطانيا داخلية وعراقية ودولية

فالمعارضة للحرب داخل بريطانيا ضخمة ، فقبل الحرب وفي شهر فبراير/شباط خرج حوالي مليون فرد في مسيرة هائلة جابت شوارع لندن في محاولة منهم لمنع الحرب وذلك في أضخم مسيرة احتجاج سياسية في تاريخ بريطانيا.

وبمطالعة استطلاعات الرأي نجد أن المعارضة للحرب ومن ثم المعارضة لاستمرار الاحتلال إن ترافق مع خسائر ضخمة يزداد ولا ينقص ، ففي استطلاع أجرته مؤسسة غالوب المختصة ونشر في 2-2-2003 تبين أن غالبية الذين شملهم استطلاع أجري يومي 15 و16 يناير/ كانون الثاني في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا وروسيا إضافة إلى الولايات المتحدة تعارض شن حرب على العراق. وسأل الاستطلاع المشاركين فيه عما إذا كانوا يعارضون الحرب تماما أو سيؤيدونها إذا كان هناك تفويض من الأمم المتحدة أو يؤيدون ضربة من جانب واحد.

فبالنسبة لبريطانيا قال 41% ممن شملهم الاستطلاع إنهم يعارضون الحرب

في حين ذكر 39% منهم أنهم يفضلون صدور تفويض من الأمم المتحدة

أما الآن فتدل الإحصاءات أن ثلثي البريطانيين يشعرون أنهم خدعوا من قبل طوني بلير

ومما يزيد الضغط الشعبي على بلير وحكومته استقالة بعض سياسيي حزبه عند الإعلان عن قرار الحرب ، ودخول بريطانيا الحرب دون قرار دولي ، ثم الاعتراف بعدم وجود أدلة على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل , ومن ثم عدم العثور عليها بعد الاحتلال , وأخيرا حدوث بعض العمليات البسيطة ضد القوات البريطانية والتي أدت لعدد من القتلى والجرحى ، وأخيرا مقتل مفتش الأسلحة البريطاني السابق "ديفيد كيلي"

أما على الجانب الاقتصادي فإن عبء الاحتلال ليس كبيرا إلى الآن نظرا لتخفيض بريطانيا لقواتها ولعدم وجود فاعلية عسكرية كبيرة في مناطقها مما أدى كذلك لخفض النفقات والخسائر

 

وقد قال ماكوليامز إن ما قد يفسد خطط الإنفاق هو حقيقة أن النمو الاقتصادي مهيأ فعلا لأن يكون أقل مما تنبأ به وزير المالية بين 3% و3.5% العام المقبل. وقد يضر هذا بالعائدات الضريبية في وقت تعهد فيه براون بإنفاق مليارات الجنيهات في إعادة بناء المدارس والمستشفيات التي تعاني من سنوات الإهمال.

وهناك أيضا شاغل رئيسي هو النفط الذي قفز سعره من أقل قليلا من 20 دولارا للبرميل في أعقاب الغزو العراقي للكويت عام 1990 إلى أكثر من 40 دولارا للبرميل خلال شهرين. ومع ارتفاع أسعار النفط هوت الأسهم وخسر مؤشر فاينانشال للأسهم البريطانية الكبرى نحو خمس قيمته خلال ستة أسابيع من الغزو العراقي للكويت ،

إن كل ما سبق ذكره من معوقات ومشاكل أمام الاحتلال البريطاني لن ترغم الحكومة على الانسحاب لأن في ذلك اعترافا بفشلها وتأكيد لصحة الاتهامات الموجهة لها ، ونظن أن العامل الوحيد القادر على سحب القوات البريطانية هو الضغط الشعبي الذي سيكون كاسحا إذا تعرضت بريطانيا لخسائر ضخمة أو انسحبت قوات الدول الأخرى من مثل إسبانيا أو إيطاليا والتي يعدها البريطانية أقل تحضرا ومدنية منهم وأقل اهتماما بالإنسان وحقوقه ،ففي هذه الحالة ستنسحب فورا نتيجة لهذه الضغوط التي لا تحتملها أي حكومة بريطانية ولعدم وجود أضرار كبيرة الأثر بعيدة المدى وليس الحال كذلك لأمريكا[9].

 

إسبانيا:

وهي الحليف الأوروبي الأبرز والأقوى بعد بريطانيا وقد تماثلها إيطاليا كذلك مع رئيس وزرائها المتخلف "سيلفيو بيرلوسكوني"

وسكان إسبانيا حوالي 39 مليون نسمة يبلغ عدد المسلمين فيها حوالي نصف مليون ودورهم في الحياة السياسية معدوم تقريبا وليس لهم قوة مالية أو حتى وجود ثقافي معتبر في الحياة الثقافية الإسبانية ، ولكن يعتبر غالبية الكتاب الإسبان مؤيدين للقضية الفلسطينية وللقضايا العربية عموما[10] ، وذلك على الرغم من أن الإعلام خاضع وبشكل كبير للنفوذ اليهودي القوي ولكن الخفي في إسبانيا.

بالنسبة للاقتصاد الإسباني فهو يعتبر اقتصاد متوسط ولكنه كان ينمو في السنوات الماضية بمعدلات أعلى من المتوسط الأوروبي ، وكانت في الماضي تتلقى مساعدات أوروبية كبيرة حتى يتم تحسين اقتصادها.

أما بالنسبة لموضوع الحرب مع العراق فقد كان هناك انفصال كامل تقريبا بين الموقف الشعبي والموقف الحكومي ممثلا بالحزب الشعبي الحاكم.

فقد شهدت مدريد قبل الحرب مظاهرات هائلة كان أحدها مليونيا بل قال منظموها أن العدد وصل إلى مليون ونصف (علما أن سكان العاصمة مدريد حوالي خمسة ملايين) ، وقد حاول المتظاهرون اقتحام قصر رئيس الوزراء في "منكلوة" ، وقالت سلطات الإسعاف يومها أن 50 شخصا على الأقل أصيبوا خلال مظاهرات الجمعة، فيما أعلن وزير الداخلية "أنخيل أسيبيس" عن اعتقال أربعة متظاهرين.

كما تجمع ليلا في مدريد في مظاهرة أخرى عشرات الآلاف من المتظاهرين أمام السفارة الأمريكية للتنديد بالحرب ولمشاركة الحكومة الإسبانية فيها.

وقد تحمل في إحدى المرات آلاف المتظاهرين الأمطار الغزيرة وشاركوا في مسيرة توجهت إلى قاعدة "توريخون" الجوية التي تستخدمها القوات الأمريكية وتبعد 20 كيلومترا عن العاصمة مدريد احتجاجا على موقف رئيس الوزراء "خوسيه ماريا أزنار" المؤيد للحرب.

ويمكن القول ودون مبالغة أن أجواء مدريد وبعض المدن الإسبانية وخاصة الجامعات كانت قريبة من أجواء انتفاضة حقيقية ، ولعل انتشار الكوفية الفلسطينية كان أبرز شاهد على درجة التهاب المشاعر وتفجرها في إسبانيا ، كما أن المظاهرات الحاشدة لم تقتصر على مدريد وحدها بل امتدت لتشمل كبريات مدن إسبانيا وضمت معظم الطيف السياسي والثقافي بل وحتى ما يسمى بالفني.

