23 أبريل 2005

 

في ذكرى سقوط صدام حسين

الوعد و الوعيد

د.إقبال الغربي

 

يقول فيلسوف التربية فينكس:" أن أعظم الدروس أهمية نتلقاها من اولاءك اﻟين لم تكن لديهم نية تعليمنا إياها."

و لعل الدرس الذي لقنه لنا الرئيس المخلوع صدام حسين هو من أقسى هده الدروس

فقد جسدت حرب العراق الأولى بالفعل كما أكد الرئيس بوش الأب إعلانا لنضام عالمي جديد وشكل سقوط بغداد صدمة كهربائية زعزعت الوعي العربي و علمتنا الدروس التالية:

 

* إن كل مشكل قومي لا تقع معالجته في الوقت المناسب يتحول إلى مشكل دولي. فدمج المناطق ما قبل الحديثة في السوق الرأسمالية  يؤدي حتما إلى دمج البلدان الاستبدادية في المجتمع الدولي الديمقراطي والتداخل الاقتصادي بين الدول و بروز دورات إنتاج عالمية  ينتج أيضا   تداخل سياسي وهو ما تجسد قانونيا في حق التدخل أي حق و واجب المجتمع الدولي في التدخل من فوق رؤوس الحكومات القائمة مستندا في دلك على القيم الكونية الشاملة في أي منطقة من مناطق العالم في سبيل الحيلولة دون حصول مشاكل أو كوارث إنسانية أو من اجل حلها . وﺫلك لضمان السلم العالمي وهو ما سمي بالعولمة السياسية.

 

* أكد سقوط "عاصمة الرشيد" بدون مقاومة تذكر  انه لا معنى للوطن بدون مواطنة وانه لا مجال لسيادة حقيقية بدون سيادة القانون و المؤسسات و انه لا وجود لكرامة وطنية بدون كرامة الفرد و أن المهانة اليومية و المعممة للشعوب  تنتج اهانة الأوطان و الأمم . فالتوتالترية القائمة على العزل والتفرقة و الإقصاء و التي ﺘﺫرر الأفراد و تلغي المجتمعات و تشيع الرعب و الخصاء الرمزي تدمر  في المقابل كل حماس أو إحساس   وطني و تقتل روح الإباء و المقاومة عندما يتهدد الأمن القومي . فالاستبداد يقزم الفرد و و يهمشه و يعزله عن الشأن العام و يغرس فيه الشعور بالنقص والمهانة و يعدم فيه الكائن السياسي و يختزله داخل الروابط الأولية و الو لاءات   البدائية أي الولاء للعائلة أو للعشيرة أو  للطائفة التي تمنحه  الإحساس بالأمن و الأمان و الشعور  و الانتماء .

 

*تبين في ضل النظام العالمي الجديد أن الحصانة المطلقة التي كان يتمتع بها الحاكم العربي قد زالت. فلم يعد اليوم مجال لمسوؤل فوق المساءلة و لحاكم ترجا محاكمته إلى العلم الأخروي .

ف"سادة العالم" اليوم تقع مطاردتهم و تتتبعهم و هرسلتهم من طرف القضاء  القومي و الدولي للتحقيق معهم مثلهم مثل أي فرد عادي من رعاياهم. وهو ما لمسناه في قضية الديكتاتور الشيلي بينوشي الذي وقع إيقافه في لندن سنة 1998 أو في قضية الرئيس اليوغسلافي ميلوزفتش الذي سلم إلى محكمة لاهاي في 29 جوان 2001 بتهمة جرائم ضد الإنسانية. وهو أيضا ما رأيناه عندما  وقع استدعاء الجنرال الجزائري نزار من طرف القضاء الفرنسي لاستجوابه في قضايا جرائم الحرب الأهلية الجزائرية  و هو ما وقع أيضا لوزير الخارجية الامركية السابق كسنجر الذي طلب استجوابه بتهمة مساهمته في الانقلاب العسكري الذي أطاح بنظام سلفادور الندي في 1973 .كما وجهت اتهامات بسبب تواطئه مع ممارسة التعذيب  ضد الرئيس السابق للتشاد حسين حبري و وضع في الإقامة الجبرية في ملجئه بالسودان في فيفري 2000 و فر رئيس البيرو البرتو فيجموري  إلى اليابان في نوفمبر 2000 مطاردا من قضاء بلاده الذي اتهمه بالقتل و الفساد و أودع  الجنرال الأرجنتيني جورج فيدلا السجن الاحتياطي في جويلية 2001 بتهمة تصفية المعارضين السياسيين  .كما شكلت لجنة تحقيق دولية لتقصي حقائق مصرع الرئيس رفيق الحريري و ها هو الطاغية صدام حسين يقبع في سجون العراق ينتظر محاكمته و البقية تأتي ...

