18  نوفمبر 2006

 

 

  

 

 

الثورة الجنسية: نداء إلى تطور دون تهور

د. إقبال الغربي

 

 

شهد أول أيام عيد الفطر المبارك في مصر أحداثاً سلوكية غريبة. إذ أصيبت مجموعات من الشبان في القاهرة بنوبة من "السعار الجنسي" أو ثورة جنسية كما وصفها الإعلام المحلي و الدولي. فقد أخذت هذه الحشود  تهجم على أي سيدة أو فتاة تسير في الشارع، سواء كانت محجبة أو غير محجبة، منقبة أو سافرة الوجه، صغيرة أو كبيرة، ويتحرشون بها ويلمسون جسدها بطريقة استفزازية، ووصل الأمر إلى خلع الملابس ومحاولات اغتصاب علنية بل و حالات اغتصاب جماعية على قارعة الطريق. والملفت للانتباه هو أن الأمر لم يتوقف عند حدود واقعة وحيدة، بل تكرر على مدى يومين على الأقل، بنفس المجموعات الشبابية الرعناء التي لا يدري المرء إن كانت قد تشكلت عفوياً، أو أن هناك من حركها، لتمضي كالقطعان وسط القاهرة، وتهتف بعبارات قبيحة، وتتحرش بالإناث بوقاحة منقطعة النظير وسط سلبية رسمية وشعبية غريبة.

 

وقبل هذه الأحداث كان الشارع العربي يعيش صدمة قضية الاختطاف والاغتصاب الجماعي لفتاة القطيف، في المملكة السعودية التي تطبق الشريعة وتحترم تعاليمها، بعد أن عانى العديد من صدمات قصة برجس و فتيات حي النهضة في هذا البلد. و ا بد من أن نُذكّر بالقضايا الجنسية والأخلاقية العجيبة التي تعج بها جرائدنا اليومية من المحيط إلى الخليج، ولا بد أن نؤكد أن هذه الانحرافات موجودة على حد السواء في البلدان التي تبنت الحداثة وفي البلدان الغارقة في العتاقة. إذ تتجاور صفحات صدى المحاكم التي تعج بالانتهاكات الجنسية مع الصفحات الدينية و الوعظ الإسلامي. و من المشروع أن نتساءل عن أسباب وعن علل هذه الظواهر التي أصبحت متفشية عندنا من  كلام بذيء وعنف وعدوانية وجرائم جنسية ضد النساء  واغتصاب الرجال واعتداءات جنسية ضد الأطفال، وحتى ضد الحيوانات.  ولا نتكلم هنا عن النحر والإنتحار الذي أصبح خبزنا اليومي.

 

و إذا كان التفسير العلمي الحديث يعتمد على السببية المتعددة العوامل للظاهرة أي أن كل ظاهرة هي مركبة ومعقدة ولها أسباب متعددة: اقتصادية واجتماعية،  سياسية ونفسية،  فان الكبت الجنسي والفصل بين الجنسين واعتبار جسد المرأة "تابو" مرغوبا ومرهوبا في نفس الوقت من العوامل التي تلعب بلا شك دورا هاما في انتشار هذه الظواهر المرضية.

 

 ويبدو أن تفاقم مظاهر التدين الشكلية  من انتشار الحجاب والنقاب وتعميم الاستماع إلى القران الكريم في المحلات التجارية وسيارات الأجرة، والفوضى الجنسية المتفشية، أصبحا  اليوم نقيضين متلازمين وقطبين لوضع اجتماعي واحد يميزان المجتمعات العربية الإسلامية  المتصدعة وأخلاقها المنافقة حتى التقزز: تديّن عصابي من جهة، وفجور لا يقل عنه عصابية من جهة أخرى!

 

لا بد لنا أن نقر أن مجتمعاتنا العربية الإسلامية تصنع، من خلال لعبة القمع و المحظورات من كل الأنواع وأساليب الاستغلال والسيطرة المختلفة، الكبت بأنواعه.  كما أنها لا تكف عن إنتاج الكدر الإنساني ورعايته، ولا سيما هذا البؤس الجنسي  الذي نشاهد تجلياته من خلال عودة المكبوت الانفعالي في شكل تدفقات عدوانية أو هوس ديني. هذا الهوس الديني الذي يمجد الألم والخنوع ويحقر اللذة ومباهج الحياة ويعظم التضحية وغريزة الموت.

 

فلا شك أن قمع الجسد والتفنن في آليات تجريمه وتأثيم أفعاله ورغباته من خلال فتاوى رفض الفن الموسيقى والسينما والاختلاط والتبرج المحتشم والعطور الخ،  ينتج نماذج منحرفة وغير سوية.  فاحتقان الرغبة والبؤس الجنسي يلتقيان مع قمع الفكر وهدر الطاقات. والكل يؤسس للتسلط والهيمنة والرقابة على الأرواح والأجساد والأفكار. والأرضية التي تنتج هياكل الاستبداد وتعيد إنتاجها هي القمع الجنسي  الذي يتم في إطار تربية أسرية قائمة على التذنيب والتأثيم وعبادة الشخصية التي تكيف الطفل للعب دور المنفذ السلبي للأوامر والنواهي الفوقية وغير المبررة.  والإيديولوجيا غير عقلانية التي  تنتج الخضوع المازوشي للشيوخ والرؤساء المدفوع حتى التضحية، وبشكل ملازم له الموقف السادي تجاه من هم أدنى والمخالفين من كل الأنواع والذي يصل إلى حد الإبادة .

 

خيارنا الوحيد في هذا العصر الذي تجتاحه ثورة جنسية لا تصد ولا ترد هو إما تطور دون تهور أي تحرر عاطفي مدروس ومتوازن نسمح به نحن ونخطط له وننفذه بأيدينا عبر العائلة والمدرسة ووسائل إعلامنا، وإما أن نستقيل بجبن أمام ديكتاتورية تجارة الجنس الخلاعي تاركين أطفالنا فريسة سهلة لمد خارجي أعمى يختلط فيه الحابل بالنابل، وترتيل القرآن في المآذن مع صراخ العذارى المغتصبات على قارعة الطريق!

 

منطقيا ليس أمام مجتمعاتنا العربية الإسلامية إلا واحد من خيارين حاسمين: إما التسلح بالشجاعة والسماح للشباب بإقامة علاقات صداقة وود وانسجام عاطفي وفكري في وضح النهار  بلا خوف ولا كبت ولا تأثيم،  وإما التسمر في الثوابت وانتهاج سياسات النعامة وترك فلذات أكبادنا لقمة سائغة لفضائيات الدعارة وللحركات الجهادية التي تتلاعب بحرمانهم العاطفي وباحباطاتهم. ولعل إعادة الاعتبار لزواج المتعة المعتمد لدى إخواننا الشيعة والذي نصح به المصلح الديني الأستاذ جمال البنا حل لمشاكل شبابنا  الذي هو اليوم ضحية تمطط فترة الدراسة والبطالة و تأخر سن الزواج.

 

إن النضال ضد اللاعقلانية والفوضى الجنسية المتفشية عندنا لن يكون نضالا سياسيا أو إيديولوجيا أو مجرد إجراءات أمنية غبية، بل انه جهد تربوي من اجل أن يستعيد الإنسان حركة الحياة وفق مصادرها الثلاث الحب و العمل و المعرفة.

 

اليوم الاستراتيجيا الوحيدة والكفيلة لمساعدة أطفالنا وتسليح وعي الأجيال الصاعدة بمخاطر الفوضى الجنسية الداهمة هي تبني نمط حياة عقلاني يعتمد على المبادئ التالية-

1)   الغذاء المتوازن:

لقد بينت ثورة البيوكيميا أن الإنسان وحدة بيولوجية –نفسية-اجتماعية  متكاملة و متفاعلة إذا أصيب فيها بعد واحد تأثرت له سائر الأبعاد و تداعت له بالسهر و الحمى. على سبيل المثال نقص الفيتامين ب1 يسبب تدهور الذكاء و نقص المغنيزيوم يولد الانهيار العصبي...

 

2)   ممارسة الرياضة:

تعزز الرياضة الصحة النفسية لأنها تخلص الجسم من المسممات المضرة و من العدوانية التي تدمر الفرد من الداخل.

 

3)   لفظنة  LA VERBALISATION المشاعر الكظيمة:

من الضروري أن يفسح المجال لكي يعبر المرء عما يقبله وعما يرفضه تحت رقابة الوعي. حرية التعبير هذه تساعد على اكتساب الثقة في النفس وعلى تأكيد الذات في وجه ما ومن يريد نفيها. اللفظنة أي التواصل السليم مع الآخر تساعدنا أيضا على تجاوز الانطواء على الذات الذي يكرس المونولوج و الاجترار الذهني. انطلاق اللسان بما يتلجلج في الجنان خير ترياق ضد التوتر والإرهاق النفسي لأنها تصعد الدوافع من اللاوعي إلى الوعي. فيرتقي الفرد من الارتكاس REFLEXE العنيف إلى التروي العقلاني ومن إنتاج الانفعالات والهوامات إلى إنتاج الأفكار والتصورات.

 

4)   الإشباع العاطفي و الجنسي:

الإشباع العاطفي- أي أن يحبنا الآخر و يقبلنا كما نحن لا كما يريدنا أن نكون - يكون لدينا مناعة عاطفية تعزز ثقتنا بأنفسنا و تشعرنا بالأمن و الأمان. بينما إذا أعيقت تطلعات الليبدو[ الشهوة الغرامية أو الشبق] إلى الإشباع تتحول هذه الأخيرة إلى سلوكيات عدوانية سادية. فالميول الطبيعية التي يقع إعاقة مسارها لا تتلاشي بل تبقى حية في اللاشعور وتظل مستمرة في نموها ولكن بطرقة غير سوية. فيتحول ضحية الحرمان العاطفي إلى بركان ويصاب  بما أسماه النفساني الألماني ولهام رايش"الطاعون العاطفي". فيصبح معاديا لكل من يخالف نظامه الأخلاقي الصارم مكفرا لكل من يحقق ذاته ويحميها من مصادرة الآخرين لها. فتراه كما يقول النفساني الألماني، مهووساً بالجلد والرجم والقمع والسجن للنساء والرجال الذين لم يقتلوا فيهم غرائز الحياة ولم تصب منهم غريزة الموت مقتلاً. والمصاب بالطاعون العاطفي  حتى و إن حقق بعض مكبوتاته الجنسية المحرمة فهو يحققها بهوس عصابي وتحت وطأة شعور ساحق بالذنب والعار من نفسه. لهذا السبب نراه يلجا في محاولة يائسة للتكفير اللاشعوري عن ذنوبه إلى المطالبة برجم الزناة. أما إذا لم ينتهك هذا الأخير أي تابو فهو سيكون أيضا عنيفا ومتشنجا ضد الآخر المختلف وذلك لا بدافع الغيرة على الأخلاق الحميدة بل بدافع الغيرة من ذلك الذي وجد الشجاعة التي خانته لممارسة رغباته الدفينة و انتهاك الأوامر و النواهي. 

 

5)   التسامي:

لا يمكن للإنسان أن يحيا إلا إذا كان له سبب للحياة. وتمثل المعرفة والثقافة عاملاً أساسياً في تكوين سبب للحياة والاحتفاظ به. التسامي هو تحويل الطاقة الجنسية التي لا يمكن تحقيقها دون مخاطر، نحو هدف ثقافي واجتماعي وهو هو مبادلة الهدف الجنسي الأصلي الذي التربية الأبوية بهدف اجتماعي بديل. لان كبت الدوافع أي عدم تحقيقها وعدم تصعيدها في نفس الوقت يقتضي بذل طاقة هائلة ومستمرة من زاوية الاقتصاد النفسي ترهق الفرد الذي يخوض حربا أهلية ضد ذاته – بينما يشكل التصعيد تحريرا هائلا للطاقة التي يقع توظيفها فيما بعد في نشاطات ثقافية واجتماعية عديدة ومفيدة . وهذا هو التسامي.

اللجوء إلى التسامي هو مخرج يخلص الفرد من التوتر الناجم عن الاحتقان الشبقي . فهو ليس خيارا واعيا نلجأ إليه بل اضطرارا لاواعيا ولا مناص منه. انه بديل عن السقوط في العصاب أو في الجنون لأن الإفراط في كبت غرائز الحياة يفضي إلى العصاب وهو ما يجعل الحياة رتيبة مملة لا إبداع فيها و لا مغامرة و لا انتهاكات...

كما أن رفع جميع الكوابح التي تعيق التحقيق المباشر والفوري للدوافع يفضي إلى الجنون لان الجنون تعريفا هو تداخل مبدأ اللذة مع مبدأ الواقع حيث يصبح الواقع الموضوعي صدى للواقع النفسي للتخيلات المنفلتة من عقال العقل.

تربيتنا اليوم عليها أن تدعم لدى أطفالنا الأنا والوعي العقلاني لكي يحافظ على وحدة الشخصية وسلامتها ولكي لا تسقط لا في الانحرافات الجنسية ولا في  الميكروفاشية. 

ahikbal@yahoo.fr

 

* جامعية تونسية

 

 للتعليق على الموضوع