 

أما من الناحية السياسية فقد كانت قوى المعارضة وعلى رأسها الحزب الاشتراكي واليسار المتحد واقفين ضد الحرب ولكن وكما شاع بعدئذ فقد أضاعت المعارضة في ذلك الوقت فرصة هامة لكسب الشعب الذي كان واقفا ضد الحرب وضد الحزب الشعبي الحاكم ، كما أن الحزب الاشتراكي - وهو الوحيد الذي يتمتع بالقدرة على هزيمة الحزب الحاكم يعاني من مشكلة ضخمة في قيادته التي لم تحسن استثمار الظروف المواتية لها بل ويبدو أنها تعاني من شيء من الانقسام.

ولفهم ملابسات هذه القضية فلا بد من الالتفات لتفصيلات الخارطة السياسية في إسبانيا.[11]

فمنذ بداية القرن العشرين وإسبانيا يتجاذبها بقوّة تياري اليمين واليسار ، بل خاضوا فيما بينهما واحدة من أشرس الحروب الأهلية والتي قُتل خلالها وخلال ما تلاها من مجاعات مئات الآلاف من الضحايا ، وأسفرت في النهاية عن نصر شامل لليمين الملكي بقيادة الجنرال فرانكو والذي استطلع أن يمسك البلد بقبضة من حديد ولما يقارب الثلاثين عاما.

وقد عاش اليمين الإسباني قرونا طويلة والديني علنا عداءه لليهود واليهودية معتمدا في ذلك على معتقداته الكاثوليكية والتي كانت يومئذ تحمل اليهود دم المسيح عليه السلام[12] ، بل كان يعتبرها الملكان الكاثوليكيان "إيزابيل" و "فرناندو" عدوا لا تقل عداوة عن الإسلام الذي قاتلاه حتى سقوط غرناطة بأيديهما عام 1492 ، بعد طول حصار وبعد قطعهما وعودا لأميرها أبو عبد الله الصغير والمسلمين بأن تسليم المدينة ومفاتيحها سيضمن لهم ممارسة حرية العقيدة واحتفاظهم بكافة حقوق المواطنة التي يحصل عليها المواطن المسيحي في الدولة المسيحية الجديدة الناشئة عن اتحاد قشتالة وأراغون مع الأندلس بعد إسقاط الحكم الإسلامي فيها.

ولقد استمر هذا العداء خلال أيام حكم الجنرال فرانكو ذو الخلفية المسيحية الكاثوليكية الشديدة ، ولذلك كان على اليهود أن ينتظروا وفاة الجنرال ليبدؤوا في مساعيهم للسيطرة ومد النفوذ ، ورافق ذلك انضمام إسبانيا إلى أوروبا الغربية وبدء دخول الديمقراطية وتلقي المساعدات الأوروبية السخية ، كل ذلك أدى تدريجيا إلى عدم الاهتمام باليهود أولا ثم دخولهم التدريجي في مفاصل السياسة والاقتصاد والإعلام الإسباني.

وقد رافق دخول الديمقراطية إلى إسبانيا انتشار سريع لموجة الإلحاد وبروز القوى اليسارية على الساحة السياسية بل وفوزها الساحق على اليمين الإسباني وريث فرانكو ومرحلته ، وكان دخول اليهود آنئذ وإلى فترة قريبة دون التعبير عن الهوية الدينية بل عن طريق الأفكار العلمانية والمتحررة ، ومعلوم أن اليسار الأوروبي كان بشكل عام لا ينظر بشكل سيئ للحركة الصهيونية والتي تعتبر في نظرهم يسارية بالأساس[13] .

ولقد كان من المثير جدا أن نرى في انتخابات عام 1982 زعيم اليمين وقتها "مانويل فراغا" يعلن وبتكرار ممل تأييده للغزو الإسرائيلي للبنان باعتباره دفاعا عن النفس ، فيما كان مرشح الحزب الاشتراكي يومئذ "فيليبي غونثالث" يعلن معارضته للغزو ، بل كان يذهب أبعد من ذلك إلى المطالبة بدولة فلسطينية مستقلة وذلك كشرط للاعتراف الإسباني بإسرائيل.

بالرغم من الهزيمة الساحقة التي مني بها اليمين في تلك الانتخابات التي فاز فيها الحزب الاشتراكي بأغلبية مطلقة ولثلاث دورات متتالية فإن اليمين السياسي الإسباني ظل يحاول التقرب من اليهود الذين عادوا إلى إسبانيا بقوة غريبة حتى قبل الاعتراف بهم رسميا في عام 1986 تحت ضغوط أوروبية التي وضعت هذا الاعتراف إضافة إلى الانضمام إلى حلف الأطلسي من أهم شروط الانضمام للسوق الأوروبية المشتركة ، في حين تم الاعتراف بالإسلام في عام 1991 وذلك "كدين ذو جذور إسبانية".

فشل زعيم اليمين "مانويل فراغا" في الفوز في الانتخابات التالية جعله يتنازل عام 1989 عن زعامة اليمين لخوسيه ماريا أزنار الذي ركز على الوضع الاقتصادي في انتخابات عام 1996 التي فاز بها بفارق ضئيل في عدد الأصوات واحتاج لدعم الأحزاب الوطنية الانفصالية للحكم، أما السياسة الخارجية فلم تكن مثار اهتمام كبير له..

وصول خوسيه ماريا أزنار للحكم عام 1996 جاء في وقت كان فيه الاقتصاد الإسباني يتجه نحو النمو بشكل سريع مع بداية دورة نمو اقتصادي طبيعي جديدة كان يمكنها أن تحدث في ظل أي حزب أيا كان اتجاهه ، ولكن نسب البطالة وصلت حينها إلى حوالي 25 % من اليد العاملة وهي الأعلى في أوروبا الغربية ، إضافة لتهم الفساد التي لاحقت أعضاء من الحزب الاشتراكي وأزمة الباسك.

حاول أثنار انتهاز كل الفرص المتاحة أمامه ليقدم نفسه كزعيم سياسي على المستوى الدولي، لكن تلك الفرص لم تكن كثيرة، لأن شخصية رئيس الوزراء الأسبق الاشتراكي فيليبي جونثالث كانت طاغية في هذا المجال بسبب دوره في انضمام بلاده إلى السوق الأوروبية المشتركة، ثم تزعمه حركة التوسع الأوروبية الأولى التي حولت السوق الأوروبية إلى الاتحاد الأوروبي، ورئاسته لمجموعة الأحزاب الاشتراكية الدولية بعد ذلك خلفا للزعيم الاشتراكي الألماني فيلي برانت.

ثم جاءت الفرصة لخوسيه ماريا أزنار مع وقوع أحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن، فكان من أوائل من أعلنوا دعمهم اللامحدود للرئيس جورج دبليو بوش، وأعلن استعداده لتقديم الدعم العسكري لو طلب منه ذلك، لكن الرئيس الأمريكي لم يقبل هذا الدعم بشكل غير مفهوم، فقد استقبلت واشنطن الزعماء الأوروبيين من توني بلير إلى شرويدر إلى شيراك وحتى بيرلسكوني، بينما انتظر رئيس الوزراء الإسباني لأكثر من شهرين ليحظى بشرف لقاء الرئيس الأمريكي.

وفيما تراجع التأييد الفرنسي والألماني للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب بسبب إصرارها على الانفراد بإصدار قرار ضرب العراق واحتلاله وتغيير نظامه، ظل رئيس الوزراء الإسباني وفيا لبيانه الأول، وحاول أن يكون ظلا لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير من ناحية الحجم والوفاء، بل وزايد خوسيه ماريا أزنار على شركائه الأوروبيين بتجنيد الإعلام التابع لنفوذه لتضخيم عمليات القبض على مواطنين عرب ومسلمين يقيمون على الأراضي الإسبانية، معظمهم يحمل الجنسية أي يعتبرون من مواطني إسبانيا، وفتح ملفات البوليس أمام وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، ووقع اتفاقات منفردة تسمح للأمريكيين باستجواب أي مواطن إسباني داخل الأراضي الإسبانية نفسها.

