4 يونيو 2005

 

هل يمكننا إلغاء المناهج الدينية من التعليم

د. اقبال الغربي*

 

 

أثار قرار الحكومة الجزائرية القاضي بإلغاء الاختصاصات الدينية من التعليم  هده الاختصاصات التي كانت تعلم التلميذ الجزائري كيفية رجم المرأة الزانية و غسل الموتى  حفيظة العديد من الأطراف من داخل الجزائر و من خارجها. و مند أيام  طالب وزير التربية الكويتي إعادة النظر في  مضمون و محتوى المناهج التعليمية الدينية في الكويت محاولا الإجابة عن التساؤل التالي هل يشجع التعليم الديني على الإرهاب و قد أكد الباحث الدكتور يوسف الزلزلة في تقريره النهائي  أن التعليم الكويتي  يؤكد على أطروحات التكفير و الإقصاء الآخر المختلف .

 

و قد طرحت هده القضية بقوة في المملكة العربية السعودية عندما تبنت مجموعة من الإصلاحيين شعار تعديل المناهج الدينية بشكل جدري. ففي دراسة أنجزها القاضي السابق  عبد العزيز القاسم والكاتب  إبراهيم السكران عن المناهج التعليمية في السعودية  عبر تحليل مضمون مواد الفقه و الحديث و التوحيد انتهيا إلى أنها في بنيتها الفكرية تمرر للطالب كراهية الآخر الغير المسلم بل و غير الوهابي  و تحرض على تكفيره  و تشدد على  عدم تقبل فكرتي  حق الاختلاف و الحوار وهو ما يشكل في نظر الباحثين تربة حاضنة تساعد على نمو التطرف الديني و على تغلغله .

 

و بالنسبة للتعليم الديني في مصر فقد توصل الباحث أنور مغيث في دراسته "المدرسة المصرية تربة خصبة للأصولية" إلى أن التعليم الديني يشجع على التناحر الطائفي.بين الأقباط و المسلمين.

 

كما تناول المفكر شهاب الدمشقي في مقاله " المناهج الدينية لمادا " إشكالية تغليب فكر المذهب السائد في المنظومة التربوية  و إكراه الأقليات المذهبية على تعلم فقه الأكثرية   في التعليم مما يجعل الطالب يعيش فصامية فكرية تدمر توازنه النفسي  فهو في بعض الحالات سني في المدرسة التي تعلمه حب أبي بكر و عمر  و التعبد على فقه أبي حنيفة و الشافعي و شيعي في البيت و الحي و ربما في الحوزة ادا كان يتلقى تعليما دينيا خاصا .

 

إشكالية تعديل مناهج التعليم و تجديدها تطرح نفسها في جميع البلدان المتقدمة.لدلك نرى هده البرامج تخضع للإصلاح و التطوير بشكل

متزايد و متسارع على إيقاع الثورة المعرفية العالمية المعاصرة التي جعلت حجم المعرفة الإنسانية تتضاعف كل 18 شهر . و تسعى المناهج التعليمية في هده البلدان إلى انجاز عدة مهام في مجالات مختلفة و متكاملة . فللمدرسة وظائف  حيوية في العديد من المجالات :

 

في مجال المعرفة و تراكمها.

 

في مجال العمل و الإبداع و تكوين الكوادر و الأخصائيين.

 

في مجال العيش مع الآخرين  و تعلم أدب الاختلاف .

 

في مجال فهم الذات و العلم و الكون. وهو ما دعي إليه  الفيلسوف ادقار موران عندما اقترح فرض ضريبة العشر العبر منهجية أي تخصيص 10 بالمائة من الوقت الدراسي لدراسة العلاقات بين العلوم الصحيحة و الإنسانية و الاجتماعية و للحفر في القضايا المتشعبة التي تطرح نفسها و التي تتيح انطلاقا منها التشعب إلى المناهج  المختلفة و المنفصلة عن بعضها بعض بجدار صيني مثل قضايا  : من نكون ما هو هدا المجتمع  ما هي الحياة   ما هو الكون  الخ ...هده التساؤلات التي تعطينا سببا للحياة .

 

و الوظائف الثقافية للمدرسة هي اليوم م في عصرنا الكوكبي كما سماه المفكر الفرنسي ادقار موران من أهم الوظائف لان العالم المعاصر يسير موضوعيا و بإيقاع متسارع نحو التوحد و التشابك . و هنا تكمن  التحديات الكبرى التي تواجه البشرية اليوم و جوهر هده التحديات تتحدد في الإشكالية التالية : كيف يمكننا صياغة وعي المواطنة المشتركة كهوية متعالية على الخصوصيات الأخرى  ?كيف يمكننا  أن نجعل  من عالمنا الذي هو وطننا الحقيقي   عالما إنسانيا  غير قسري و غير متوحش تصان فيه حقوق الإنسان و تتحقق فيه حرية التعدد و يتحول  فيه الاختلاف إلى ثقافة الحوار و التنافس السلمي و تلاقح الحضارات و الثقافات و إنهاء صراعها .

