9 أبريل 2005

قرار حكيم و لكن...

د. إقبال الغربي

 

 

ألغى الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولى العهد السعودي، بقرار ملكي ،الحكم الصادر من قبل المحكمة الشرعية الابتدائية بحق الدكتور حمزة المزيني أستاذ اللسانيات في جامعة الملك سعود و القاضي بمنعه من الكتابة و سجنه أربعة أشهر  و جلده 280 جلدة.

و كانت ھﺫه المحكمة قد أصدرت ا الحكم القروسطي على الجامعي حمزة المزيني بناء على دعوى الحسبة التي رفعها ضده زميل له في الجامعة اختلف معه في قضية دور الجامعة في نشر الإسلام.

و على اثر صدور القرار الملكي الحكيم بإلغاء الحكم قامت وزارة الثقافة و الإعلام بتعميميه على جميع وسائل الإعلام المرئية و السمعية و المكتوبة. ويعني إلغاء الحكم عدم تمكين المحاكم الشرعية من صلاحية القضاء في مسائل الفكر.

إن سيف دعاوي الحسبة و تهم الردة لا تزال  سيفا مسلولا على أعناق المثقفين الأحرار في ديار الإسلام . وهي انعكاس لثقافة التوحد التي قامت على وحدة الملة وحدة اللغة و وحدة الدين و وحدة المصير من جهة واستهجان المختلف و تهميشه من جهة أخرى . و المختلف عندنا هو ببساطة كل من لم يكن مسلم مثلنا. و رغم أن العلاقات بين المسلمين و الغير مسلمين لم تكن ثابتة بل متغير ة حسب المكان و الزمان و خاضعة لمستلزمات السياسة و الدين و موازين القوى إلا انه من الثابت أن الإسلام يقسم البشر من منظور ديني محض مسلم مقابل كافر. و رغم أن الناس في الكفر ملة واحدة كما قرر الفقهاء إلا أن هناك تقسيمات درجات و استراتيجيات تعامل  متعددة .  ﻟﺫلك نرى أن   موقف الإسلام مع المغاير المختلف في الديانة كتابيا كان أو مجوسيا كان مزدوجا أي انه اقر حرية العقيدة من جهة و أسس مسافة و مجموعة من العلامات تفصل بين المسلم و اﻟﺫمي من جهة أخرى إلا أن موقف المجموعة من الآخر الذي اختار بإرادته أن ينشق وان يخالف الجماعة كان أكثر وضوحا و  حسما . فالمغاير سواء كان ملحدا أو مرتدا جزاءه القتل إذا جاهر بكفره أو بردته.لماﺫا؟ لان المختلف يشكل خطرا على البناء الاجتماعي فهو يساءل الضمير الجمعي و يزرع الشك ويزعزع المسلمات و اليقينيات  . المغاير عندنا يلوث نقاوتنا و يهدد صفاءنا فهو تارة الفيروس و تارة السرطان الذي ينخر جسد الأمة و يدنس طهارتها. هده الأمة التي توحدت  بصفة توهميه و لاشعورية  مع صورة الأمة و تماثلت بحرمتها في المخيال الإسلامي .

يقول الشيخ القرضاوي ضمن مداخلته " الحرية الدينية في شريعة الإسلام" التي ألقاها في مؤتمر قطر للحوار الإسلامي المسيحي في ماي 2004 :"الحرية التي يرفضها الإسلام هي الحرية التي تحرف الإسلام و حرية الانسلاخ من أحكام الشريعة وخاصة الحرية التي تهدد المجتمع في نظامه و أساس بنائه وهي حرية الردة المتعدية وهي التي يدعو صاحبها إليها  و تكون جماعة لها خط غير خط المجتمع و هدف غير هدف المجتمع . لان اشد ما يواجه المسلم من الأخطار هو ما يهدد وجوده المعنوي أي ما يهدد عقيدته. فالردة ليست مجرد جريمة فردية و ليست مجرد رأي يختاره المسلم بدل رأي آخر."

إن المنظومة الحقوقية الكونية التي تقر المساواة بين الجميع و توزع الحقوق و الواجبات على أساس المواطنة لا غير بغض النظر عن الانتماء الديني أو المذهبي أو الجنسي أو السياسي تلخص مسيرة البشرية من الطبيعي إلى الثقافي من الهمجي إلى الحضاري. وهو ما يجعل فكرة إرساء آليات و مؤسسات مستقلة  تدافع عن المثقفين و المبدعين و تدعم حرية الفكر و الشك و التشكيك و الاختلاف مطلبا إنسانيا و حضاريا .

إن قضايا الفكر و الإبداع ليست قضايا دينية  بل هي قضايا حقوقية بحتة و يجب أن تعامل طبقا للمواثيق الدولية التي تضمن حرية التعبير و التفكير لأنه كما كتب الفيلسوف الشهيد محمود محمد طه:" ليس هناك رجل من الكمال بحيث يؤمن على حريات الآخرين فضمان الحرية هو دوام سهر كل فرد عليها ."

 

 

للتعليق على هذا الموضوع