Middle East Transparent

12 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

من تجربة تدريس تاريخ النساء

إلى التخصّص في دراسات الأجناس*

حوار أجرته إقبال الغربي مع آمال قرامي[*]

 

 

- هناك مبادرات جريئة تجري في عدد من الجامعات العربية من أجل تحديث التعليم وتطوير البحوث، ولعلّ القارئ العربي بحاجة إلى الاطلاع على مثل هذه التجارب. فهل لك أن تحدثينا عن تجربتك في تدريس تاريخ النساء؟

                                                             

- يندرج انشغالنا بدراسة "تاريخ النساء" في إطار اهتمامنا بالبحث عن المسكوت عنه في ثقافتنا إذ لا يخفى أنّ مسائل كثيرة مازالت بحاجة إلى التمحيص والتفكيك وإعادة النظر فيها في ضوء المقارابات الحديثة. ولعلّ حياة فئات متعددة مثل الصبيان والنساء (الأرملة والعانس والمطلقة...) والشيوخ وأصحاب العاهات وغيرهم تشكلّ موضوع بحث جدير بالدراسة المعمّقة. وقد حاولنا من موقعنا أن نطلع على الدراسات الصادرة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها والاستفادة منها. كما أنّنا حرصنا على أن نواكب ما يجري في الجامعات الغربية من حركة تطوير لمسائل البحث. فما دعت إليه كلّ من ميشال بيرو (Michel Perrot) و شايلا روبثام (Sheila Rowbotham)  ومارغو بدران (Margot Badran ) وغيرهن هو إعادة النظر في كتابة التاريخ وكشف النقاب عن المغمور والمهمّش والمطموس وإبراز إنجازات النساء المتعددة التي تمّ تجاهلها.  فقد آن الأوان لدراسة حياة المرأة اليومية وكتابة تاريخ ما اعتبر في الغالب "مشاغل أنثوية" (كالاهتمام باللباس والزينة وإعداد الطعام والكنس والغسل والغزل وغيرها من المشاغل التي عدّها أغلب المؤرخين تافهة لا ينبغي تفصيل القول فيها. وتكمن غاية دراسة تاريخ النساء في إثبات التمييز الحاصل ضدهن في كتابة التاريخ وتلافي عيوب التاريخ الرسمي بالشروع في دراسة التاريخ الثقافي الاجتماعي لجميع الناس دون تمييز.

 

إنّ إيماننا بالمسؤولية الملقاة على عاتق المدرّس الباحث جعلنا نُقدِم على خوض تجربة فريدة من نوعها في العالم العربي ـ على حدّ علمناـ وهي تدريس شهادة تاريخ النساء في كلية الآداب والفنون والإنسانيات.

 

وقد عملنا على تفكيك نصوص مختلفة من التراث وتحديد مختلف العوامل التي جعلت المؤرخ(وهو رجل) يتناسى ويتجاهل ويهمّش ويغفل ويقوم بعملية انتقاء لما ينبغي أن يسجّل وما يجب أن يهمل. ونعتقد أنّها تجربة مفيدة ينبغي أن تنتشر في العالم العربي حتى يساهم كلّ من موقعه في إعادة قراءة التاريخ وكتابته من جديد، وذلك من زاوية مختلفة وبالاعتماد على المناهج الحديثة. إذ لم يعد بإمكاننا غضّ الطرف عمّا يجري في جامعات أخرى والاكتفاء بتدريس مسائل لم تعد تستفزّ الطالب. لقد بات من الضروري التنقيب في مختلف كتب التراث (التاريخ والأدب والرحلة والطبّ والحديث والفقه والنوازل والفتاوى وغيرها) وتجميع المادة التي تعيننا على فهم ماضينا وحاضرنا معا كما أنّنا مدعوون إلى بعث وحدات بحث مشتركة ومشاريع كبرى بهدف إنجاز بحوث ميدانية تدوّن ممارسات هي في طريقها إلى الاندثار.

