27 أبريل 2005

 

الصيف والحجاب وشاطئ البحر...

مداخل نفسية لفهم المشروع التوتاليتاري.

د.إقبال الغربي

 

ذكرت الصحف الإيرانية أن قائد شرطة طهران أعلن شن الحملة الموسمية التي تتزامن مع اقتراب فصل الصيف ضد النساء اللواتي لا يلتزمن بارتداء الحجاب بشكل تام . و أعلن المسئول أن عمل الشرطة هو محاربة كل من تعتبرهن أجهزة الأمن نماذج لعارضات الأزياء بل و أضاف قائد الشرطة أن 30 بالمائة من المكالمات التي يتلقاها جهاز السلطة في طهران تتعلق بشكاوي يقدمها مواطنون عاديون ضد نساء يرتدين الحجاب بشكل غير لائق!!

في السعودية أوقفت هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر السيئة الذكر٬الأربعاء الفارط٬ الشاب الفائز في مسابقة " ستار اكادمي "هشام عبد الرحمان بتهمة الإخلال بالأخلاق الحميدة لأنه تبادل التحية و القبلات مع مجموعة شباب من الجنسين التفوا حوله لتهنئته في مركز تجاري في العاصمة الرياض و لم يطلق سراحه إلا بعد أن تدخل مسئول كبير لفائدته.

في غزة أعدمت مجموعة اسلاموية خطيبان كانوا يتنزهون على شاطئ غزة برفقة أقارب لان مشهد فتاة تمشي مع خطيبها أثار حفيظتهم وهم يعتبرونه جريمة من البداهة أنها لا تحتاج إلى برهان ولا إلى دليل و لهدا السبب قاموا بدور المجرم والقاضي والجلاد في آن واحد.

عندما نبحث عن الخيط الناظم بين هده الأحداث المبعثرة التي تزاحم المأساة فيها الملهاة و نحاول إدراك العلاقات بينها نجد المنطق التوتالتاري المشئوم .فهي أعمال تنطوي بالقوة انطواء البدرة على النبتة على نمط حكم و تسيير المجتمعات الشمولية.

ولعله من المفيد أن نستقرا تاريخ الظاهرة التوتاليتارية عامة و أن نفكك آلياتها لفهمها و لمقاومتها .

يستند المشروع التوتاليتاري الاسلاموي على المقومات التالية:

 

1- تزوير التاريخ و تصفية الذاكرة الجماعية و إعادة كتابة التراث و صنع إسلام مضاد للإسلام.

و تصبو هده التقنية الإيديولوجية إلى هدفين أساسيين: أولا٬ تكييف الذاكرة الجمعية المعاصرة مع متطلبات الحركات السياسية الاسلاموية لإعادة صياغة الوعي الإسلامي و ﻨﻤﺫجة المخيال الثقافي و ﺇختزاله في رأيا نرجسية معقمة و مبسطة لتاريخنا الثري و المعقد حتى وان أدى ﺫلك إلى إنكار وقائع تاريخية معروفة وردت في كتب التراث و إلغائها جملة و تفصيلا.ثانيا٬ يمثل الماضي أو التاريخ حسب ولتر بنيامين "اﻟﺫرة المشاعرية التي تمكننا من تقييم الحاضر تقييما صحيحا". أي أننا بدون ماض نفتقد إلى مرجع هام يحول لنا مقارنة الواقع السائد و الاحتجاج عليه.و هنا يقف التاريخ موقف سياسي من الوضع القائم و يتجاوز الوعي العام و التجربة العادية و يصبح شاهدا عليهم و يفتح بدلك أفق التغيير و التحرر.و بالتالي يمكننا أن نستبق و أن نؤكد أن المشروع المنهجي و المفصل للتوتاليتارية هو في نهاية المطاف تدمير الفرد لان أي فرد دون ماض يصبح مضغة سهلة يمكن تركيعه وتطويعه و تنميطه من أي طرف كان. فالتوتالترية تعريفا هي تذويب الفرد في الأمة لجعله نسخة مطابقة الأصل منها ينطق بلسانها و ويفكر بدماغها لا بنفسه.

 

2- سحق الفرد كفرد .

يتميز المشروع التوتاليتاري بفتح باب الاضطهاد على مصراعيه لكل أفراد الشعب دون استثناء بشكل مستقل عن الخصوصيات الطائفية أو الطبقية .فهو يعادي كل ما يمكن أن يشهد سواء في المشاعر الإنسانية أو في الفن أو في اللغة أن شيئا ما يمكنه تكذيب ادعاءاته الشمولية أو زعزعة الأوهام المطمئنة التي يعتمد عليها.المشروع التوتاليتاري يطارد كل نزعة فردية لأنها مرتبطة حتما بالبشري٬ بالحسي٬ بالثقافي و أيضا بالرغبة و المتعة. لماا? لان تعطيل ﮬﺬه النزعات تثبت الفرد و تجمده في حالة طفلانوية لامتناهية و في مراحل جنسية ما قبل اوديبية و تجعله ينخرط في الأطوار الفمية و السادية المازوشية للإثارة الجنسية. وهي أطوار تتلاءم مع وضعيات الفتنة و التماهي و مع علاقات الطاعة و التبعية و الخضوع المازوشي التي تنسج مع الزعيم و مع القائد.ﺫا القائد الذي ينتصب في موقع مثال الأنا و يلعب دور الأب الاجتماعي و يلبي رغبة عتيقة تسكن أعماق الإنسان من المهد إلى اللحد وهي الرغبة في نيل حب و حماية أب ودود و قوي .

 

3- هاجس الطهارة و النقاء وجنون التطهير.

يؤجج مشروع توتاليتاري هاجس الهوية بمفهومها السطحي و البدائي أي الهوية المنغلقة على ذاتها و المتناقضة مع الآخر.لدلك نراه يؤكد و يطالب بوحدانية الدين ٬ بوحدانية اللغة المقدسة٬ بوحدانية الكتاب٬ بوحدانية الأمة التي هي خير امة أخرجت للناس .و يؤدي هاجس الوحدة و التوحد إلى معاداة و محاولة نفي و في بعض الحالات إلى إبادة كل ما و من يهدد هدا الوهم و يكذب هده الادعاءات الهلوسية .لماا? لأنه يعرض المجموعة إلى الخطر٬ خطر الشك ٬ خطر زعزعة اليقينيات ٬خطر الانقسام ٬ خطر التلوث .ومن المفيد أن نذكر أن الوهم في التحليل النفسي ليس الإدراك المخلوط للحقيقة بل هو تحقيق لرغبة لاشعورية و تعويض ﻟﺫﻴ لحقيقة مريرة. يقول فرويد:" نسمي وهما معتقدا ما عندما يكون تحقيق الرغبة عاملا أساسيا باعثا له ."فالمختلف عرقيا أو دينيا أو جنسيا والمثقف النقدي والعلوم الحديثة و كل السلوكيات الدخيلة تعاش توهميا كعناصر ملوثة مسمومة تهدد بكارة و نقاء جسد الأمة التي تماثلت في اللاوعي الجمعي مع جسد الأم الطاهرة .وهو ما يفسر رفض الإسلاميين لحق الاختلاف و لحقوق الأقليات الدينية و العرقية و الجنسية وهو رفض يؤدي إلى" ﺃسلمة" العلوم والمعارف و المكتبات و مطاردة المفكرين الأحرار و بعث محاكم التفتيش من قبورها و يصل في بعض الحالات إلى حد التصفية الجسدية. أما على المستوى العملي فتوظف مطاردة الشك و فرض يقينيات الحق المطلق و الباطل المطلق في إعطاء مشروعية لتصديق كل الفتاوى و لتنفيذ كل الأوامر الهاية دون أي شعور بالقلق.

 

4- تأجيج الميكروفاشية و تغذيتها.

يعرف المحلل النفساني ولهالم رايخ " الميكروفاشية" بكونها:" مجموع ردود الفعل الانفعالية اللاعقلانية للإنسان المتوسط المضطهد من طرف الحضارة الاستبدادية التي أعاقت حركة الحياة الطبيعية عبر مصادرها الثلاثة: الحب و العمل الخلاق

والمعرفة العقلانية."

يعتمد المشروع التوتاليتاري على إثارة أكثر الانفعالات بدائية مثل: الدم٬ الأرض٬ العرق ٬الصفاء ٬ مجموعة الانتماء

كراهية الآخر٬ متعة التحكم ٬الخ...لدلك نراه يقدس الأمة- المجموعة التي تتماثل في اللاوعي مع صورة الأم البدائية . وهي صورة مزدوجة تشكل في آن واحد غلافا حاميا و ملجأ فردوسيا من جهة و قوة شيطانية مفترسة و خاصية من جهة أخرى. و تستخدم هده الصورة كمرتكز لعبادة الأرض- الأم٬ الدين- الأم و الأمة الأم. وضمن هدا البناء ألهوامي تحتل هده الصور الوجود نفسه و تدور حولها كتلة صاخبة ومتجانسة و متماثلة تقول عن نفسها أنها أخوية بأخوة دين أسطورية.و يقع إسقاط و استبعاد كل ما هو سيئ و رديء على الآخر الكافر و الطفيلي الذي يتماهى مع صورة الأب الاستبدادي و الخاصي .

ولان المجتمع التوتاليتاري مسكون بعقدة الاضطهاد وهو ما يجعله يعتقد أن" كل شيء في الدنيا خالطه الفساد" وهو أيضا ما يجعله يرى المتآمرين يحاصرونه من كل حدب و صوب فهو يفرز بالضرورة حالة مرضية من الوشاية المعممة. و تعكس الوشاية المعممة رغبة سادية في التسلط على الآخر و إلحاق الأذى به و ذلك بدافع الغيرة منه لا الغيرة على الأخلاق الحميدة و النظام السائد. نعم !هي غيرة لا شعورية أو نصف شعورية من ذلك الذي وجد الشجاعة التي خانت الأغلبية لممارسة رغباتهم الدفينة أو في التصدي للسلطة السائدة.

 

من وجهة نظر جدلية يبدو أن التوتاليتارية٬ التي ترتكز أيضا على البعد النفساني العميق للفرد٬ تنتج إنسانا مشوها يساهم بدوره في تدعيمها و تعزيزها . و لعله من الضروري أن نؤكد أن مقومات المشروع التوتاليتاري تقود إلى غريزة الموت و تعادي طبيعة الحياة فهي تعتمد أساسا على إدانة الحب ٬على الأخلاق القمعية٬ على اضطهاد الثقافة و المثقفين و أن السياسة الحقيقية تبدأ عند النواة الأكثر أولية للضمير الأخلاقي التي تقاوم الكذب و الظلم و تجعلنا لا نسمح أن يتحقق هدا المشروع.

 

للتعليق على هذا الموضوع

 
Date: Thu, 5 May 2005 15:49:49 +0200 
"ABDUL_HAFEZ, Asmaa" <aabdelhafez@EFG-HERMES.com> 
ايه الاافاظ المجعلصة دي يا دكتورة 
الحدث الفردي لا يعم واحنا كمسلمين مطالبين فرديا بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا افضل من 
المشاهد الفاضحة والساخنة والمتكررة في بلاد الحريات اللي كل وحد فيها بيقول (it's not my business )