ومع بدء إرهاصات الحرب على العراق أعلنت إسبانيا أنها ستشارك بعدة وعتاد في تلك الحرب، حيث أرسلت 900 من قواتها إلى الخليج، وثلاث سفن حربية.

وقال أثنار إن القوات والمعدات الإسبانية لن تشارك في المعارك، ووصف مهمتها بـ "الإنسانية البحتة."

كانت نتيجة هذا التخوف تراجع التأييد الشعبي الإسباني للولايات المتحدة، لكنه لم يوقف التأييد المطلق الذي تبديه الحكومة التي يرأسها زعيم الحزب الشعبي اليميني خوسيه ماريا أزنار

وقد شارك رئيس الوزراء السابق فيليبي جونثالث في انتقاد سياسة الحكومة الإسبانية اليمينية بمقال نشره بإحدى الصحف الوطنية انتقد فيه تأييد خوسيه ماريا ازنار للسياسة الأمريكية العدوانية التي تريد الانفراد باتخاذ القرار واستهداف الهيمنة، وأشار إلى أن السياسة الحكيمة لأي حكومة وطنية لا يجب أن تكون التبعية العمياء لأي سياسة خارجية لأي دولة مهما كانت علاقات الصداقة التي تربطها بإسبانيا، بل الحكمة يجب أن تكون في شكل نصيحة للصديق حتى لا يرتكب ما من شأنه فتح أبواب الجحيم في إشارة إلى ما يمكن أن تسفر عنه أي مغامرة عسكرية أمريكية ضد العراق أو أي دولة أخرى من الدول التي تصفها واشنطن بالمارقة أو تشكل محور الشر.

ثم جاءت استقالة القائم بالأعمال بسفارة إسبانيا في بغداد فرناندو بالديراما من منصبه احتجاجا على هذه السياسة لتكشف إلى أي مدى وصل التذمر داخل المؤسسة الدبلوماسية الإسبانية ضد سياسة التبعية للولايات المتحدة التي يرى الدبلوماسي المستقيل أنها تعرض مصالح إسبانيا للخطر، فقد أشار في استقالته وتصريحات صحفية أدلى بها أنه بدأ يشعر بالقلق من تلك السياسة منذ تصريحات وزيرة خارجية بلاده "آنا بلاثيو" في المؤتمر الصحافي الذي عقدته في واشنطن عقب لقاء لها مع وزير الخارجية الأمريكية كولن باول في 15 أغسطس الماضي قالت فيه (إن العالم سيكون أفضل بدون صدام حسين).

وأكد الدبلوماسي الإسباني في تصريحاته أن التصريحات التي أدلت بها الوزيرة في واشنطن (تتعارض مع القانون والأعراف الدولية التي تسير عليها العلاقات بين الدول المتحضرة)، خاصة أن لبلاده سفارة مفتوحة في بغداد ودبلوماسييها معتمدون من السلطات العراقية ويحظون بمعاملة طيبة.

وفسر الدبلوماسي سر تقديمه الاستقالة في هذا الوقت بالذات لأنه حسب قوله اتخذ قراره بعد أن تبين أن سياسة حكومة بلاده التي تسير في ركاب الولايات المتحدة ستجلب المخاطر خاصة بعد أن حصل الرئيس جورج بوش على تفويض الكونغرس لضرب العراق، في هذه اللحظة فهم أنه لا أمل في التراجع بعد أن ربطت الحكومة الإسبانية بسياسة الولايات المتحدة وما يعني هذا من مخاطر فقرر تبرئة نفسه من هذه السياسة بترك منصبه.

استقالة القائم بالأعمال الإسباني في بغداد جاءت -حسب المراقبين- نتيجة انتهازية الحكومة اليمينية التي تحاول استخدام شماعة الإرهاب وأحداث سبتمبر لتداري فشلها في السياسة الداخلية، ويرون أن تلك الأزمة لن تكون الأزمة الأخيرة التي ستواجهها حكومة مدريد بسبب خضوعها التام للسياسة الخارجية الأمريكية، فقد تصاعدت المواقف بين الحكومة والأحزاب المعارضة وعلى رأسها الحزب الاشتراكي الذين طالبوا بأن تمثل الوزيرة أمام البرلمان لتشرح الأسباب الحقيقية لاستقالة القائم بالأعمال في بغداد بدلا من استخدامها لوسائل الإعلام في تشويه شخصية الدبلوماسي المستقيل واتهامه بالخوف والجبن.

نركز الآن على شخصية رئيس الوزراء الإسباني اليميني "خوسيه ماريا أثنار" وهو الآن في الخمسين من عمره ويتزعم الحزب منذ العام 1990، وقد حصل في عام 2002 على 99.6% من أصوات المقترعين على زعامة الحزب ، مع الإشارة إلى أنه كان المرشح الوحيد لهذا المنصب، وأكد في حينها أنها المرة الأخيرة أيضا التي سيتولى فيها رئاسة الحزب التي تنتهي عام 2005.

وشخصية أثنار معقدة بعض الشيء ، فقد حصل في البداية على تأييد واسع واحترام بسبب الانتعاش الذي حصل في إسبانيا وبسبب القسوة المتبعة ضد حركة "إيتا" الباسكية الانفصالية ، لكن الاقتصاد عاد في الفترة الماضية لمواجهة مشاكل جديد كما أن سياساته الخارجية لاقت معارضة داخلية شديدة .

الملفت للنظر هو التسول الإسباني الغريب من قبل أثنار ورغبته الشديدة في دخول التاريخ من البوابة الأمريكية دون غيرها ، وقد كانت محاولاته فجة في تسويق نفسه للأمريكان ، وخطاباته وكلماته في موضوع الإرهاب تكاد تكون في أحيان كثيرة ترجمة ومحاكاة لكلمات بوش الصغير .

من الصعب الجزم بسبب هذا التوجه ولكنه ولا شك بهذا فيه من الرغبات الشخصي الشيء الكثير ، وقد يكون له خلفية دينية على الأغلب ، حيث أن الحزب الشعبي له علاقات قوية مع جماعة (الأوبس دي) المسيحية القوية في إسبانيا.

موقف أثنار هذا لا يعبر أبدا عن موقف الشعب الإسباني ، ولو كانت حدة الخلاف بين الحكومة والشعب بهذه النسبة موجودة في بريطانيا لسقطت الحكومة ، ولكن هذا لم يحدث إلى الآن لأسباب عدة أهمها:

-  أن الشعب الإسباني ورغم مضي ما يزيد عن ربع قرن من الديمقراطية لم يبلغ مرتبة بريطانيا مثلا في محاسبة حكامه ، فهو إلى الآن يقبل حقيقة كذب السياسيين ولا يرى داع لمحاسبتهم ، وهذا بعكس البريطانيين الذين حاولوا محاسبة بلير على كذبه في الأدلة لدخول بريطانيا الحرب على العراق.

-  أن معظم كتلة اليمين الانتخابية متعصبة جدا لحزبها ، فرغم أن الغالبية الساحقة من الإسبان عارضت الحرب ، إلا أنه عند إجراء الانتخابات النيابية المحلية أخيرا صوتت كتلة الحزب الشعبي لحزبها وبقيت وفية له.

-       قوة جماعة (الأوبس دي) في الحزب الشعبي

-       عدم تأثير أحداث العراق بشكل مباشر على الحياة في إسبانيا

-       ضعف المعارضة اليسارية وعدم إدارتها للصراع السياسي بحكمة.

لذلك نقول أنه لإجبار الحكومة الإسبانية على الانسحاب من العراق فإن على المقاومة أن تكيل الضربات الموجعة لقواتها وأن يرافق ذلك مواكبة إعلامية توضح حقيقة الموقف في داخل العراق ، ولا بد من الاستفادة القصوى من قرب موعد الانتخابات العامة في إسبانيا في الشهر الثالث من العام المقبل.

ونحن نظن أن الحكومة الإسبانية لا تحتمل سوى ضربتين أو ثلاث كحد أقصى كي تضطر للانسحاب بعدها بسبب الضغط الشعبي عليها ، فإن بقيت قواتها بعد هذه الضربات فسيكون فوز الحزب الاشتراكي مضمونا تقريبا (انظر النسب) وسيكون سحب القوات الإسبانية على قائمة مشروعه الانتخابي.

وأخيرا نؤكد على أن انسحاب القوات الإسبانية أو الإيطالية من العراق سيشكل ضغطا هائلا على الوجود البريطاني قد لا يستطيع "توني بلير" احتماله ،

وهكذا تسقط أحجار الدومينو سريعا ، ولكن تبقى المشكلة الأساسية في سقوط الحجر الأول

 

بولندا:[14]

تقع جمهورية بولندا في وسط أوروبا على بحر البلطيق وعاصمتها وارسو . وهي تغطي مساحة 312000 كيلو متر مربع ويقدر عدد سكانها بحوالي 39 مليون نسمة ، ويبلغ عدد سكان العاصمة وارسو حوالي 1650000 ، ويأتي ترتيبها السابع في أوروبا من حيث عدد السكان.

بالنسبة للأقليات فالأرقام الرسمية تشير إلى أن نسبتهم قليلة ، 2-3% فقط من عدد سكان البلاد ، وهى تشتمل بصورة رئيسية على أقليات من أوكرانيا ، روسيا البيضاء ، ألمانيا ، التشيك ، السلوفاك ، ليتوانيا ، اليهود والغجر ، أما المسلمون من أصل تتري فتقدرهم الأرقام الرسمية بحوالي خمسة آلاف فقط.

ويعتبر 65% أنفسهم من البولنديين الرومان الكاثوليك ، وهناك كنائس أخرى متعددة.

يتألف البرلمان من مجلس الشعب و مجلس الشيوخ والذي يعتبر السلطة التشريعية العليا ويتم انتخابه لمدة 4 سنوات ، أما الانتخابات الرئاسية فتجري كل خمس سنوات ، ورئيس الجمهورية منذ عام 1995 هو "ألكسندر كفاشنفسكي".

والانتخابات النيابية والرئاسية القادمة ستكون عام 2005 ولا نستطيع التعويل عليها من أجل إجراء تغيير في السياسة البولندية لأسباب كثيرة سنذكرها تباعا في هذا الفصل لعل أولها بعد وقت الانتخابات.

وفي آخر انتخابات جرت عام 2001 والتي شاركت فيها ستة أحزاب فاز الائتلاف اليساري الديمقراطي واتحاد العمال بحصولهما على 41% من الأصوات ، وحاز حزب منبر المواطنين علي 68ر12% وحصل حزب الدفاع الذاتي( اتحاد الفلاحين ) علي 2ر10% وحزب القانون والعدالة علي 5ر9% وحصل الحزب القروي البولندي على 98ر8% ، والحد الأدنى من الأصوات لدخول البرلمان هو 8%.

ويبلغ عدد مقاعد البرلمان 450 مقعدا حصل منها الحزب الاشتراكي الاجتماعي واتحاد العمال على 216 مقعدا ودخلوا ائتلافا مع حزب الفلاحين.

وتبلغ نسبة البطالة بحسب الأرقام الرسمية في بولندا حوالي 16%. وهي دولة متخلفة وتعاني من مشاكل اقتصادية ضخمة وما تزال متأخرة عن غرب أوروبا بمراحل ، فهي حالة خاصة من حيث كِبر وتخلف قطاع الزراعة فيها وتأخرها الاقتصادي قياساً بزميلاتها الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ، وهي أول دولة شيوعية تخرق الجدار الحديدي، وأشد الدول الشرقية حماساً للاندماج في الغرب الأوروبي، وأشدها حاجة اقتصادياً لهذا الاندماج، ولكنها أيضا أشد الدول حماسة للولايات المتحدة الأمريكية ، وقد استغلت واشنطن هذه الحماسة لشق الصف الأوروبي فبدأت تعامل بولندا على أنها زعيمة أوروبا الجديدة والحليف المفضل حتى على الحلفاء الغربيين ، ولذلك "شرفها" بوش بجعلها أول محطات جولته الأوروبية في شهر أيار، وكي يشكرها على موقفها في حرب العراق.

هناك مسائل عديدة متفق عليها سواء بين القوى السياسية أو على مستوى عموم الشعب البولندي.

فمثلا انضمام بولندا للاتحاد الأوربي هو أمر تجمع عليه الفعاليات السياسية وجميع القوى البولندية سواء أحزابا ليبرالية أو يسارية أو راديكالية ، وقد أكد على ذلك الرئيس الحالي ونوه على أنه يجب أن تولي الحكومة اهتمامها بعملية دخول بولندا الاتحاد الأوربي وفي أسرع فرصة فهذا الأمر استراتيجي كما أنه ركز بصورة أساسية علي ضرورة تحسين علاقات بولندا بدول العالم خصوصا جيرانها.

وكذلك بالنسبة للموقف البولندي من أحداث أيلول فقد كان منسجما مع الموقف الأوروبي والعالمي من حيث الإدانة والتأكيد على الوقوف مع أمريكا والذي كان في حالة بولندا وقوفا شاملا وغير مشروط.

ولم تكن حرب العراق استثناء في السياسة البولندية ، والتي أيدت جميع الخطوات الأمريكية وبحماسة شديدة. وبعد الاحتلال شاركت بقوة في تأمين القوات الأمريكية عسكريا.

ففي 3-9-2003 سلمت قوات المارينز الأميركية قيادة أجزاء من وسط العراق إلى قوات متعددة الجنسيات بقيادة بولندا في مراسم رسمية جرت في مدينة بابل القديمة.

وتقود القوات البولندية قوات عسكرية متعددة الجنسيات قوامها 9500 جندي تشارك فيها 21 دولة لإدارة منطقة جنوب ووسط العراق. وأرسلت بولندا قوة من 2400 جندي هي الكبرى بين القوات متعددة الجنسيات.

وبهذا تكون بولندا ثالث بلد يتولى المسؤوليات الرسمية كقوة احتلال في العراق بعد الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ، ولكن وبسبب فقرها الشديد فقد تكفلت الإدارة الأمريكية بدفع تكاليف القوات البولندية وقدمت 230 مليون دولار كدفعة أولى من نفقات التواجد العسكري البولندي في العراق.

بالنسبة للرئيس البولندي الحالي فهو يعطي مثالا نموذجيا لحالة القهر الحضاري والتخلف الفكري والانبطاح أمام الغرب بشكل عام وأمام أمريكا بشكل خاص ، إضافة للكذب والتحايل.