 

 

-  لك عدّة مقالات عالجت فيها إشكاليات تخصّ المرأة منها مقال "متعة المرأة بين الإقصاء ومحاولات الردّ عنه"، ومقال "لِمَ منع الفقهاء المرأة من دخول الحمّام؟"، و"زواج المسلمة بغير المسلم بين الفقه والقانون التونسي". فما الذي جعلك تهتمين بالدراسات النسائية؟

 

لا يمكن للباحث أن يكتفي بالانشغال بتاريخ النساء فحسب. فهذا اختصاص وإن مكّننا من الوقوف عند الجوانب التي طمست في تاريخنا ومعرفة أسباب هذا التغييب ودلالات هذا السكوت، إلاّ أنّه يبقى اهتماما بقضايا ذات صلة بالتاريخ. ثمّ إنّ انتقادات كبرى وجّهت لهذه النوعية من البحوث باعتبار أنّ أغلب المهتمات بهذا الضرب من الدراسات قد أغفلن هنّ أيضا تاريخ الرجال. ومن ثمّة كانت أهمية الدراسات النسائية في تجاوز قضية كتابة التاريخ ومعالجة قضايا ذات وشائج بخصوصيات المجتمعات القديمة والمعاصرة وخاصة المجتمعات "البطريكية" (أي "الأبوية") وتحليل العلاقات غير المتكافئة بين الجنسين وبالخصوص علاقات الهيمنة. وبالإضافة إلى ذلك حاولت المتخصصات في هذا المجال من أمثال هيلان سيكسو

Hélène Cixous وجونيفياف فراز Geneviève Fraisse وفرنسواز هيريتيFrançoise Héritier ولوس إيراغاي Luce Iragaray وغيرهن التطرّق إلى مواضيع لها تأثير في تشكيل معرفة المرأة بذاتها وبالآخرين وبالكون، مثل توزيع الأدوار والوظائف وتقسيم العمل  والتمثلات الاجتماعية التي تحاصر بها النساء وخصائص لغتهن وغيرها من المسائل. وما من شكّ أنّنا بحاجة إلى تأسيس فرق بحث عربية مشتركة وإنشاء مؤسسات جامعية خاصة للدراسات النسائية. ذلك أنّ الدراسات التي أنجزت إلى حدّ الآن قليلة ولا تشمل واقع المرأة في بلدان كثيرة وإنّما تقصر جهودها على دراسة بعض المجتمعات.  وأملنا أن تتكاثف جهود الباحثات والباحثين حتى نحقّق بعضا من أهدافنا.

 

- دراسات الأجناس، أو ما عرف بالجنوسة، مجال بحث مازال مجهولا لدى عدد كبير من الناس والتجارب في هذا الإطار قليلة ومحتشمة. فهل لك أن تعرّفي القارئ بالجندر وأن تذكري لنا الأسباب التي دفعتك إلى اختيار هذه المقاربة وتطبيقها على نصوص من التراث؟

 

يعود اختيارنا للتخصص في مجال الدراسات الجندرية وذلك من خلال إنجازنا لأطروحة دكتوراه دولة حول ظاهرة الاختلاف بين الجنسين في ثقافتنا العربية الإسلامية إلى رغبتنا في الانفتاح على المقاربات الحديثة ومحاولة توظيفها لفهم تراثنا أي ماضينا ثمّ حاضرنا. كما أنّ الانتقال إلى مجال الدراسات الجندرية يعدّ من منظورنا تتويجا لتجاربنا السابقة. فبعد تاريخ النساء والدراسات النسائية لابدّ من الانشغال بالجندر (أي الجنس، وجمعها أجناس). فهو أداة مفهومية لا غنى عنها. فالواقع يثبت أنّ دراسة قضايا المرأة لا يمكن أن تتمّ بمعزل عن دراسة قضايا الرجل. فالرجل هو أيضا يعاني من نتائج الهيمنة ومن القهر الاجتماعي ومن الميز وهو ما جعل الجامعات الغربية تؤسس أقساما لتدريس تاريخ الذكورة History of Masculinity والدراسات الذكوريةMen Studies  والدراسات الرجولية Masculinity Studies . وليس الاهتمام بالدراسات الجندرية إلاّ محاولة لفهم التشكيل الثقافي الاجتماعي والتاريخي الذي خضع له الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية وفي كامل دورات حياته حتى يعكس ذكورة من نوع خاص أو أنوثة ما. فالاختلاف بين الجنسين إذن لا يتعلّق بالخصائص البيولوجية المتصلة بالجنس إنّما هو حصيلة ممارسات اجتماعية وثقافية. فكما هو معلوم ليس باختيار الفرد أن ينحت شخصيته وأن يحدّد نمط عيشه وسلوكه بل هو مجبر على اتباع المعايير والتعبير عن الأنموذج. وهذا التشكيل الثقافي الاجتماعي هو ما نطلق عليه عبارة الجندر.  وهذا يعني بداهة أنّ الاختلاف بين الجنسين صناعة بشرية. ولئن ركّزنا جهدنا على دراسة الثقافة العربية ورؤيتها للاختلاف بين الجنسين وطرق صناعتها للفرد بالاعتماد على مجموعة من المؤسسات، فإنّ النتائج التي توصلنا إليها تثبت وجود أوجه شبه بين مجتمعات عديدة في هذا الإطار. فالمجتمع العربي الإسلامي لم يشذّ عمّا كان سائدا لدى مجتمعات أخرى. ولعلّ الخصوصية تكمن في إسبال الكساء على الأسباب الاجتماعية التي تقف وراء التمييز بين الجنسين وإظهارها في لبوس ديني. ومن ثمّة فإنّه يجب أن ننزّل التمييز بين الرجل والمرأة في إطار أكبر يشمل بنية المجتمع ونظام التراتبية. فالثنائيات المتقابلة تخصّ الرجل والمرأة، الحرّ والعبد، الكبير والصغير، الخاصة والعامة، المسلم وغير المسلم، أهل الحضر وأهل البوادي إلى غير ذلك.

