26 ديسمبر 2005

 

 

المثقف الليبرالي والتعذيب

د. إقبال الغربي

 

 

عندما ندد فلاسفة القرن الثامن عشر من أمثال منتسكيو و بيكاريا و فولتير و هوبز بظاهرة التعذيب كانوا يعارضون تقنية من تقنيات المنظومة الجزائية السائدة في تلك الأزمنة. في ذلك الوقت كان التعذيب يلازم الجريمة و يعادلها إن لم يكن يتجاوزها وحشية. في ذلك الحين كان هذا الداء العضال علنيا و كان له العديد من المؤيدين أمثال مؤلف "الشنق ليس بالعقاب الكافي" الذي اقترح تحطيم المحكوم عليه بواسطة الدولاب ثم جلده حتى الإغماء ثم تعليقه بالسلاسل قبل تركه يموت ببطء من الجوع. بل هناك من نادي   بسحل الضحية  فوق حصير حتى لا يتقشف الرأس فوق البلاط و حيث تفتح بطنه و تستخرج أحشاؤه على عجل حتى تتسنى له رؤية ذلك بعينه وبرميه في النار و حيث يقطع رأسه أخيرا و يشقف جسمه إلى قطع . في تلك الفترة كان التعذيب يجسد العنف الشرعي فهو طقس منظم و مقنن من اجل وصم الضحية و إبراز هيبة السلطة التي تعاقب. فهو لم يكن تجاوزا للعدالة أو تعديا عليها .

أما اليوم فقد أصبح التعذيب ممارسة لاشرعية خارجة عن إطار القانون . فقد الغي الاعتراف العلني بالذنب  في فرنسا لأول مرة سنة 1719 ثم الغي ثانية سنة 1830 بعد إقراره من جديد لفترة وجيزة  و الغي الوصم بالحديد المحمى في انقرترا سنة 1834 . وفي مسيرة البشرية من الهمجية إلى الحضارة و من البربرية إلى الانسنة  تبلور التخفيف من القسوة الجزائية و التلطيف المتزايد للعقوبات. ووقع الإعلان عن ميثاق حقوق الإنسان سنة 1948 و في 1984 اعتمدت الجمعية العامة اتفاقية مناهضة التعذيب و فتحت باب التوقيع عليها والمصادقة عليها و الانضمام إليها. و تنص هذه الوثيقة على عدم جواز تعرض احد للتعذيب أو للمعاملة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة .

و رغم القوانين والدساتير و المعاهدات الدولية لا يزال الجسد الهدف الرئيسي للقمع العقابي في مغلب بقاع العالم و خاصة في بلدان العالم الثالث.

و المخجل حقا هو الاكتشافات الأخيرة حول إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على ممارسة التعذيب في الأقبية السرية داخل معتقلاتها في أفغانستان و قواتنامو  و في انتهاك واضح لاتفاقيات دولية كانت من الموقعين عليها و المتعهدين بحمايتها و تطبيقها . و الأخطر من هذا هو إرسال المتهمين من العرب و المسلمين إلى بلدان لها سجل محزن و مخزي تجاه حقوق الإنسان  للاستفادة من خبرات جلاديها الوحشية في التحقيقات لاستنطاق هؤلاء و الحصول على المعلومات.

و بقدر ما نستنكر هذه الممارسات الوحشية بقدر ما نذكر أن المؤسسات الديمقراطية مجسدة في حرية التعبير أي حرية الإخبار و الاستخبار  و حرية الاستطلاعات و التحقيقات  و عدم السكوت عن المسكوت عنه عن التجاوزات و الانتهاكات و الفضائح هي أول من استنكر هذه الممارسات و ندد بها.   فالميديا العالمية الديمقراطية  هي التي فضحت "أسرار الدولة" و جعلت العار اشد عارا و ذلك بإشاعته و إذاعته بين الناس . وهو ما هو مفقود في بلداننا فنحن نادرا ما نتحدث عن التعذيب و فظاعاته  في اجتماعاتنا في صحفنا و في أعمالنا الثقافية.

 

ما هو التعذيب ?

التعذيب حسب الموسوعة الفرنسية هو" عقاب جسدي مؤلم يتفاقم إلى حد الفظاعة انه ظاهرة صعبة التفسير زادها اتساع خيال الناس و شذوذهم بربرية و وحشية."

و لان التعذيب يكشف عن الجانب اللانساني و الفاشي في أعماق النفس البشرية  فان مقاربته كانت دائما  صعبة و محرجة . فعندما تحدث سارتر و سيمون فاي عن التعذيب و شناعاته في فترة النضال ضد النازية كان التساؤل الرئيسي هو  ما هي درجة مقاومة المثقف و صموده تحت التعذيب في عالم جهنمي لا مكان فيه  للقدرات الفكرية الراقية  . فكان التعذيب بمثابة المحك الذي تقاس به قوة الشخصية و صلابة المبادئ و القناعات .   و بالتالي لم يقع تفكيك هذه الظاهرة نفسانيا و اجتماعيا و فلسفيا.