فالرئيس البولندي "ألكسندر كفاشنيفسكي" وهو الآن في الأربعينات من عمره وصل إلى الحكم عام ‏1995,‏ ثم أعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية في عام 2000 ، حيث سيبقى إن شاء الله له ذلك إلى عام 2005 ونسأل الله أن يخسف به الأرض قبل ذلك الوقت.

بالنسبة لتاريخه السياسي فنجده متغيرا ، فقد بدأ مبكرا نشاطه السياسي في تنظيمات الشباب واتحاد الطلبة‏,‏ وعمل صحفيا في جريدة ومجلة ، ثم أصبح وزيرا للشباب قبل ثورة‏1989 أي في الحقبة الشيوعية ،‏ وقد شارك بنفسه في مفاوضات المائدة المستديرة بين المعارضة التي كانت تقودها حركة تضامن والحكومة حتى تحقق التحول إلى ما سمي بالديمقراطية وبشكل سلمي.

أما الرئيس كشخص ومفكر فهو إمعة للغرب بشكل عام ولأمريكا بشكل خاص ، كل مشاريعه الحالية والمستقبلية لا ترى النور إلا من المنظار الأمريكي ، وسنكتفي بمقتطفات من كتابه "بيتنا بولندا".

فمثلا (عضوية حلف الناتو بالنسبة لنا قرار تاريخي مرتبط بالتغير الذي حدث في موقفنا) ، (وتعني عضويتنا في حلف الناتو أن يكون لدينا ضمانات أمنية حقيقية‏.‏ كما أن عضوية الناتو تعني كذلك أن نكون للمرة الأولي في تاريخنا في نفس التحالف العسكري والسياسي مع ألمانيا بعد ألف عام من الحرب بين بلدينا‏.‏ وهذا لا يعني فقط أن يكون لدينا ضمانات وقيم مشتركة مع الناتو‏,‏ ولكن يعني أيضا أننا شركاء في مواجهة نفس المخاطر والالتزام ، وبالطبع نحن علي استعداد لذلك)

(كما أننا نشعر بالامتنان للولايات المتحدة لمساندتها لعملية التحول الديمقراطي عندنا).

(الرئيس بوش أنهي أخيرا أول مائة يوم من حكمه وكانت فترة ناجحة ولكنها لا تكفي لتقويم الإدارة بشكل كامل‏).

(الاتحاد الأوروبي هو هدفنا المقبل ونحن نعمل بقوة ولدينا مفاوضات صعبة جدا هذه الأيام‏.‏....واعتقد انه بعد المفاوضات فان القضية ستكون متي سيكون الاتحاد الأوروبي مستعدا لفتح أبوابه ، وأنا متفائل بإمكانية تحقيق هذا الهدف وأن نرى بولندا عضوا كاملا في الاتحاد الأوروبي

فنحن من ناحية - وبغض النظر عن عقود عديدة من الانفصال الرسمي - لا يزال لدينا إحساس عميق بانتمائنا، ولعدد من القرون، إلي الحضارة الأوروبية الغربية، ومن ناحية أخرى، ندرك مدى تخلفنا عن تلك الحضارة مما ينمي لدينا الإحساس بالانفصال والعزلة) وبالنقص أيضا كما هو واضح من كلامه.

(فقد كنا كشباب بولندي مشدودون بقوة جذب مغناطيسية إلى أوروبا، حيث يمكننا التعرف على عالم مختلف عن عالمنا هذا الذي نعيش فيه، ومناظر مختلفة ونعجب بالمستوى المعيشي المتوفر هناك، وكنا نتطلع لشغل الوظائف المؤقتة، وقد كنا نقابل بترحاب شديد من جانب مضيفينا، وهكذا يوماً وراء يوم وبمثل تلك التنقلات أمكننا إعادة اكتشاف هويتنا الأوروبية مرة أخرى.

وأنا اعتقد أنه وبسبب مثل تلك الخبرات أصبحت معظم أهدافنا الهامة واضحة، والتي تمثلت في تحقيق تقدم سريع في الوضع الاقتصادي، والاندماج في الاتحاد وتقوية موقفنا الأمني وإقامة علاقات وطيدة مع جيراننا.)

(إن قرارنا للانضمام للاتحاد الأوروبي يعتبر قراراً مصيرياً، وذلك لإيماننا الراسخ بأن الدول، التي لأي سبب من الأسباب، يتم استبعادها من هذا الاتحاد، سوف تجد نفسها سريعاً مهمشة حضارياً ومحدودة التطور، وبالتبعية فإن أهميتها سوف تقل ، ولهذا فإن تحقيق الازدهار والتقدم والأمان لبولندا يعتمد علي مدى انتمائها لأوروبا وعلي مدى قوة الارتباط بها).

(ولقد تأثرت أنا شخصياً بواحدة من أكثر الصفات التي يتميز بها اتحاد الدول الأوروبية، وهي قابلية التصحيح وإمكانية التحول الحذر في المواقف تجاه القضايا، والتي يمكن أن يسميها الفرد بالاتجاه المحافظ الحكيم، الذي لا يستبعد حدوث أي تغييرات في مواقفه تجاه أيًِ من القضايا، وفي ظل المصالح القومية المتراكمة والمعقدة، يتم التوصل مع بعض الصبر إلي حلول وسط مقبولة، وهذه هي تحديداً أكثر الصفات المميزة للاتحاد وهي من وجهة نظري القوة الأساسية التي تقف وراء نجاحه).

(ويدعي البعض أن البولنديين لم يتحقق لهم بعد مثل هذه المستويات الحضارية المرتفعة في معيشتهم كما هو الحال في دول الاتحاد الأخرى، وأنه يوجد قوانين لا حصر لها، والتي تقيد مثل هذا التقدم، ولكن وعلي أية حال، يجب أن نكون علي دراية بأنه في حال قبول عضويتنا في الاتحاد، سننضم لمجموعة من الدول التي يتمتع شعوبها بمستوى معيشي أفضل مما نحن فيه ويظل أمامنا الهدف الرئيسي والذي يأتي في المقدمة، ألا وهو تحسين أحوال المعيشة لجميع المواطنين).

(ويمكننا مناقشة حاجة بولندا إلي الانضمام إلي الاتحاد أيام تشكله من خمس عشرة دولة وذلك من جوانب عديدة، وسرد العديد من المناقشات التي تدعم هذا الانضمام، فمن جانب السياسيين، فإنهم سوف يؤيدون وجوب انضمامنا للاتحاد إذا كنا نتطلع لطرق فعالة واقعية لترسيخ موقف بلادنا السياسي، وإذا كنا نختار أن تسود الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان والتكافل داخل مجتمعنا.

أما الاقتصاديون، فإنهم سوف يؤيدون وجوب انضمامنا للاتحاد إذا كنا نريد أن نسارع بالتقدم الاقتصادي والتكنولوجي لبولندا والذي بدونه لن يكون هناك حل لأيٍّ من مشاكل بولندا الرئيسية.

أما من وجهة نظر الناشطين الاجتماعين، فإنهم يؤكدون أيضاً علي وجوب انضمامنا للاتحاد إذا كنا نريد أن نرتقي بمستوى معيشتنا بوجهِ عام، وإذا كنا نرغب في الوصول إلي المستوى المعيشي المتوفر في الدول المتقدمة، وإذا كنا نرغب أن تنتمي بولندا لدول أوروبا وأن تعد ضمن المجتمعات المتقدمة التي تمتلك القدرة علي التطور، ولن تبلغ ذلك كله إلا بالانضمام للاتحاد. وهذا هو الطريق الوحيد الذي سوف يجعلنا متوائمين مع حداثة العصر في الوقت الذي نحافظ فيه علي هويتنا القومية.

