Middle East Transparent

7 يونيو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

 

الحرّية الدّينية كآلية من آليات العيش المشترك

المسيحي الإسلامي

 

د. إقبال الغربي

جامعة الزيتونة تونس

 

 

انعقد في الدوحة المؤتمر الدّولي للحوار الإسلامي المسيحي الّذي استضافته دولة قطر. ودارت أشغال الندوة في فندق "ريتز-كرلكون" أيام 27-28-29 ماي 2004.

 

وقد بوّب منظّما المؤتمر، أي "المجلس البابوي للحوار بين الأديان"، و"مركز الخليج للدّراسات" بجامعة قطر، هذه الندوة إلى قسمين : قسم تضمّن جلسة عامّة شاركت فيها أكثر من 70 شخصية من السياسين والقادة الروحيين المسلمين والمسيحيين. وقسم ثان تمثّل في جلسة مغلقة ناقشت فيها لجنة التفكير المتكوّنة من 24 باحث مناصفة بين الجانبين الإسلامي والمسيحي عدّة إشكاليات مثل :

-     كونية ميثاق حقوق الإنسان

-     الخصوصيات الثقافية والدّينية والمواثيق الدّولية

-     حرية المعتقد في النصوص المقدّسة

-     وضعية الحريات الدّينية في بعض البلدان مثل الباكستان ونيجيريا وفرنسا

-     شرط الأقليات الدّينية في بعض المناطق من العالم

 

وخلال الجلسة الافتتاحية اكّد سموّ الأمير عبد اللّه خليفة آل ثاني رئيس وزراء دولة قطر على أهمية مثل هذه اللقاءات معبّرا عن حاجتنا الملحّة لهذا الحوار ، الأمر الّذي جعله يرى ضرورة توسيع هذا الحوار الثنائي وإدماج رجال الدّين اليهود فيه. وهو ما أثار استغراب المشاركين المسلمين الّذين فوجئوا بهذه المبادرة. أما الكردنال جان لويس توران أمين أرشيف الكنيسة الكاتوليكية الرّومانية بالفاتكان فقد ثمّن هذا اللقاء مقتديا كما ذكر ذلك بنفسه بالمثل العربي القائل "إن الجبال لا تلتقي لكن الرّجال يلتقون".

 

كما اتّفق البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والشيخ محمد سيد الطنطاوي إمام جامع الأزهر الشريف، على مبادئ التسامح والحوار واحترام الحرّيات الدّينية التي تتضمّنها الديانتان الإسلامية والمسيحية.

 

وفي آخر الجلسة الافتتاحية تناول الكلمة الشيخ القرضاوي، إمام جامع الدّوحة، مبرزا احترازاته من الحوار وشكوكه إزاءه. وقد بلور موقفه نهائيا يوم الغد خلال خطبة الجمعة التي ألقاها في جامع الدّوحة عندما انتقد بشدّة دعوة رئيس الوزراء إلى حوار ثلاثي يشمل الدّيانات التوحيدية الثلاث قائلا "لا حوار مع قتلة أطفال فلسطين ومغتصبي نساءها! ".

 

كما عارض الشيخ القرضاوي جدول أعمال المؤتمر وخاصّة وضع مسألة الرّدة موضع تفكير ونقاش. فالقرضاوي يرى أن التهاون في عقوبة المرتدّ الّذي يعلن ردّته بلسانه أو بقلمه أو بفعله يعرّض المجتمع للخطر ويفتح عليه باب فتنة لا يعلم عواقبها إلا اللّه سبحانه. ويضرب لنا شيخنا مثال أفغانستان حيث ارتدّت مجموعة من الشيوعيين والعلمانيين عن عقيدتهم وغرّروا بالبسطاء من شعبهم فكانت النتيجة الحرب الأهلية والدّمار الشامل والفوضى الدّامية لكل المنطقة. أخذت قضية الرّدّة، إذاً، نصيب الأسد في نقاشات مؤتمر الحرّية الدّينية، وهو في الحقيقة جدل قديم-جديد. فالإمام محمد عبده مثلا يستنكر قتل المرتدّ قائلا عند تفسيره لآية :"فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ، "من شاء أن يدخل فيه فليدخل ومن شاء أن يخرج منه فليخرج".

 

كما استنكر الشيخ محمد شلتوت هذه الجريمة التي ترتكب باسم القرآن ضدّ القرآن متّهما الفقهاء بالتواطؤ مع الخلفاء لنسخ القرآن بحديث أحاد. ومن جرّاء هذا التوظيف للفقه تمت محاصرة الفكر الحرّ والمتمرّد عبر التاريخ.

 

والأمثلة عديدة، من اغتيال الصحابي حجر ابن عديّ الّذي قتله معاوية إلى شنق الفيلسوف المتصوّف محمود طه الّذي قتله الترابي والنميري إعتمادا على حديث واحد وحيد نسخ به الفقهاء ثلاثة آيات قرآنية :"لكم دينكم ولي ديـني" (سورة الكافرون) و"لا إكراه في الدّين" (سورة البقرة) و"ومن شاء فليؤمن ومن شـاء فليكفـر" (سورة الكهف). وإذا توقفنا عند هذه الخلافات تبدو لنا مصالحة الإسلام مع نفسه ضرورية للانخراط في الحوار بين الأديان الّذي ننشده ونسعى إليه.