الأخطر اليوم هو التواطؤ أو التجاهل و السلبية المعممة تجاه هذه الممارسة المقرفة . و هو ما نلاحظه عندما نطردها خارج إطار المفكر فيه بتعلة أنها ممارسة استثنائية  و أحداثا طارئة لا تطيل سوى أقلية أو شرذمة ضالة تهدد الأمن العام و الطمأنينة. إذن فهي تطبق فقط في ظروف انتقالية. أي عندما نتذرع بحالة الحرب على الإرهاب أو بتهديدات الإرهابيين كمبرر للتعذيب.عندئذ يصبح هذا الأخير وسيلة للحصول على معلومات وظيفية يمكننا بفضلها إنقاذ مئات الأبرياء. هنا ينحط المثقف و يجف ضميره الحي و يفقد مروءته إحساسه تجاه الظلم و يتنكر لماهيته و يشوهها. لان المفكر تعريفا هو قوة أخلاقية ضاربة تطرح إشكالية القيم و المبادئ على صناع القرار السياسي و الأمني.

إن كارثة الإرهاب لا يمكنها تبرير فظاعة التعذيب. و في هذا السياق نذكر بالعلاقة الجدلية و الحميمة بين الإرهاب من جهة و إرهاب الدولة من جهة أخرى.  فالخطاب ألاستئصالي يبدأ من شيطنة الآخر و من اعتباره اقل شانا و قيمة. عندئذ يجرد الآخر من صفاته الإنسانية مما يبيح أي عمل ضده . بل   و يصبح مسئولا عما يتعرض إليه  من أهوال و آلام وعذاب و معاناة ٬ فيعفى الضمير من الشعور بالذنب إزاء ما يرتكب من آثام  بحقه و يجفف الحس الأخلاقي تجاهه. و في المقابل يمكن للإرهابي  تبرير اللجوء إلى الأعمال الإرهابية  كوسيلة وحيدة لمواجهة  جلادين لا يرف لهم جفن و لا يستنكفون عن استعمال أكثر  الوسائل وحشية في قمع معارضيهم . . فهو من خلال أعماله يوهم نفسه انه استطاع أن يجبر السلطة على الكشف عن وجهها الحقيقي و أن يجرها إلى ممارسة   العنف الفج الذي يجسد جوهرها.

 يمثل التعذيب اليوم  "قفزة في البربرية لا احد بريء منها "على حد تعبير ادرنو . و لا سبيل للحد من هذه الظاهرة المستشرية في بلداننا و التي تشكل وصمة عار في جبين الإنسانية إلا بتدعيم المجتمع المدني العربي الإسلامي و تجنيده ضدها. ففي بلداننا لم تقم البورجوازية بمهامها التاريخية و لم تلعب دورها في الضغط  من اجل توسيع الحقوق الديمقراطية بل وضعت يدها في يد الحكومات المستبدة و وقفت في صفها لخنق كل نفس تحرري . لذلك على المجتمع المدني أن يلعب هذا الدور التاريخي.

  فالمجتمع المدني  ضروري  اليوم كسلطة مضادة لموازاة الدولة التي هي ميكيافلية بماهيتها و تنفي كل المعايير الأخلاقية نفيا . كما أن الدولة في أوطاننا ميالة إلى التجاوزات  و متغولة  تقايض الأمن و الأمان  بالطاعة العمياء. فتراثنا الثقافي لا يميز بين منطق القرابة و منطق السياسة. فالحاكم عندنا ما زال يتمتع بامتيازات حاكم العصور ما قبل الحديثة . فهو الأب الاجتماعي و الرمزي . و المواطنين هم رعاياه و أبناؤه. لذلك لا يحق أن نتدخل في شانه مع أبنائه حتي و إن سمعنا أصوات الاستجارة و أنين الاستغاثة . فتأديب المخالفين الناكرين للجميل الذين لم يسبحوا بحمده  يبقى من حقوقه و امتيازاته .

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

 

"Abdallah" <jomni@gmx.net> 

Date: Mon، 2 Jan 2006 20:35:34 +0100

   

يا حبذا لو أعطتنا الدكتورة الموقرة أمثلة عن إرهاب الدولة فالكلام النظري لا يسمن ولا يغني من جوع والتعذيب وضحاياه يمارس قريبا من الجامعة الزيتونية التي تدرّس بها، أما عن البورجوازية فمتى كانت حليفة للكادحين والمعذبين حتى تكرس قيم الديمقراطية الحقة ؟