Middle East Transparent

30 نوفمبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

حوار مع د. سيد البحراوي

حقبة النفط أسهمت في إيجاد الأزمة النقدية العربية

نعيش زمن المسلسلات التلفزيونية

 

حوار:سامح سامي

"لم تعد الرواية العربية الحداثية في حاجة لتبرير، قسماتها الرئيسية بدأت تتضح وكتاباتها تترسخ بما يوحي بأن الرواية التقليدية كلاسيكية أو نيوكلاسيكية- قد وصلت بالفعل إلى نهاية طريقها هذا هو بالدقة رأي الناقد المصري إدوار الخراط خلال ملتقى الرواية المصرية المغربية. وهذا الرأي أثار جدلا في الأوساط الأدبية المصرية، لأنه يقول باضمحلال الرواية التقليدية التي تعود عليها القارئ ليحل محلها الرواية الحديثة التي هي بطبيعتها صعبة الفهم ولا يقرأها إلا المتخصصون. وبها أساليب وتقنيات حداثية لم يألفها القارئ المصري.

 

اتجهت للدكتور سيد البحراوي أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، والناقد المصري المعروف بآرائه المتزنة للبت في القضايا الأدبية المطروحة. قابلته في مكتبه بجامعة القاهرة، المكتب الذي ينتمي إليه الدكتور طه حسين وجابر عصفور وسهير القلماوي ونصر حامد ابوزيد وشوقي ضيف. ناقد صغير السن بالنسبة لباقي النقّاد المحتلين للساحة الأدبية في مصر، ولكنه يمتلك أدوات نقدية عالية الجودة، قارئ نهم للآداب الأوربية، رغم اختلافي معه في رأيه حول العولمة وخطورة تأثير الغرب على النقد العربي إلا انه من النقاد المصريين الذين يمتلكون وزنا نقديا، صعب أن تجده وسط زحام المقالات النقدية الآن.

 

*ذكر الناقد الدكتور عبد القادر القط في كتابه "الأدب المصري المعاصر" أن أزمة النقد هي الخلط بين المفاهيم والأذواق والغايات... فهل صحيح أن أزمة النقد تكمن في هذه العناصر الثلاثة فقط؟

**توجد مشكلة تكمن وراء هذه العناصر التي ذكرها الدكتور عبد القادر القط وترجع المشكلة في تقديري إلى التبعية السلبية للنموذج الغربي بصفة عامة وفي مجال النقد بصفة خاصة من جانب بعض النقاد المصريين. بمعنى أن نقدنا الحديث والمعاصر تعودا أن يتابعا باستمرار "الموضات" النقدية التي ينتجها الغرب دون أن ينتبه الناقد إلى أن هذه المناهج النقدية هي نتاج لحركة أدبية ثقافية فلسفية ظهرت في مراحل معينة في تاريخ المجتمع الغربي، لا يمكن لنا تطبيقها على ظروف زمان ومكان المجتمع العربي.

 

وخطورة هذه التبعية أنها تؤدي إلى خلط "المفاهيم" أي نقل الأشياء على ما هي عليه دون تفسيرها وبالتالي يحدث تضارب في المفاهيم. هذه التبعية تؤدي أيضاً إلى أننا لا ننتج مدارس نقدية واضحة متميزة وهذا معناه أن المسألة متروكة لذوق الناقد واختياراته الفردية وبالتالي يمكن أن تتحكم فيه الأذواق.

 

والخطورة أيضاً في هذا أننا لا نعمل في مجال النقد بمعرفة علمية وتترك المسألة للمصالح الشخصية وبالتالي تختلط الغايات ومن هنا يصبح المحك الذي يحكم الناقد ليس القيمة العلمية والأدبية، وإنما مدى تحقيقه لمصالح أخرى يمكن أن تكون مصالح "شللية" وأشياء من هذا القبيل. وبالتالي فهناك أزمة تكمن وراء هذه العناصر التي ذكرها الدكتور عبد القادر القط. يمكن أن نضيف إليها مشاكل أخرى لا تقل أهمية مثل أن حجم المساحة المتاحة للنقد في الصحف والتليفزيون محدودة جداً، ومشكلة أخرى هي أن النقاد الأكاديميين تركوا مهامهم النقدية من أجل السعي وراء لقمة العيش بالذهاب لدول الخليج. ومشكلة ثالثة هي أن الصحافة الخليجية نفسها استقطبت عدداً من النقاد والكتاب يكتبون فيها بشرط أن تكون الكتابة كلام فارغ لا قيمة له نقدياً. وأصبح المستوى النقدي الذي ينشر في الصحف مستوى متدنياً لجميع هذه الأسباب السابق ذكرها.