 

و في هدا الإطار يوضع التعليم الديني كجزء لا يتجزأ من المنظومة التربوية العامة تخضع أهدافه الإجرائية أي ما يقع في الفصل مع التلاميذ و أهدافه النوعية أي سياسة المدرسة أو الكلية الدينية إلى غائيات المشروع الحضاري العام الذي يهدف اليوم إلى إشاعة قيم التسامح و الحوار على صعيد المجتمع و أيضا في مجال العلاقات بين الشعوب .

 

استلهاما لروح العصر من الضروري إصلاح المناهج الدينية و ليس إلغاءها لتواكب و تتطلب مع متطلبات الحقبة و لتقوم بالمهمة المرجوة منها ألا وهي فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه الفقهاء الحنابلة بعد الغزوة الصليبية. الإصلاح الديني المنشود إلا بإعادة النظر إلى الظاهرة الدينية نظرة سوسيولوجية و تاريخية جديدة تعتمد على الأدوات المعرفية الحديثة التي حققت تطورا مذهلا لا عهد للإنسانية به و دلك بإدخال مواد جديدة و أدوات بحث مغايرة مثل مقارنة الأديان و التحليل النفسي الديني و علم الاجتماع الديني . هده العلوم الحديثة تؤكد على وحدة القيم البشرية و كونيتها . فكل البشر يعشقون الفضيلة و الحقيقة و الجمال و يسعون إلى السعادة. تغلغل هده العلوم يساهم في إرساء عقلية منفتحة مرنة تقطع مع عقلية حرب الحضارات و صدامها التي تشكل اليوم عائق أساسي يعطل تأسيس المجتمع الإنساني العالمي المتضامن.

 

اكتشاف وحدة القيم البشرية الجوهرية و كونيتها هي التي جعلت أوروبا تنتقل من عصر محاكم التفتيش إلى التسامح الديني و حرية النقاش و البحث و التساؤل و الشك و التشكيك . نعم استطاعت أوروبا أن تعي  نسبية معتقداتها عندما قارنتها بدين و معتقدات الشعوب الأخرى  و خاصة مع دين و شعائر الهنود الحمر المتشابهة من حيث الجوهر مع الديانة و الطقوس التوحيدية  رغم عدم وجود أية صلة سابقة بينهم و بين سكان باقي المعمورة . ونذكر أن تسلل روح النسبية و المقارنة بين الأديان هي الذي  قلص رويدا رويدا من سلطة الكنيسة و من دغمائيتها  و شكل ضربة موجعة إلى للتعصب الديني التفتيشي  . التسامح هو أساسا النسبية  في إطلاق الأحكام القيمية و الاستنكاف من إدانة الآخرين و لومهم    . و  هكذا شكل اكتشاف العالم الجديد في القرن الخامس عشر  مصدرا للانسنة  التي جسدت بدورها أرضية خصبة للإصلاح الديني في القرن السادس عشر و للحداثة الفلسفية و العلمية في القرن السابع عشر و لازدهار العلمانية و الديمقراطية في القرن التاسع عشر فإلى الثورة العلمية و الاتصالية في القرن العشرين .

 

اتساع عقول المتعلمين لتقبل الحقيقة النقلية و العقلية دون تعصب لإحداهما ضد الأخرى و بلا ازدراء لا للنقل و لا للعقل بل فهم كل من الظاهرتين التاريخيتين في شروطهما الواقعية التي أنتجتهما خلال مسار تطوري تاريخي طويل و معقد مليء بالوثبات و بالانتكاسات هو الحل الأنسب اليوم  لإصلاح التعليم الديني.

 

فكيف يمكن أن نحصن أطفالنا ضد التعصب و النرجسية الدينية و نجعلهم يتشربون التسامح أي قبول الآخر كما هو لا كما نحب أن يكون و بالتالي احترام حريته إرادته فرديته دون إرغامه على التماهي مع الأنا ?

إن الحفر في تاريخ المقدس مند أقدم العصور يدخل النسبية في عصر المسلم المعاصر و يساعده على تمثل ظاهرة المقدس في تاريخيتها  أي من الأسطورة إلى الدين و من الوثنية إلى التوحيد و من التجسيم البدائي إلى التنزيه والتجريد و التعالي .

 

و قد كان لثقافتنا العربية الإسلامية شرف الريادة في التحليل التاريخي و الاجتماعي للأديان و المعتقدات. و كتاب الملل و النحل  للشهرستاني ما زال إلى اليوم مرجعا نفيسا .بل إن اهتمام المسلمين بالأديان المقارنة يعود إلى فجر الإسلام ينقل لنا الإمام الطبري في تفسيره الثمين جامع البيان كيف أن ابن العباس و معاوية حسما في الوجه الذي تتلى به الآية الكريمة  حتى ادا بلغ مغرب الشمس  وجدها تغرب في عين حمئة استنادا إلى مقارنة الأديان . و هده الإشارة تذكير بما كان يتصف به الفكر الإسلامي من التفوق العقلاني و اتساع العقل و مدى حرية البحث و التعبير في الإشكاليات المتصلة بالقضايا الدينية الحساسة.

 

يقول المفسر الجليل : سمعت عبد الله بن مسعود يقول قرأ معاوية هده الآية فقال عين حامية فقال ابن عباس أنها حمئة قال فجعلا كعبا حكما بينهما  قال فأرسلا إلى كعب الأحبار فسألاه  فقال  أنتما اعلم بالقران مني و لكني أجدها في الكتب أي في التوراة تغيب في طينة سوداء . و هكذا و بالرجوع إلى المنهج التاريخي  انتصرت قراءة ابن عباس للآية على قراءة معاوية بفضل القراءة المقارنة للآيتين في الكتاب و القران . ادن نرى بوضوح كيف احتكم صحابيان من الطراز الأول في قراءة هده الآية إلى عالم يهودي الأصل ليساعدهما بنص الآية التوراتية الخاصة بنفس موضوع الآية القرآنية:غياب الشمس في عين حمئة!

 

فهل يمكننا اليوم تفسير القران بالقران? هل يمكننا العودة التوهمية إلى الزمن الصفر و الاقتصار حصرا على النص القرآني لنجعل منه حرزا نعبده  في إطار وثنية جديدة غير واعية بذاتها ?

 

كيف يمكننا فهم و تفهم القران الكريم دون معرفة منهجية بالدينين السابقين له: اليهودية و النصرانية فضلا عن عادات العرب و تقاليدهم و مؤسساتهم قبل الإسلام?

 

و كيف نفهم لغة القران الكريم وبعض ألفاضه المبهمة دون الرجوع إلى الفيلولوجيا و دون معرفة باللغة الآرامية التي كانت لغة التواصل المكتوب في الشرق الأدنى من القرن الثاني إلى  بداية القرن الثامن  كما بين دلك المستشرق الألماني كريستوف لكسمبورغ?

 

و كيف نفهم الوصايا القديمة فهما علميا ادا لم نرجع إلى أصولها الأكادية و الأشورية و السومرية و البابلية و المصرية?

تخصيب القران بالأدوات و بالمناهج الحديثة هو الحل الأمثل الذي يمكننا من قراءته قراءة تاريخية هي الوحيد المعول عليها في بداية الألفية الثالثة.

 

من جهة أخرى ما كل بارقة تدلي بمائها كما يقول القدماء. فالإصلاح التعليمي الديني لا يأتي أكله إلا في ضل بيئة ملائمة

أي بيئة تشجع على احترام الآخر المختلف سياسيا أو عرقيا أو دينيا و لا تسعى إلى استئصاله بجميع الطرق.فالاستقلالية  و المسؤولية الفردية الفكرية و تغليب العقل على النقل تفترض  وجود الفرد الحر و المواطن المسئول أي تأسيس الاحترام المتبادل و المعاملة بالمثل و تفضيل العدالة و الحق على الطاعة العمياء .  ولا يمكن لهده القيم أن تتجسد إلا عبر آليات الحداثة و أدواتها الرئيسية وهي:حرية الفكر و التعبير ٬صيانة حقوق الإنسان ٬ الديمقراطية ٬التداول السلمي على الحكم٬ تثمين العلم و المعرفة و قيمة العمل . لان تبني القيم الأخلاقية السامية يقع بتشربها لا عن طريق الوعيد  و الضغوط الخارجية الصارمة بل عن طريق الإقناع و التماهي لان تطور الطفل هو سلسلة طويلة من التماهيات .  فالضمير الأخلاقي أو حالة الانضباط الداخلي التي تجعلنا   نمتثل للضوابط في حضور السلطة أو الرقابة الجماعية و في غيابها أيضا  هو وليد الإحساس بالمسؤولية الفردية  في ضل مجتمعات ديمقراطية  وقيم إنسانية  معممة فعلا لا قولا.

 

 جامعة الزيتونة*

 

للتعليق على هذا الموضوع