ويستمد الاتحاد الأوروبي نموه من مصادر مختلفة من بينها الروح المسيحية والاشتراكية والقيم السائدة وتقاليد وثقافات الدول المختلفة، وهناك أيضاً المبادئ التي تناهض التعصب والعنصرية، بجانب احترام وحماية القيم الجوهرية التي تميز الهوية الأوروبية، كما أنه يستمد نموه أيضاً من تعدد الثقافات المعارضة للتعصب والعنصرية وأخيراً فهو يستمد نموه أيضاً من تعدد الثقافات التي لا تهدد المبادئ والقيم القومية ولكن تعمل علي تحسينها وتدعيمها).

(ويرتبط البولنديون عاطفياً بفكرة الانضمام للاتحاد فنحن نشعر بأننا نشارك في شيء كبير له أهميته، سوف ينتقل بالوضع القائم كله إلي الأفضل، وفوق كل ذلك سوف يفتح لنا آفاقاً من وجهات النظر المختلفة، إن الشيء المجهول عادة ما يجذب الإنسان ولكنه يثير مخاوفه أيضاً، لذلك فلا يجب تهميش أو إهمال آراء التكتلات الاجتماعية المتواجدة في الخارج بل يجب اعتبارها شيئاً هاماً).

(وبهذا المفهوم تصبح عضويتنا في الاتحاد الأوروبي أداة مفيدة لتحقيق الحرية الحقيقية وليست الصورية)

(إن دخول بولندا إلي حلف الأطلنطي كان شيئاً ممكنا ويرجع ذلك إلي الانسجام والتوافق بين عناصر البولنديين والذي يمكنهم من التغلب علي الانقسامات التاريخية والسياسية.)

كل ما سبق لا يمنع من العلم أن 13 بالمئة فقط من النمساويين يؤيدون انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي ، رغم كل هذا الاهتمام والتسول لانضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي ، فقد صوت ثمانون بالمائة من البولنديين بنعم للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ، وهذا أيضا لم يمنع من انحيازهم إلى واشنطن ضد أولياء نعمتهم الأوروبيين.

وتمني بولندا نفسها بمكاسب مالية مباشرة في العراق ، ومن ذلك أن وزير الخارجية البولندي فولديزيميرز شيموزيفتيش، أعلن أن بلاده تريد حصة من نفط العراق وقال إن (بولندا لم تخف أبدا أنها كانت تطمح دائما في الوصول إلى حقول النفط العراقية وقد وقعت شركات نفط وخدمات نفطية بولندية بالفعل، عقودا مع شركة (كيلوج براون آند روت) ـ وهي إحدى الشركات الفرعية لشركة (هاليبيرتون) التي كان يترأس مجلس إدارتها ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي ـ للمشاركة في خدمات الصيانة، والحصول على نصيب من النفط العراقي.

ومن المفيد جدا أن ننقل مقالا متميزا للكاتب المصري الدكتور محمد فراج أبو النور بعنوان (تمرد الشرق الفتي .. العقاب الأميركي .. للقارة العجوز) وافق ما كنا نراه حول الموضوع البولندي وحوى معلومات وتحليلات قيمة.

يقول الكاتب في مقاله هذا: (حينما احتدم الخلاف بين ألمانيا وفرنسا من جهة وأميركا من جهة أخرى حول القضية العراقية، لفت أنظار المراقبين صدور بيان مؤيد للموقف الأميركي وقعته ثماني دول تتزعمها بريطانيا وأسبانيا وايطاليا، وبينها.. بولندا والمجر وجمهورية التشيك، والدول الثلاث الأخيرة هي دول وسط وشرق أوروبية انضمت مؤخرا إلى حلف الناتو ومرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبعد أيام عادت الدول الثلاث فوقعت مع سبع دول شرق ووسط أوروبية أخرى بيانا جديدا مؤيدا للموقف الأمريكي تجاه العراق والدول السبع هي: ليتوانيا ولاتفيا واستونيا ورومانيا وبلغاريا وسلوفينيا وكرواتيا وهي مرشحة للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وحينما اجتمعت قمة الاتحاد الأوروبي الطارئة لتحديد موقف من خطط العدوان الأمريكي على العراق، كان منطقيا ألا تتم دعوة الدول العشر باعتبار أنها لا تملك صوتا تقريريا على أية حال، وأن وجودها يمكن أن يثير لغطا لا حاجة إليه، بينما يقتضي الموقف سلوكا عمليا سريعا للوصول إلى موقف مشترك يعبر عن دول الاتحاد وهو ما تم بالفعل، وقد أثار موقف تكتل الدول العشر غضبا واضحا في المعسكر الفرنسي - الألماني - البلجيكي، وصل إلى حد تبادل تعبيرات غير دبلوماسية إطلاقا، وخاصة من جانب رئيس وزراء المجر ونائب وزير خارجية بولندا.. إلى حد تهديد الرئيس الفرنسي شيراك بأن موقف الدول العشر يمكن أن يتسبب في تأجيل التحاقها بالاتحاد الأوروبي. ومعروف أن كبار السياسيين الأمريكيين - وعلى رأسهم وزير الدفاع رامسفيلد ووزير الخارجية كولين باول - قد أعربوا عن استحسانهم لموقف الدول العشر، قائلين أن مركز الثقل الاستراتيجي في أوروبا ينتقل من القارة العجوز نحو الشرق!! وهي مبالغة واضحة تعكس غضب أميركا وأمنياتها أكثر بكثير مما تعكس الواقع الفعلي، وحتى بالنسبة للقضية المحددة التي تثير الخلاف (القضية العراقية) فإن موقف القمة الأوروبية لا يزال بعيدا عن الموقف الأمريكي إلى حد كبير، أما روسيا أهم بلدان أوروبا الشرقية فهي أيضا مختلفة مع الموقف الأمريكي إلى حد التهديد باستخدام الفيتو ومن ناحية مركز الثقل يكفي أن نشير إلى انه يلزمها ربما، عقدان أو ثلاثة لتستعيد عافيتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.. وربما كان مفيدا الإشارة إلى أن ناتجها المحلي الإجمالي يبلغ نحو ثمن الناتج المحلي الألماني ونحو خمس الناتج المحلي الفرنسي.

لكن هذا كله لا يعفينا من تأمل دلالات موقف الدول العشر.. أي أوروبا الحديثة أو الفتية تجاه الخلاف الناشب بين أوروبا العجوز والولايات المتحدة.

الواقع أنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، طرحت الولايات المتحدة على الفور خطط توسيع الناتو باتجاه الشرق، تحت لافتة خطة المشاركة من اجل السلام ليتطور الأمر خلال سنوات قليلة إلى دعوة دول وسط وشرق أوروبا للانضمام إلى الناتو كأعضاء، وكان هذا هو محور تركيز النشاط الأمريكي في وسط وشرق أوروبا، بينما تركز اهتمام الاتحاد الأوروبي على تأهيل الدول الأكثر تطورا من الناحية الاقتصادية في وسط أوروبا (التشيك والمجر) وشرقها (بولندا) للانضمام إلى الاتحاد.

