Middle East Transparent

11 يوليو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

 

المثقف العربي

 

د. إقبال الغربي

 

عندما عبّرت مدرسة فرانكفورت عن تشاؤمها العميق إزاء سيادة الامتثالية في المجتمعات الحديثة، وإزاء انتشار آليات التكييف والتدجين الدقيقة، وتراكم تقنيات التلاعب بالعقول والسيطرة على الأجساد - هذه الآليات الماهرة  التي تجعل القمع مستَبطناً والاستقالة لذيذة ومجالات الإبداع والانعتاق محدودة-  فإنها أقرّت، رغم هذا التشخيص،  بوجود استثناءات نادرة محصِّنة ضد هذه ״العبودية الاختيارية״ المَُعََمَّمة. وتتجسد بؤر المقاومة بالأساس،  حسب هذه المدرسة النقدية، في فكرِ المثقف الحر والفنان الأصيل.

 

يمكننا أن نعتبر إذاً أن الانتلجنسيا حسب هذا المفهوم هي امتياز نخبوي. فهي، تحديداً، الجمعُ بين المعرفة الأكاديمية والثقافة العامة.

 

كما شكّلت الانتلجنسيا في الغرب، وعبر التاريخ، شرعيةَ التدخل في الشأن العام. لماذا؟ لان المثقف تعريفا شَغوف بقيم الحرية والمساواة على حد تعبير" توكفيل  وُمصاب بحساسية حادة معادية لكل أشكال القبح والطغيان.

 

المثقف هو الذي يدافع عن الحقيقة ضد الأوهام والأساطير المؤسسة للأمة. هو الذي يدافع عن العقل ضد النقل، عن حرية التفكير ضد قيود التكفير، عن القيم الكونية ضد التقاليد والأعراف والخصوصيات المعادية لها. هو نصير الفرد ضد تسلط الجماعة. فهو على شاكلة فولتير خلال״ قضية  كالاس״ وعلى شاكلة "زولا" خلال قضية  "دريفوس״، يجابه الإجماع الغبي بالتميز النقدي.

 

المثقف هو الذي يتظاهر في باريس ولندن ونيويورك من اجل قضايا العرب والمسلمين. هو الذي يجنّد المحامين لإنقاذ النساء من عقوبة الرجم اللاﺇنسانية في نيجيريا. المثقف هو الذي يساند الجياع في العالم - أي خمس سكان الأرض الذين مازالوا يعانون من الجوع، و14 مليون طفلاً الذين يموتون سنويا من جراء سوء التغذية- ويجمع لهم المنح والمعونات دون أي اعتبار لجنسياتهم أو لمعتقداتهم .

 

وفي هذا الإطار تبدو لنا رسالة المثقف في بداية هذه الألفية الثالثة واضحة׃ الانخراط في حرب الحضارة الحقيقية، الوحيدة التي تستحق أن ننخرط فيها. حرب الحضارة ضد البربرية. حرب الثقافة ضد الهمجية. هذه الهمجية المعاصرة التي تُعدم البضائع وتلقي بالأطعمة في البحر تخفيفاً لازمة فائض الإنتاج عوضَ تقديمها للجياع. هؤلاء الجياع الذين يُعتَبرون من وجهة نظر تعزيز ثراء أصحاب الامتيازات ״ قطاعات فائضة״، كما يقول نعوم تشومسكي.

 

 رسالة المثقف هي التنديد بلا عقلانية السوق التي ترصد % 1 فقط من مجموع 1500 مليون دولار الذي يمثل مقدار التجارة اليومية العالمية لخلق ثروات جديدة ويهدر % 99 الباقية في المضاربة العقيمة.

 

هذه الهمجية التي تدمر البيئة وتمكن غول التصحر من تهديد % 70 من الأراضي الزراعية في العالم. والتي تعارض ولا تحترم الاتفاقيات الدولية المضادة للانحباس الحراري. وهو ما يعني مزيدا من الأذى والدمار للانسان وللطبيعة التي تشكل "جسمه اللاعضوي".  لماذا هذا الاستهتار بالبيئة؟ لأنه من المعلوم أن طبقة الأوزون هذه المهددة بالزوال ليست ملكاً لأحد وليست مسعّرة في البورصة، وبالتالي ليست  لها أية قيمة تجارية. ولأن السعي لإيجاد.بدائل محتملة يضاعف تكاليف الإنتاج أربعة مرات. وهو ما بجعلنا نعتقد أن آليات الربح قد شنت الحرب على البشر ليس فقط على إمكانيات عيشهم بل كذلك على إمكانيات بقائهم. وهو ما وعاه منذ وقت بعيد الذين نقدوا الاقتصاد السياسي محددين إياه كـ"نفي مكتمل للإنسان".

 

 في هذه الحرب ضد البؤس والظلم، سيجد المثقف العربي نفسه جنباً إلى جنب مع المثقف الفرنسي والأمريكي والروسي، وهو ما سوف يحرره من" سجن الهوية" المشئوم. هذا السجن المضلل للوعي والذي جعل مثقفا يكتب في جريدة الشعب التونسية بتاريخ 10-7- 2004 : "إبن الوطن المستبد أفضل من المحتل ولو كان ديمقراطياً". وفي هذا الإطار يمكن للمثقف  توظيفُ الفضاء الافتراضي الرحب و الحر الذي شكلته شبكة الانترنت، والذي يؤمن حرية التعبير، لتثوير وتنوير ومجانسة وعي معاصريهم. وذلك لمحاولة بناء المجتمع الإنساني الذي سوف يتم ويكمّل المراحل التي لم ينجزها المجتمع المدني من تحقيق الحرية والمساواة وتقليص مشاعر الاغتراب وتحقيق التناغم بين الإنسان والبيئة .

 

للتعليق على هذا الموضوع