 

إنّ اتكالنا على الجندر (أي الجنس) واعتباره أداة مفهومية ضرورية في تحليل مختلف قضايا الفرد قادنا إلى إثبات أنّ تراثنا قابل بالفعل لأن يُدرَس من زاوية المقاربة الجندرية. وقد خوّلت لنا المقاربات الحديثة تحليل مجموعة من المواضيع المغيّبة فحاولنا في أطروحتنا أن نقف على خصوصيات تنسبها الثقافة إلى المرأة مثل الإغراء وحبّ الزينة والفتنة وغيرها وأن نبرز ما تنسبه الثقافة إلى الرجل مثل القوّة والفروسية والفصاحة والجرأة وغيرها. كما أنّنا عملنا على تحديد منزلة من خرق الأنموذج، فكان مغايرا مثل المخنّث والمسترجلة والمساحقة واللوطي والخنثى وغيرهم من الأصناف الجندرية. ونشير إلى أنّ انشغالنا بهذه النوعية من الدراسات ليس معبّرا عن موقف نسوي أيديولوجي بقدر ما هو دليل على انخراطنا في قضايا وإشكاليات مطروحة على الضمير الجمعي والتزامنا بمعالجة المسائل المهمّشة.

 

ونحن نشجّع الدارسين حتى يخوضوا هذه المغامرة ويبادروا بتفكيك النصوص الدينية أو الأدبية أو الأسطورية أو التاريخية أو غيرها في ضوء المقاربة الجندرية.

 

ولئن تطورت الدراسات الجندرية في الغرب، فظهرت سوسيولوجيا الجندر وتاريخ الجندر وأنتربولوجيا الجندر وغيرها من الاختصاصات الفرعية فأملنا كبير في أن يتمّ إثراء المكتبة العربية بأعمال معمّقة تقدّم إضافة. وما قدّمناه هو لبنة، وننتظر من الآخرين أن ينجزوا لبنات أخرى تعزّز رصيدنا المعرفي.

 

 

 

[*] آمال قرامي (amel_grami@yahoo. com):  أستاذة بقسم العربية بكلية الآداب منوبة بتونس. عرفت من خلال أطروحة أنجزتها تحت إشراف الأستاذ عبد المجيد الشرفي "قضية الردّة في الفكر الإسلامي" 1993. وقد صدر لها كتابان: "قضية الردّة في الفكر الإسلامي الحديث"، نشر دار الجنوب تونس 1996 و"حرية المعتقد في الإسلامنشر الفنك المغرب 1997. ولها عدة مقالات نشرت في مجلات مختلفة مثل دراسات إسلامية مسيحية (islamo christiana) والمشرق تعكس اهتمامها بالدراسات الإسلامية والحوار بين الأديان والأديان المقارنة. أنجزت أطروحة دكتوراه دولة في مجال دراسات الأجناس (gender studies) تحت إشراف الأستاذ عبد المجيد الشرفي عنوانها "ظاهرة الاختلاف في الحضارة العربية الإسلامية: الأسباب والدلالات" 2004. كما أنّ لها مساهمات عديدة في ندوات عالمية حول الدراسات النسائية.     .

 

مواضيع سابقة:

 

ثقافة الموت تصنع الإرهاب

تطبيق الشريعة اليوم حرام

الإيدز في العالم العربي نقد المحرمات وكسر جدار الصمت والإنكار

الحجاب في زمن العولمة׃ عودة المكبوت

المثقف العربي

المرأة التونسية منعت تعدّد الزوجات منذ 9 قرون

الأخذ بالثأر عوض الأخذ الحقّ

"ستار أ كادمي" و "على الهواء" ما هي الأسباب والتداعيات

الحداثة والحداثة العربية

 

للتعليق على هذا الموضوع