وكان المبرر الأكثر شيوعا لضم دول وسط وشرق أوروبا هو تأمينها ضد خطر التوسع الروسي المحتمل في حالة استعادة موسكو لعافيتها، بالنظر إلى التاريخ المرير لشعوب تلك الدول مع موجات التوسع الروسي، كما كان الهدف الثاني المعلن هو إقامة علاقات تعاقدية بين هذه الدول تدرأ أخطار الصدام فيما بينها في المستقبل، نظرا للخلافات الحدودية القديمة والامتدادات العرقية التي يمكن أن تمثل خميرة لإحياء النزاعات القديمة.

بينما كان البولنديون والتشيك مثلا يلتزمون الصمت بحكمة حول مخاوفهم القديمة تجاه ألمانيا التي عانوا الأمرين من حملاتها التوسعية.. كذلك كان الكتاب السياسيون الأمريكيون يصمتون عن هذا الجانب من دوافع حلفائهم الجدد.

إلا أن الأمر الأكثر خطورة - والذي قلما لاحظه أو أشار إليه أحد من المراقبين - هو حقيقة أن توسيع الناتو بقدر ما كان سلاحا أمريكيا - وأوروبيا - لحصار روسيا من جهة الغرب، فإنه كان أيضا سلاحا أمريكيا لحصار أوروبا من جهة الشرق!! وللتغلغل فيها، وفتح طرق جديدة للهيمنة عليها، وممارسة الضغوط الأمريكية ضدها حينما يلزم الأمر.

ذلك أن النخب السياسية والاقتصادية في دول وسط وشرق أوروبا مرتبطة بالولاء العميق للولايات المتحدة منذ فترة العمل على إسقاط الشيوعية وطرد النفوذ السوفيتي من تلك البلدان، ولا نبالغ إذا اعتبرنا أن كثيرين من عناصر هذه النخب مرتبطة مباشرة بأجهزة المخابرات الأمريكية التي كان - ولا يزال - لديها نشاط واسع للغاية في تلك البلدان.. ولا نبالغ أيضا إذا توقعنا أن بين هؤلاء ليس عناصر اليمين فقط بل وأيضا عناصر من الأحزاب الشيوعية السابقة (الاشتراكية حاليا) فقد كان الاختراق الأمريكي (والصهيوني) ولا يزال عميقا للغاية في تلك البلدان، وبانضمام تلك البلدان إلى الناتو فإن التغلغل الأمريكي يتسع نطاقه ويمتد عميقا في الجيوش وقياداتها العسكرية أيضا.

ولدى تلك الدول بنية أساسية عسكرية ممتازة موروثة عن العهد السوفييتي وحلف وارسو، لكنها بحاجة إلى تغيير كامل لتسليحها ومعداتها لتكون متوافقة مع تسليح ومعدات الناتو ويقتضي هذا إنفاق مبالغ طائلة، مما يجعل مهمة النهوض باقتصادها بأسرع ما يمكن مهمة ملحة.. وفي هذا إمكانيات هائلة للكسب لصناعة السلاح الأميركية.. ولكن من الذي يقوم بتمويل عملية الانتقال السريع لاقتصادات تلك البلدان؟! إنها أوروبا العجوز! ومن غيرها؟!

ومعروف أن ألمانيا وحدها قدمت نحو ثلث إجمالي المساعدات والقروض التي احتاجتها دول أوروبا الشرقية للانتقال إلى اقتصاد السوق.. ثم تقوم القارة العجوز نفسها بتقديم منح ومساعدات بمليارات الدولارات للدول المرشحة للانضمام قريبا إلى الاتحاد الأوروبي لدفع عملية تطوير اقتصادها!! ثم تقوم القارة العجوز ذاتها - من خلال عضويتها في حلف الناتو بتقديم مساعدات للدول التي تنضم للحلف لتعديل هياكلها العسكرية وتغيير تسليحها ومعداتها!! وكالعادة المتبعة: تدفع أوروبا.. وتسيطر أميركا!! وتصطاد ألف عصفور بحجر واحد اسمه توسيع الناتو شرقا.

وهكذا مثلا يكون مفهوما سبب الغضب الأوروبي الواسع حينما اختارت بولندا أن تشتري لقواتها الجوية مقاتلات إف - 16 الأمريكية وليس أية مقاتلات أوروبية تماثلها أو تتفوق عليها، أو حتى تتخلف عنها قليلا، مثل اليوروفايتر أو الميراج أو التورنادو.. مع أن الأموال في الأصل أوروبية!! وهذا مجرد مثال واحد.

وإذا كانت ألمانيا قد استثمرت أموالا طائلة في أوروبا الشرقية لأنها تعتبرها تاريخيا مجالا لمصالحها الحيوية، وإذا كانت فرنسا بدورها قدمت مساعدات سخية لتلك المنطقة سعيا إلى إدماجها في أوروبا، وإذا كانت هاتان الدولتان أكبر ممولين لميزانية الاتحاد الأوروبي ومساعداته، فإننا نستطيع أن نتفهم الشعور بالغبن والخديعة الذي يسيطر على هاتين الدولتين بصورة خاصة، نتيجة للموقف المنحاز بصورة عمياء من جانب تلك الدول العشر للولايات المتحدة.

غير أن أميركا قد تنجح في شق شرق ووسط القارة عن غربها، وإبطاء مسيرة الوحدة الأوروبية، إذا لم تثب الدول العشر الصغيرة إلى رشدها.. وإلا فإن شعوب تلك الدول ستكون أكبر الخاسرين.) إ.هـ

وكخلاصة لموضوع بولندا نستطيع القول أنها وعلى الرغم من ضعفها الواضح وفقرها فقد تكون أكثر الدول استعدادا للبقاء في العراق خاصة وأنها لن تتعرض سوى لخسائر بشرية وهو ما لا قيمة كبيرة له إلا في حال انسحاب بعض الدول الغربية فحينها من الممكن أن تعود الروح الوطنية ويواجه الرئيس البولندي بعض الصعوبات ، ولكن يبقى احتمال انسحابها من العراق ضعيفا.

 

 

كلمة أخيرة لك أيها المجاهد

إليك يا أخي الحبيب أوجه هذه الكلمات ولكم كنت أتمنى والله أن أكون معك لأشاركك طعامك وشرابك وجهادك وتضحيتك لهذا الدين العظيم.

إليك يا أخي يا من لم تستطع عشرات السنين من ظلم البعث وقهره أن تنسيك حبك لله وللرسول وشعورك بالواجب تجاه هذا الدين وتجاه المستضعفين في الأرض ، لم تستطع معاول الهدم أن تنال من كرامتك وإن كانت قد كبتتها دهرا طويلا ، فها هي كرامة العربي تعود مع جبهاتكم العالية وأعمالكم الجهادية الفذة.

إنكم اليوم أيها المجاهدون على أحد أعظم الثغور وفي واحد من أعظم جهادات هذا العصر ، إن المجاهدين في فلسطين وأفغانستان يعولون عليكم الكثير فلا تخذلوهم ولا تنفضوا يدكم من البيعة مع رسول الله ...بيعة جاءت عبر الزمن تذكرنا ببيعة العقبة بل ببيعة الرضوان ...فبايعوا كما بايع أجدادُكُم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بيعة الموت

نعم بايعوا على الموت مقابل الجنة

بايعوا على الموت توهب لكم الحياة

وطلقوا الدنيا تأتيكم راغمة

واذكروا الله كثيرا تتنزل عليكم سحائب مغفرته وجند رحمته ونصره

وإياكم والاختلاف... إياكم والفرقة... إياكم والخيانة

ثم إياكم إياكم وحمل السلاح على بعضكم

إن حق المسلم على إخوانه عظيم وحرمة دمه أعظم من حرمة بيت الله العتيق ، ولا يبيح دم المسلم بدعة أو معصية فلينتبه كل واحد أن تزل قدمه في طريق الجهاد أو يسيطر الشيطان على نفس أحدنا الأمارة بالسوء

أعود فأذكركم إخوتي الأحبة إياكم ونزع يدكم عن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا تجعلونا نؤتى من قِبلكم ولا تجعلوا مصيبتنا في تفريطكم وتخاذلكم

صححوا النية كل يوم وتوبوا إلى الله في السحر وناجوا ربنا في الثلث الأخير من الليل وتضرعوا له وابتهلوا إليه واسألوه سبحانه النصر والتمكين والمغفرة عن الذنوب أجمعين

واعلموا أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة بالدين ، وأن النصر كان دائما قرين الصبر وأن التوفيق مع الإخلاص.

إن كل ما سبق من كلام ومن جهد قد بذل هو قطرة في مقابل ما يتوجب عليكم أيها المجاهدون الأبطال من عمل وتضحية ، وعليكم أنتم فقط بعد اليقين بتيسير الله وتأييده يقع واجب تحويل هذا الكلام وهذه الآمال التي تعيشها الأمة إلى واقع حقيقي معاش يجلب لأمتنا الخير والتمكين ويكون نقطة التحول العظيم في مجرى الحياة على هذه الأرض المسكينة التي تئن من الكفر والظلم والاستكبار ، وليس فيما أقول مبالغة أبدا....فجدوا السير أيها المجاهدون وأحيوا ليلكم بذكر الله والتضرع إليه سبحانه وأكرموا أنفسكم بالتزام سنة نبيه قولا فعلا ، وفقكم الله سبحانه لنصرة دينة ومرضاته والحمد لله رب العالمين.

 

الإهداء........................................................................2

قبل البدء......................................................................3

كلمة البداية...................................................................4

حقائق في الواقع الدولي.........................................................6

الواقع الحالي للعراق والجهاد....................................................11

الاحتلال

انهيار الدولة ومؤسساتها

الانفلات الأمني

الحرية النسبية

دخول العلمانيين

اليهود

تعاظم النفوذ الشيعي وقدرتهم التنظيمية العالية وقوتهم المالية

بدء ظهور الحزب الإسلامي بقوة

تشتت المقومة العراقية

قوة ضربات المقاومة

تمركز العمليات في القطاع السني العربي رغم توسعها

الخطة الأمريكية الحالية.........................................................14

شروط نجاح القوات الأمريكية.................................................18

نقاط أساسية في منهج المقاومة ومطالبها وتحركاتها................................28

أبرز حلفاء أمريكا في عدوانها على العراق.....................................33

بريطانيا

إسبانيا

بولندا

كلمة أخيرة لك أيها المجاهد...................................................51

 

 

يجب معرفة القدرة الحقيقية لدينا ما هو الواقع والممكن والمستحيل.

 

http://aa.1asphost.com/iraq/book.doc

 

 

 

 



[1] كُتبت مسودة هذا البحث في شهر أيلول ولكن لم يقدر لها الظهور إلا الآن والله المستعان ، وقد تمت محاولة لاستدراك النقص في المتابعة الزمنية وتعديل الأرقام ولكن كان إنجاز ذلك كاملا صعبا للغاية ، لذا لزم التنويه لذلك.

كما أنه ليسرنا أن توقعاتنا أصابت حقيقة ما جرى بدقة كبيرة بل أحيانا بشكل حرفي فلله الحمد والمنة.

[2] يجب التنويه إلى أمرين هامين في قصة إبليس ،الأول أن كفر إبليس ما كان كفر جحود لله من حيث كونه تعالى الخالق والرازق والدليل قوله تعالى على لسان إبليس (بعزتك لأغوينهم أجمعين) فأقسم إبليسُ بعزة الله تعالى، والأمر الثاني أن أصل معصية إبليس هو الاستكبار والذي هو والله أعلم أصل الشرور في نفس الإنسان وأعظمها حتى إننا نجد تحذير رسول الله (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) [مسلم: 131].

[3] رغم أنه قد فتح مجالا كبيرا لبعض ممارسات الدعوة الإسلامية في سنوات حكمه الأخيرة من خلال ما سمي بالحملة الإيمانية ، فسبحان من ييسر الأمور لنصر دينه حيث ألهم صدام (سواء كان قد تاب أو لا) أن يفسح المجال نسبيا للدعوة الإسلامية فكان للمسلمين فترة لالتقاط الأنفاس ولنشر المحبة للدين والتعاطف الديني ولو بأشكال بسيطة ، ثم جاء هذا الاحتلال ليفتح المجال لبناء جيل الدعوة والجهاد ، فالحمد لله أولا وأخيرا.

[4] وهذه الخيارات هي

الحكومة العميلة الضعيفة (نموذج أفغانستان) : والتي ستكون حكومة هشة

الانسحاب دون أي ترتيب مما قد يؤدي لحرب أهلية (نموذج لبنان) بحيث تخرج القوات الأمريكية دون أن تترك خلفها أي نظام حكم ولو ورقيا ، وهذا الخيار سيكون سيئا على الجميع وخاصة الشعب العراقي وسيسبب عدم استقرار للمنطقة كلها وسيعطي فرصة للأكراد لبناء دولتهم المرجوة والتي ستسعى تركيا لإحباطها.

الانتخابات السريعة من دون تهيئة لأي كرزاي

الانفصال (وهو غير مرجح)

العودة إلى الخليج بقوة وإدارة حرب بالنيابة هناك (وهذا هو أخطر الخيارات).

[5] وتحدثت الأرقام بعد ذلك عن 420 مليار دولار.

[6] في عام 2001 كانت الحكومة تتوقع تحقيق فائض إجمالي في الميزانية يبلغ 5.6 تريليونات دولار على عشر سنوات.

[7] كانت تقديرات البيت الأبيض قبل عام أن يكون النمو بنسبة 3.8% في عام 2003.

[8] هذا هو الشرط الثاني لنجاح المشروع الأمريكي.

[9] تواجه المعارضة البريطانية والإسبانية معضلة ضخمة تتمثل في غياب الوجوه السياسية القوية في المعارضة ، وهذا الأمر يعزز من فرص بقاء القيادات الحالية رغم كل ما تواجهه من معضلات شائكة. من مثل انخفاض شعبية بلير والتي وصلت في الفترة الأخيرة إلى 37 بالمئة.

 

[10] باستثناء موضوع الصحراء المغربية حيث هناك إجماع تقريبا على تأييد جبهة البوليساريو ضد المغرب ، بل هناك احتضان شعبي لهذه القضية ، حيث في الصيف يتم استقبال أطفال من هناك ليمضوا عطلتهم مع العائلات الإسبانية ، ويقدر عددهم بحوالي خمسة آلاف طفل.

[11] تم الاستفادة في هذا القسم من مقال هام موجود في موقع وزارة الخارجية الفلسطينية بعنوان (انتهازية اليمين السياسي) أخذنا منه ما وجدنا فيه الفائدة لموضوعنا.

[12] إلى أن جاء البابا الحالي يوحنا بولس الثاني وبرأهم من دم المسيح عليه الصلاة والسلام.

[13] وإن كان من الملاحظ أن اليسار الإسباني وخاصة أقصى اليسار والشيوعيين يقفون بقوة مع الفلسطينيين ضد الموقف اليهودي.

[14] تم الاستفادة من موقع السفارة البولندية في مصر.