 

*سألت الناقد محمود أمين العالم وكذلك الناقد إدوار الخراط:لماذا لا توجد نظرية عربية في النقد الأدبي؟ فقالا لي لماذا هذه النظرة الضيقة للنقد، فالنقد ليس به مثل هذه النظرات العنصرية. وهذا الرأي يختلف مع ما تقول، حيث تقول أنت بأن هناك نموذجت غربيّاً للنقد، وهما يقولا عكس ذلك؟

 

**لو أن النقد وصل لأن يكون علماً وهذا هو المسعى الممتد منذ قرنين من الزمان لسلّمنا بأقوال الناقدين محمود أمين العالم وإدوار الخراط، لأن العلم عالمي فعلاً حيث لا توجد نظريات كيمائية فرنسية وأخرى إنكليزية وثالثة عربية. فالنظريات واحدة في كل أنحاء العالم. وهذا لا ينطبق على النقد لأنه لم يصل حتى الآن إلى درجة العلم، فباب الاجتهاد مازال موجوداً وقوياً. فهناك النقد الفرنسي الجديد وهناك نظرية التأويلية التي تزدهر الآن بشدة في ألمانيا، وبالتالي نستطيع أن نقول إن هناك إسهامات من الشعوب المختلفة في مجال واحد هو مجال النقد الأدبي، كل إسهام من هذه الإسهامات يحمل طابع الخصوصية للمجتمع التابع لهذا الإسهام ويحمل أيضاً فلسفة وظروف المجتمع الخاص به.

 

ونحن لا نريد نظرية عربية خالصة للنقد، وإنما نريد إسهامات فاعلة عربية في النقد العالمي وتنطلق هذه الإسهامات من الوعي بخصوصية الإبداع العربي والوعي باحتياجات المبدع العربي والمتلقي العربي.

 

*وكيف يتأتى هذا الإسهام العربي في النقد الأدبي العالمي؟

**يتأتى ذلك عن طريق إدراك الناقد أنه تابع فيكف عن التبعية، ويبدأ في التوغل داخل مجتمعه، وأن يعرف قيمه الإبداعيةن وأن يدرس الإبداع العربي ذاته وما يحمله من خصائص تميزه عن غيره، وأن يستفيد بعد ذلك من كل ما يحصل عليه من معارف ومعلومات ومناهج وأن يكون لديه منهج وأن يكون له قدر من الاستقلال يؤهله لأن يكون له دور في مجال النقد الأدبي العربي.

 

النقد الأيديولوجي

*النقد الأدبي في مصر يتهم بأنه ذو توجه أيديولوجي، ما تعليقك؟

 

**وما المانع فلابد لأن يكون لكل إنسان فلسفة في الحياة. هذه الفلسفة تحكم توجهاته وبالتالي فالناقد بالتحديد لابد أن يكون ذا فلسفة وأن يكون واعياً لهذه الفلسفة وأن يكون قادراً على أن ينتج من هذه الفلسفة منهجاً نقدياً فاعلاً مع النصوص الأدبية بشرط ألا تطغي هذه الفلسفة على خصوصية الإبداع، وأن يكون الناقد موضوعياً دون أن يفرض توجهاته على النص الأدبي، فينبغي أن يكون محايداً.

 

إلى أي مدرسة نقدية تنتمي؟

 

**انتمي إلى مدرسة النقد الماركسي، لكن مع تطويرها لإنجاز منهج جديد يدعى منهج "محتوى الشكل" بمعنى أنه المنهج الذي لا يركز على الشكل ولا يركز على المحتوى، وإنما يركز على محتوى الشكل أي التركيز على القيم الفنية والجمالية والأيديولوجية الكامنة في تشكيل العمل الأدبي. وبهذا التصور أتجاوز مشكلات المنهج المضموني والمناهج الشكلية مثل البنيوية والأسلوبية التي كانت تركز فقط على التقنيات الشكلية. وأنا أرى أن خصوصية العمل الأدبي تكمن في القيم التي يحملها محتوى الشكل.

