Middle East Transparent

19 مايو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

الحداثة والحداثة العربية

 

إقبال الغربي - جامعة الزيتونة-

 

التأم ببيروت مؤتمر كبير حول الحداثة جمع نخبة من المفكّرين والمثقّفين يفوق عددهم 150 مشاركا، وكان هذا المؤتمر بمثابة إشهار لميلاد المؤسسة العربية للتحديث الفكري. وتهدف هذه المؤسسة، والتي مقرّها جنيف، إلى الإسهام في تطوير فكر وثقافة عربيين، تقدّميين، وذلك لوضع حدّ لمظاهر النكوص الملحوظ في المجتمعات العربية وتقليص هوّة الفوات التاريخي التي تفصل واقع المجتمعات العربيةعن واقع المجتمعات الأكثر تجاوبا مع مكتسبات الحداثة.

 

وقد دامت أشغال الندوة التي سهر على تنظيمها الأستاذ جورج طرابيشي الأمين العام للمؤسسة، والتي انعقدت في نزل البرستول بمدينة بيروت ثلاثة ايام، امتدّت من صباح يوم الجمعة 29 أفريل إلى مساء يوم الأحد 02 ماي 2004.

 

وقد تضمّنت الجلسة الافتتاحية التي ترأسها أستاذ الإسلاميات عبد المجيد الشرفي كلمة محمد أركون رئيس المؤتمر، الّذي دعا إلى ضرورة تحديث التفكير في العالم العربي وتطوير الفكر النقدي والمتمرّد الّذي يقطع مع خطابات الحس المشترك والرأي العام، أي خطاب اللاعبين بالنفوس على حدّ تعبير طه حسين، والّذي يجسّده بامتياز الخطاب الإسلاموي-القوموي. كما أكّد على أبعاد ثلاثة ميّز فيما بينها مع التأكيد على طابعها المتداخل والمتكامل والتي يجب أخذها بعين الاعتبار في كل إنتاج فكري متين ورصين وهي : العقل والمخيال والذّاكرة التي تتفرّع بدورها إلى ذاكرة تاريخية وذاكرة جماعية وذاكرة شخصية.

أما نصر حامد أبو زيد، رئيس المؤسسة العربية للتحديث الفكري، فقد حرص على إزالة الالتباسات المحتملة والمتوقعة وأكّد أن ندوة الحداثة والحداثة العربية لا علاقة لها بالادّعاء الأمريكي للتحديث والإصلاح، وما صاحبه وتبعه من هرولة إعلامية وإعلانية ودعائية. وأكّد نصر حامد أبو زيد أن هذه الدّعاوى الأمريكية يجب أن لا نسمح لها أن تسلبنا أسئلتنا الحارّة والحارقة، هذه الأسئلة التي شغلت مفكّرينا ومثقّفينا منذ أواخر القرن 18 وأوائل القرن 19 حتى الآن.

 

وتساءل الأستاذ محمد عبد المطّلب الهوني، أمين مال المؤسسة، هل ما نعانيه اليوم في العالم العربي هو مجرّد إغمائية أم موت سريريّ؟

إذ لاحظ الباحث أنّه كلّما تراكمت الهزائم وترادفت الإحباطات واتسعت هوّة اللحاق بموكب الحضارة تشبّثنا بالتراث، مستعيضين عن حاضرنا بماضينا، نردّ على اسئلة الأحفاد بأجوبة الأجداد. والأنكى من هذا، يقول الأستاذ الهوني، هو أن الإنسان العربي يملك عددا هائلا من المشاجب، يسقط عليها هزائمه وإحباطاته منها الاستعمار، والصهيونية والامبريالية والمؤامرة، وحتّى اللّه نفسه لم ينجُ من تحويله إلى مشجب عربي يعلّق عليه أسباب خروجه من التاريخ في قدريّة واتّكاليّة خانعة. واختتم الأستاذ الهوني كلمته مؤكّدا أن مهمة الخروج من التخلّف ليس مهمّة الأنظمة العربية فحسب بل هي أيضا مهمّة الإنسان العربي الّذي عليه أن يقرّ بتخلّفه لأن عمل الحداد هو الّذي سيمكنه من طرح الأسئلة المؤسسة للخروج من التخلّف:

لماذا أنا متخلّف وكيف يمكنني تجاوز وضعيتي المتخلّفة؟

وللتمكّن من البحث في إشكالية الحداثة ونظرا لتعقّد هذا المفهوم وثرائه ونظرا لضبابية هذا المصطلح الناتجة عن كثرة الدّلالات والاستعمالات وقع التطرّق إلى الحداثة من مقاربات متعدّدة خصّصت لها خمس جلسات علمية وهي :

1) الحداثة الفلسفية والسياسية :

2) الحداثة الاقتصادية

3) الحداثة من المنظور التربوي

4) الحداثة الثقافية

5) الحداثة من المنظور الفكري

 

*

 

وقد تناول المشاركون خلال النقاشات عدّة نقاط مهمّة نذكر منها :

- ضرورة إعادة قراءة التاريخ الإسلامي المعقّد والثّريّ والقطيعة مع النظرة المبسّطة والمؤهّلة لتراثنا العربي الإسلامي

- ضرورة إصلاح التعليم والتعليم الدّيني خاصّة

- ضرورة الفصل بين المجال العام والمجال الخاص الّذي يضع حدّا للتدخّل الشمولي للدولة وللمؤسسة الدّينية

- ضروة المساواة بين الجنسين

- ضرورة التمييز بين السلطات وفصل الدّين عن الدّولة

- ضرورة الفصل بين الدّنيوي واللاهوتي

- ضرورة إدماج البعد اللاعقلاني واللاواعي في خطاب الحداثة وقد نبّه إلى هذه المسألة المحلّل النفساني فتحي بن سلامة والّذي لاحظ أن هذه المقاربة التحليلية موجودة فقط في كتابات المفكّر العفيف الأخضر

وقد طغت المطالب العلمانية في هذا المؤتمر وذلك خوفا من صعود الحركات الإسلامية التي تمثّل مشروع اضطهاد بالنسبة للمثقّف العربي، حيث اعتبر الفيلسوف مراد وهبة أن التناقض الرّئيسي اليوم الّذي يمكن استثماره في حلّ القضايا العربية الرّاهنة هو التناقض بين العلمانية والأصوليّة.

وحين كانت ورقة عالم الانتروبولوجيا حافظ ذياب ترى بضرورة تجاوز مركزيّة الحداثة الأروبية مبيّنا لنا أن الحداثة والتقليد لا يتنافيان ضرورة ذلك أن هذين القطبين المتناقضين نظريا يتعايشان في الممارسة الحياتية.

ومع ذلك تظلّ الحداثة رهانا إنسانيا في تطوّر مستمرّ له ديناميكيته الخاصّة.

ويذكّرنا موقفه هذا بموقف الفيلسوف الألماني هابرماس- وان كان من منظور فلسفي آخر الّذي يقرّ ضمن كتابه الشهير "خطاب الحداثة" في ردّه على منظري ما بعد الحداثة أن الحداثة مازالت مشروعا لم يكتمل بعد. ونلاحظ أن الجدل حول مفارقات الحداثة وأزماتها لم يأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام. إلا أن هذا التشبّث بمطالب الحداثة يرجع أساسا إلى خصوصيّات العالم العربي الّذي لم يعرف فعلا من الحداثة سوى قشورها فلئن كانت هناك ملامح حداثوية فإنها تبقى في اعتقادنا على مستوى الاستهلاك لأن الحداثة هي التصنيع والدّيمقراطية بامتياز، وهو ما هو غائب في العالم العربي، وبناء على ذلك يمكن أن نفهم إلى حدّ ما ضعف الخطاب النّقدي إزاء الحداثة لأن الإنسانية كما ارتأى ذلك هيقل لا يمكن أن تتجاوز إلا ما حققته.