Middle East Transparent

28 أبريل 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

د. اقبال الغربي - جامعة الزيتونة - تونس

 

"ستار أكادمي" و "على الهواء" ما هي الأسباب و التداعيات

 

يقسم الفيلسوف الاطالي أمبزتو إيكو تاريخ التلفزة، ويصنّف المراحل التي مرت بها الى ثلاث فترات :

 

1) مرحلة التلفزة التقليدية

2) مرحلة التلفزة الجديدة

3) مرحلة ما بعد التلفزة

 

خلال المرحلة الأولى التى حددها هذا الفيلسوف، والتى تواصلت حتى بداية الثمانينات، كان لا يٌدعى الى الظهور على الشاشة الفضية إلا نخبة القوم أي الشخصيات اللامعة من ذوي الكفاءات المعترف بها من مفكرين ومحللين سياسيين وفنانين مشهورين وأبطال رياضيين .

 

اما في المرحلة الثانية من تاريخها فقد أصبحت التلفزة أكثر "ديمقراطية"، عندما أتاحت المسابقات التلفزية الفرصة للرجل العادي للظهور على شاشتها، والمشاركة والفوز بجوائز وبمبالغ خيالية إن صادفه الحظ.

ֹ

في المرحلة الحالية، و مع ظهور المنوّعات الواقعية على غرار "ستار أكادمي" و "على الهواء سوا"، تغيرت ماهية هده المؤسسة نوعيا. فقد اتضح اليوم أن صناعة المشهد قد استنفذت جميع امكانياتها المبدعة واختزلت إنتاجها فى مجرد موضات ثقافية و فنية سمجة سرعان ما تظهر لتختفي من جديد. فهده النوعية من البرامج والتي تنعت بـ"تلفزة الواقع"، تمكّن المركب الاعلامي الثقافي من منتوج مستعجل ومرتجل، متدني النفقات ومرتفع المرابيح والايرادات. لإعطاء فكرة عن ذلك، يكفي ذكر انه في مصر وحدها بلغ عدد الإتصالات التي تلقاها برنامج "ستار أكادمي" في حلقته الاخيرة 32 مليونا و 175 ألف إتصال. وقد فاقت الإتصالات به في مجموع كل الحلقات نصف مليار، وهو ما وفر لمنتجيه مبالغ مالية ضخمة قد تكشف عن حجمها الأيام القادمة. ولا يخفى على أحد أن هذه المنوعات الواقعية لا تتطلب إستثمارات هامة كتلك التي يتطلبها انتاج فيلم تلفزي او سينمائي مثلاً. إذ لا تحتاج هذه النوعية من البرامج الا لمنزل فخم مقطوع من العالم الخارجي، وبضعة مراهقين مسجونين داخله، معزولين عن محيطهم الطبيعي والاجتماعي، يُحرم عليهم متابعة البرامج التلفزية و الإذاعية وقراءة الجرائد والمجلات اليومية والالكترونية عبر الانترنيت.

 

و في هدا الصدد من حقنا ان نتساءل عن تداعيات هده البرامج التي تشجع بطريقة غير مباشرة الشباب على الابتعاد عن قضايا الشأن العام، عوض أن تنمي فيهمم الشعور بالمواطنة و بالانتماء.

ּ

و تعتمد هذه الفرجة التلفزية على متابعة الأحداث اليومية التي تقع لهذه المجموعة الاصطناعية التي يقع تصويرها على مدى 24 ساعة بفضل عشرات الكاميرات الموزعة في كامل أركان المنزل .

 

في هده الحالة، وعندما يزول الفرق بين الواقع والخيال التلفزي ويتلاشى الفن و الإبداع، يتحول الواقع البسيط واليومي إلى منوّعة تلفزية. عندئذ يصبح بإمكان أي مشارك أن يرتقي من مرتبة المشاهد السلبي إلى مرتبة النجم اللامع الذي يستقطب أنظار الملايين، وأن يتحوّل بين عشية و ضحاها إلى شخصية هامة تلعب أدواراَ رئيسية ضمن مسلسل ترفيهي يومي على غرار أبطال الروايات و الافلام الشهيرة التي كان يعجب بهم و يتماهى معهم.ּ

 

السؤال المطروح هو لمادا يتسمّر المشاهد العربى من المحيط إلى الخليج أمام هده البرامج و يدمن على مشاهدتها! كيف استطاعت هذه النوعية من البرامج فى وقت قياسي وفي رقعة بث محدودة أن تحظى بمتابعة واسعة! فقد هرع مئات الأفراد في مظاهرات ضخمة متجهين الى مطار تونس قرطاج لاستقبال المشارك التونسى في "ستار اكادمي"!

ما هي الوظائف التي تؤديها هده المنوعات التي تبث السطحية والرداءة المعمّمة عبر الأقمار الصناعية ؟

 

تشبع هذه البرامج عدة حاجات و تلبي عدة رغبات ندكر منها :

 

1) الرغبة التسلطية

كما نعلم، "متعة التسلط"، أي الرغبة في السيطرة على الاخرين وتطويعهم وإخضاع إرادتهم لإرادتنا المطلقة، هي رغبة متأصلة في أعماق الفرد. إذ نلاحظها حتى لدى الاطفال الذين يسعون إلى السيطرة على من هو أصغر وأضعف منهم. هذه الآلية المتحكمة في كل الحياة العربية والقابعة فى أعماقنا، تتجسّد من خلال "تلفزة الواقع"، و تجد متنفساً لها . فالمتفرج الذي فقد كل سيطرة على حياته الاجتماعية، لأن المشاكل غدت اليوم واسعة ومعقدة جدا تعالجها مؤسسات بعيدة ومجرّدة، مؤسسات إقتصادية واجتماعية وأحيانا منظمات دولية، ينتابه شعور لذيذ بأن بيده سلطة وأنه قادر، عبر التصويت ، على تقرير مصير الشخصيات المتسابقة. وطبعا يرضي هذا الوهم بأنه لا يزال مخيرّاً لا مسيراً، ساديته وجنون عظمته.

 

2) الرغبة في انتهاك الممنوعات و المحرمات

من اهم الأوامر والنواهي التي تشربناها في مرحلة الطفولة: النهي عن التلصص على الغير، والنهي عن استعراض الجسد و كل ما هو خصوصي أمام الاخرين. فالحياة الشخصية تعتبر من المحرمات التي لا يجوز الخوض فيها امام الأغراب. و بما ان أحب شيء الى الفرد هو ما مُنع و ما حُرّم، تتلاعب هده البرامج بهده المكبوتات وتقدم للمتفرج، وأيضا للمشارك، تسوية مقبولة بين تحقيق الرغبة الدفينة في التلصص على خصوصيات الغير واستعراض الحميمية، وبين مستلزمات الضوابط الاجتماعية .

 

3) الرغبة في الشفافية و النزاهة

تستهوي هده المنوعات حيث تسود الشفافية المطلقة المتفرج العربي الدي ضاق ذرعاّ بـ"إعلام الرتابة و الرقابة" على حد تعبير المفكر العفيف الأخضر. هذا الاعلام الدي يعطي الأولوية لرضا النخبة الحاكمة على رضا الجمهور والذي يشيع الكذب المنظم علي مدى السنة دون كلل او ملل و يذيع البرامج البائتة التي تسجل ثم يؤجل بثها الى ما بعد مرورها بمختبر الرقابة لتعقيمها، بينما توهم هذه البرامج المتفرج أنه شاهد عيان علي الوقائع وعلى الأحداث وﺃن ما يشاهده لم يخضع لأي تزوير او تشويه او تلفيق .

 

الجدير بالذكر هو ﺃن هذه البرامج أصبحت محل جدل طويل في الشرق و الغرب. البعض يناهضها لاعتبارات أخلاقية صارمة، والبعض الآخر، كالعديد من الجمعيات الحقوقية و البيئية، ترى فيها خطرا على الحريات الفردية. فهي من جهة تشيّئ الفرد وتصادر حياته الحميمية، التي تمثل جوهر ﺇنسانيته ، و تستحوذ على أخص جزئياتها وتحوّلها الى بضاعة في المشهد الاعلامي، ٌتباع و تٌشترى مقابل سويعات من الشهرة و النجومية. وهي، من جهة أخرى، تهيّئ المشاهدين وجدانياً، وتكيّفهم نفسانياُ، لقبول مبدﺃ المراقبة المعمّمة في جميع الأماكن والفضاءات. وهو السيناريو- الكابوس الدى تنبّأ به الروائي جورج أورويل في كتابه الشهير "1984 "، عندما دمّر "الأخ الأكبر " كل هامش للحرية والاستقلالية و الإبداع و لعله من المصادفات ذات الدلالة أن يكون إسم منوعة الواقع التي تم إيقافها من طرف قناة "إم بي سي" هو "الأخ الأكبر".