 

*سألت الدكتور صلاح فضل في حوار معه هل فعلاً أن الأدب العربي الآن يتجه نحو الواقعية فقال إن الرومانسية لم ولن تختفي من الأدب العربي فما تعليقك؟ رغم أن الدكتور القط أكد أن الرومانسية تختفي من الأدب العربي!!

 

**أعتقد أننا في مرحلة من مراحل الأدب العربي لا ينطبق عليها مصطلحات مثل الواقعية والرومانسية بمعنى أن هناك عناصر متشابكة من الواقعية باتجاهاتها المختلفة مثل الواقعية النقدية والواقعية السحرية والأسطورية مع الرومانسية. أي عناصر كثيرة جداً متداخلة مع بعضها البعض لتشكل مرحلة انتقالية من مراحل الأدب العربي. وكلام الدكتور الراحل القط يمكن أن ينطبق على ما أنتجه جيل الستينيات بالتحديد في الرواية. ولكن ما نراه الآن لا ينطبق عليه مصطلح الواقعية وبالتالي فالتعميم هنا ليس دقيقاً.

 

*هل يمكن أن يطلق عليه مصطلح الحداثة؟

 

**لا يمكن أن اسميه أيضاً مصطلح حداثة، لأن الكلام الآن فارغ، لأن من يتأمل مصطلح الحداثة يجده عبارة عن اتجاهات في الأدب الأوربي متعلقة بظروف هذه المجتمعات وهذه الظروف مغايرة للظروف التي نعيشها والتي ينطبق عليها بالتحديد مصطلح "ما قبل الحداثة".

فالحداثة بالنسبة لي هي "الاتجاهات الفكرية والفنية والإبداعية التي أنتجها المجتمع الرأسمالي الغربي"، ونحن ليس مجتمعاً رأسمالياً. نحاول أن نكون ولكن لا نستطيع وبالتالي فنحن في مرحلة ما قبل الحداثة وما ننتجه هو عبارة عن تناقضات ما قبل الحداثة أي يوجد شعارات حديثة مع شعارات قديمة نركبها فوق بعضها البعض. كل هذا ارتباكات ما قبل الحداثة وليس الحداثة أو ما بعد الحداثة.

 

*وهل هذا الزمن زمن رواية؟

 

**هذا زمن المسلسل التليفزيوني.

 

*هل ترى من المفيد نشر الأدب العربي على شبكة الانترنت؟

 

**شبكة الإنترنت شكل من أشكال النشر وكلما وسعنا من دلائل النشر كان ذلك مفيداً للإبداع ولكن شبكة الإنترنت وسيلة تفيد وتخدم فقط من يملكون كمبيوتر وهم لا يزالون قلة في المجتمع العربي وبالتالي سيظل الكتاب هو الوسيلة الأكثر انتشاراً.

*

البعض علل ذلك بأنه سيضر الكتاب ومستقبله.

 

**أتضح حتى الآن أن شبكة الإنترنت ساعدت على زيادة مبيعات الكتب عن طريق الإعلانات وعن طريق تعميم إرسال الكتب بالمراسلة الإلكترونية. لكن هل سيستمر الأمر على هذا المنوال؟ لا أستطيع الحسم في ذلك وإن كانت هناك مؤشرات تقول إن عادات القراءة تفضل الكتاب ولا تفضل الجلوس أمام جهاز الكمبيوتر خاصة قراءة الأدب وبالتالي فالكتاب لا يزال له أهمية بالإضافة إلي قيمته التاريخية.

 

*بمناسبة التطرق الحديث إلى شبكة الإنترنت هل ترى أن للعولمة تأثيراً على الأدب العربي مثلما لها تأثير على الاقتصاد؟

**طبعاً للعولمة تأثير. فالعولمة هي فرض النموذج الغربي الذي يسمي بالعالمي على كافة البشر وفي كافة المجالات بما فيها الأدب. هذا النموذج هو أساساً النموذج الأمريكي الذي يريد أن ينفي أي خصوصية لأي ثقافة. وهذا خطر كبير لأن معناه نفي لأدبية الأدب الذي لابد أن يكون بالضرورة إبداعاً ممثلاً لصاحبه. فإذا جعلت كل البشر نسخة واحدة متشابهين فلن يكون هناك إبداع متميز وبالتالي فالعولمة ضد الأدب وضد الفن وضد الثقافة الحقيقية، مثلما هي ضد الاقتصادات الوطنية والمجتمعات بشكل عام.

 

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع