3 أبريل 2007

 

 

 

 

        

نحو تناغم بين المواطنة والهوية

د. إقبال الغربي

 

تشغل قضية الأقليات جزءا كبيرا من اهتمام الرأي العام العالمي باعتبارها إحدى القضايا المحورية التي تجمع في إطارها العديد من الهموم والمحن المعاصرة .

 

ونذكر أن قضية الأقليات قد طرحت بطريقة جادة و تأججت في الفترات الأخيرة بسبب خمس عوامل رئيسية وهي:

 

1) تحرر أوروبا الشرقية من الهيمنة الروسية و بروز الصراعات القومية و التوترات الاثنية في العديد من بلدان المعسكر الشرقي.

 

2) ظهور تكتلات إقليمية مثل الاتحاد الأوروبي الذي يحمل في طياته  فكرة تثبيت مواطنة أوروبية عابرة للقوميات تضع مفهوم المواطنة التقليدية موضع شك و تشكيك  و نضع مراتبية جديدة للو لاءات والانتماءات .

 

3) حركات الهجرة الواسعة المدى الاختيارية أو القسرية و انتقال العمالة من قطر إلى قطر  بل و من قارة إلى قارة سواء كانت شرعية أو غير شرعية  . و قد هذه الظاهرة إلى تحول بعض المجتمعات العريقة إلى مجتمعات متعددة الثقافات  كما بين ذلك الكاتب الفرنسي دومنيك شابير  في كتابه ما "هي المواطنة" . كما نتج عنها مطالبة متزايدة بالاعتراف بالحقوق الثقافية و معارك ضارية للدفاع عن الهوية مثل معارك الحجاب في أوروبا و ردود فعل معاكسة مثل وعد المرشح الفرنسي ساركوزي بإقامة وزارة "الهجرة و الهوية الوطنية" إذا انتخب رئيسا.

 

4) آثار العولمة كمسار تاريخي فرض على البشرية معايير دولية جديدة و تحولات بنيوية لا عهد لها بها . كما  زعزعت  العولمة الرؤى  التقليدية لمفاهيم عديدة مثل  الوطن و المواطنة و الدولة - الأمة  و أبرزت الحاجة إلى صياغات جديدة لهذه المصطلحات التقليدية .

 

5) بروز المد الإسلامي السياسي الذي نفض الغبار عن مفاهيم فقهية بدائية  مثل أحكام أهل الذمة العنصرية و مفهوم الأمة الإسلامية و الهوية الإسلامية و تطبيق الشريعة . و قد أعادت   الحركات الاسلاموية الاعتبار إلى  التمييزات الجوهرانية التي تميز القراءة الرجعية للإسلام وهي :

- التفاوت بين المرأة و الرجل

- التفاوت بين المسلم و غير المسلم 

- التفاوت  بين الحر و العبد.

 

إذا بدأنا بتحديد المفاهيم  نرى أن  المواطن هو ذات قانونية أي مجردة  عليه جملة من الواجبات يمكن حصرها في مبدأ الطاعة أي طاعة القانون العام و المجرد و له جملة من الحقوق السياسية يمكن حصرها في مبدأ المقاومة أي مقاومة استبداد السلطة السياسية أو الدينية  إذا انتهكت هذه السلطة الحقوق الأساسية لهذه الذات القانونية أي الحقوق الطبيعية أو ما يسمى اليوم بحقوق الإنسان . هذه الحقوق التي تمثل عقدا اجتماعيا جديدا يضمن التعايش بين الأفراد و يضبط علاقة هؤلاء بالسلطة  وهي اليوم تجسد خطا احمر لا يجوز لأية سلطة مهما كانت قداستها أن تتخطاه . و قد أصبحت اليوم حقوق الإنسان مطلبا ملحا لحل مشكلة  الاستبداد و كذلك لتجاوز مشكلة الأقليات . ذلك انه ليس من باب الصدفة أن قضية الأقليات لا تطرح اليوم إلا في ظل الأنظمة المستبدة حيث وضع الأقليات الدينية اللغوية و الاثنية مأساوي :فهي غالبا ما تكون ضحية ظلم مضاعف : ظلم الأنظمة الجائرة  وظلم الأغلبية المقهورة التي تبحث عن كبش فداء تسقط عليه  أحقادها و احباطاتها وتحملها جرائر التوترات الاجتماعية و السياسية  التي تعاني منها  .

 أما بخصوص تحديد المفاهيم فالهوية هي، كما حددها عالم الانتروبولوجيا لفي شتراوس، مجموع السمات المشتركة التي يتعرف بها مجموعة من الأفراد و يتعارفون بها .

 يبدو إذن أن هناك تعارض و تقابل بين الهوية و المواطنة حيث أن المواطنة تتجاوز سمات الهوية و تتعالى عن كل الخصوصيات العرقية و الدينية. لكن هذا التناقض الظاهري يفسر حاليا بغياب المواطنة و سيطرة الطغيان و الاستبداد في عالمنا. فالانغلاق على الهوية هو غالبا ما يكون ملاذا وملجئا عندما تتعثر معايير الانتماء و تتوتر آليات الإدماج و الانصهار داخل الوطن الواحد.

  كما يبدو من خلال المقاربات المختلفة ان الهوية مفهوم مركب و معقد و متعدد الأبعاد و متشابك العناصر  كما تبين ذلك الدراسات السيكولوجية و الانثروبولوجية .

فقد أثبتت مدرسة جنيف أن الهوية لا تبنى و لا تتطور إلا في ظل التفاعلات الاجتماعية و في إطار الصراعات المعرفية التي تتغذى من الاختلاف و الغيرية . و يشهد عل ذلك ثراء الحضارة الإسلامية و تنوعها بفضل إسهام الأقليات المسيحية و اليهودية و الفارسية و الصابئة و السريانية و الكردية . إذن  الآخر هذا الأنا  الذي ليس الأنا و المكمل للانا  هو طرفا حيويا في حياتنا  وهو ليس مجرد وسيلة لتحقيق رغباتنا و أهواءنا بل له الحق في أن يكون  إنسانا مستقلا عنا  و عن وصايتنا الأبوية .

  كما بين التحليل النفسي  أن اكتشاف الذات و الوعي بها يمر حتما بتجربة التعايش مع الآخر المختلف  . فخلال طور المرآة الذي يمثل مرحلة مؤسسة و مهيكلة لشخصية الطفل  و الذي درسه كل من فالون و لاكان يلعب الطفل أمام المرآة بالصورة التي تتشكل عليها و عندما يدرك أن هذه الصورة هي له فانه يتأمل مفتونا تلك الصورة  و يلتفت دائما و في كل الحالات إلى الأم أي إلى الآخر   لينتزع منها اعترافا أن هذه الصورة  المنعكسة على المرآة هي صورته هو و لكي يطمئن على وحدته الجسدية و الذاتية و تدعم بالتالي لديه مفهوم الهوية .

ففي غياب الآخر المرهوب و المرغوب في آن واحد يتحول كل منا إلى وحش هذا إذا استطاع ضمان بقائه. ذلك أن الإنسانية هي اكتساب  ثقافي و علائقي وليست مجرد ارث بيولوجي أو معطى لاهوتي .

هذه المقاربة للهوية تنسف الرؤى الانطوائية والنرجسية التي تضع المسلم في تناحر مع  المسيحي والمحلي في تعارض مع الكوني  و القومي في تناقض مع الأجنبي .

 

و في هذا الإطار , تبين لنا الأبحاث الانثروبولوجية أن إن الهوية تمر بمرحلتين  أساسيتين:

 

في المرحلة الأولى يكتسب الطفل هوية خلال مرحلة التنشئة الاجتماعية  بفضل الامتثالية أي من خلال استبطان و تشرب معارف و قيم و رموز المجموعة التي ينتمي إليها  و التجانس معها . و لكن في مرحلة ثانية و راقية تبنى هوية الفرد بفضل الابتعاد النسبي عن معايير القبيلة و العشيرة و بفضل اعتناق قيم نقدية و تبني ضوابط خاصة بكل استقلالية و تميز و تفرد.و هكذا تصبح الو لاءات والقيم اختيارا فرديا و مسئولا و ليس مجرد التزاما وراثيا.  

 

هذه الأبعاد المرنة للهوية هي نقيض هوس النقاء و الصفاء و الطهارة و الانغلاق على الذات الذي  يفتح هوة سحيقة بين الأنا "النقية " والمتورمة وبين الآخر المشيطن . ويبدو أن هذا الهوس  و هذا الإدراك السلبي للآخر هو المسؤول عن التنكيل والقهر الذي يقع على الأقليات الدينية و العرقية في ديار الإسلام .

هذه الخطابات التي تمجد التماثل و التجانس وتنبذ الاختلاف و تقهر الآخر و تسعى إلى استئصاله و إبادته الجسدية والرمزية  تعتقد وهما أنها مقياس الخير و الشر و الإيمان و الكفر  . فثقافة الإجماع العشائرية الملازمة للمشاريع التقليدية و الكليانية تخشى الاختلاف وترفض كل مختلف  قبطيا كان أو كرديا أو سريانيا أو امزيغيا .

و لا بد أن نقر أن هذا الخطاب الاقصائي يعكس بنية نفسية عصابية تكلست فيها غرائز الحياة وأعيقت منابعها الثلاث: المحبة والمعرفة والإبداع .

هذه البنية النفسانية التي تغذي اللاعقلانية و الهذيانات الجماعية تسحق الأفراد وتهدد بإغراق العالم في وهمها الدموي الذي يدمر إنسانية الإنسان نفسها

 

إن البلسم الشافي والترياق ضد هذه الأخطار هو إعادة تأهيل المواطن في عالمنا  و إشاعة ثقافة المواطنة و حقوق الإنسان لجميع المواطنين دون قيد أو شرط و بقطع النظر عن الجنس و الدين و الطائفة القومية عبر الإعلام و التعليم و الخطاب الديني التنويري المعادي لكل أنواع العنصرية و التعصب  و ذلك في إطار وطن لا يكون مجرد حيز جغرافي بل مجموعة مصالح مشتركة :

- تشبع حاجة الفرد إلى الأمن و الأمان التي تعزز إرادة العيش المشترك.

 - تنمي لديه القدرة على الانجاز في ضل مجتمع الجدارة الذي يغلب الكفاءات على الو لاءات

- تغذي مطلبه التواصلي مع الآخر و التناغم معه

ahikbal@yahoo.fr

 

*مداخلة في مؤتمر زوريخ للدفاع عن حقوق الأقليات و المرأة في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا.

 

للتعلبق على الموضوع