 

بشرى تنصيب جلال طالباني رمز النضال الديمقراطي رئيسا لجمهورية العراق الجديد بوقعها الرمزي و السيكولوجي*

تؤكد أن مشاكل الطوائف و الأقليات   ليست لعنة فرعونية بل هي وقائع تاريخية و جيوسياسية  يمكن تجاوزها و معالجتها عبر آليات الحداثة السياسية.

 

هده إذن وعود النظام العالمي الجديد الذي يؤسس لعقد فكري اجتماعي و سياسي  أممي يحترم كرامة الإنسان و يثق به وبملكاته  بإمكانياته على الانجاز و الإبداع.فما هي المخاطر و التحديات ?

 

 علينا أن ننتبه إلى خطر ظهور مصطلح قديم- جديد هو مصطلح الحرب العادلة٬ التي تشيطن الآخر و تجرم الخصم و القادرة على حل كل المشاكل٬  الذي عاد يطفو على السطح.فعندما نستمع إلى الخطاب السائد الذي ينظر و ينادي    بحرب الخير ضد الشر و حرب الحرية ضد العبودية نتساءل عن مشروعية  هده المفاهيم التي ﺑﺬلت الحداثة جهودا كبيرة لنقدها و استئصالها من التراث القروسطي . لان التهليل و التكبير للحرب العادلة و الإنسانية تضفي على الحرب الصفة الطبيعية و الأخلاقية و تنكر طبيعتها الوحشية و البربرية.  فما حدث في العراق مند تحرره من كابوس صدام حسين من كارثة نهب متاحف بغداد و فضائح سجن أبو غريب و تجاوزات الجيش الامركي والعقوبات الجماعية و معاناة المواطن اليومية من عجرفة المار ينز تبين أن الأميركيين لم ينجوا من فخ المنطق الاستعماري  ! فالعلاقة السائدة في مثل هده النزاعات هي علاقة عمودية بين الطرف الأقوى و الطرف الأضعف. و يشير الطبيب فرانز فانون في هدا الصدد" أن جميع القيم لا تلبث أن تصاب بعلل التسمم و الإمراض المستعصية على الشفاء فور السماح لها بالاتصال مع العنصر المستعمر( بفتح الميم )". وما العنف  الذي يرتكبه سفاحون يمارسون مهنة القتل ضد الأبرياء بوحشية و بدم بارد من دون أي رادع إنساني أو أخلاقي إلا حصيلة الاستبداد و تقليص الديمقراطية وإهدار حقوق الإنسان و إلغاء التعدد و السعي إلى التوحيد القسري لأطياف المجتمع وهي أمور تتعارض في جوهرها مع طبيعة الحياة. لدلك نلاحظ أن المضطهد يبدأ  باستعراض عدوانيته التي ترسخت في نخاع عضامه ضد شعبه هو بالذات . فالعنف السائد بين السكان ليس فقط من مخلفات الخصومات و الأحقاد الطائفية القديمة بل هو أيضا الصدى المرضي لإرهاب النظام البائد و لعنف الحرب وأهوالها و  الذي كثيرا ما يطفو على السطح في شكل سلسلة من الأعمال السوسيوباتية و الاضطرابات العقلية . و التضليل و التمويه الذي يرفض تفسير العنف السائد تفسيرا عقلانيا متعدد العوامل  يؤبد العدوانية في أشكالها المرضية المدمرة.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع