23 مايو 2005

 

 

حرية الفكر والإعلام و الهستيريا السياسية

د. إقبال الغربي

 

وقع استعمال مصطلح الهستيريا في مجال السياسة من طرف الكاتب النقدي فرنسوا جورج في مقال مطول له بعنوان "لينين والهستيريا ". ثم تحديد الأبعاد النظرية لهذا المفهوم الجديد في مؤلف للمؤرخ المجري استيفان ببوا بعنوان "بؤس الأنظمة الصغيرة وفي أوروبا الشرقية". وهو الكتاب الذي حلل فيه صاحبه  طبيعة الحكم وآلياته في البلدان الاستبدادية .

 

والمصطلح أو المفهوم كما نعلم ليس مجرد كلمة اعتباطية بل هو عبارة تدل على مشكل وتساعد على حله أي أن المفهوم يساعدنا على التمييز والحكم في تأويل الملاحظات والتجارب المقامة. وهو وسيلة تسمح لنا بمقاربة الواقع وآلة نظرية نستعملها لتفسير الظواهر. ويعني مفهوم الهستيريا السياسية عجز مجموعة ثقافية ما عن مواجهة المشاكل الصعبة التي تهدد كيانها أو التي تزعزع صورتها المثالية. كما يبرز هذا المفهوم الآليات التي تستعملها هده المجموعة لإدارة أزماتها بطريقة غير سوية وتتسم باللاواقعية، إذ أنها تفضل حماية ذاتها من كل اضطراب وبالتالي اختزال وإزالة كل تعديل من شانه أن يعرض ثباتها إلى الخطر. ولتجنب هده التجارب المؤلمة تسعى المجموعة الى صد الإزعاج بواسطة توظيفات جانبية. بل وتستعمل هده المجموعة في اغلب الحالات آلية القلب أي أنها تخفي المشاكل الحقيقية وتختلق مشاكل مزيفة يسهل عليها حلها وتجاوزها و ذلك لاستعادة ثقتها بنفسها.

 

ويمكننا في هذا الإطار أن نتساءل حول مشروعية استعارة مفاهيم خاصة بالسيكولوجية الفردية مثل مفهوم الهستيريا لتحليل ظواهر سياسية واجتماعية. وللإجابة عن هذا التساؤل وإزالة كل التباس،  نذكر في هذا الصدد أن مؤسس المدرسة التحليلية كتب في مؤلفه السيكولوجيا الجماعية وتحليل الأنا :"أن التعارض بين السيكولوجيا الفردية والسيكولوجيا الجماعية الذي يبدو لأول وهلة مهما سرعان ما يفقد الكثير من حدته إذا تفحصناه بعمق." و يضيف سيقموند فرويد:" قطعا الإنسان المعزول هو موضوع السيكولوجيا الفردية التي تسعى لمعرفة الطرق التي يحاول بها الأنا تلبية مقاصده الغريزية لكنه في مسعاه هذا ليس قادرا إلا نادرا في بعض الظروف الاستثنائية عن علاقة هذا الفرد بالآخرين. فالآخر يتدخل بانتظام في الحياة النفسية للفرد بما هو نصير أو خصيم. من هنا فالسيكولوجيا الفردية هي أيضا بداهة في الوقت نفسه سيكولوجيا اجتماعية. بهذا المعنى الموسع لكن المشروع تماما، يبدو لنا أن السيكولوجية الفردية ليست ذات طبيعة تفصلها عن السيكولوجيا الاجتماعية أو سيكولوجيا الجماهير." وهكذا بيّن لنا فرويد كما رأينا التفاعل الجدلي والمعقد بين التحليل النفسي الفردي والتحليل النفسي الجماعي.

 

والمتأمل في الواقع العربي لا يرى سوى سيادة الإنفعالات البدائية والأهواء السياسية. فالعناد العصابي للحاكم العربي يسمم الحياة السياسية في عالمنا ويدمر كل إمكانية تطوير سياسية. و الجماهير العربية عواطفها في غاية السذاجة و السطحية مصابة برهاب التغيير والحداثةلا تعرف الشك ولااللايقين وتطالب بالأوهام والحقائق المطلقة.

هذه الوضعية السقيمة، إضافةً إلى عجز العالم العربي أن يأخذ على عاتق مستلزمات وتبعات التحولات الدولية الراهنة هو الذي جعلنا مند سنوات ننتقل من مأساة إلى مأساة و بلا أمل يلوح بفرج قريب أو حتى بعيد.  ولعل تراكم هذه الأزمات المزمنة وتكرارها بطريقة رتيبة وغير خلاقة هو الذي يضطرنا إلى الحديث عن هستيريا سياسية يعاني منها عالمنا. ومن أعراض هده الهستيريا السياسية:

      *    سيطرة الفكر السحري

      *   القفز باتجاه آخر فوق المشكلة الأصلية

      *   الهوس الذي يدور حول الحياة الجنسية للفرد وهاجس التفريق بين الجنسين.

      *  استعمال الكبت كحيلة دفاعية رئيسية

إن إنكار الحقيقة الخارجية وفشل مواجهة الواقع وتحمل مستلزماته يجعل الفرد أو المجموعة تركن إلى حيل دفاعية تعمل على الحفاظ على الوضع القائم أطول وقت ممكن. فالأمور تجري وكأن الحقيقة الخارجية ليس لها وجود بالنسبة للأنا الفردي أو الجماعي الذي هو غير مجبر على مواجهتها. وفي هذه الحالة ينشطر كل من الشخص والعالم الخارجي سواء بسواء إلى جزء سار وجزء مزعج مما ينتج عنه توزيع جديد يتطابق فيه الشخص مع كل ما هو سار ويتطابق العالم مع كل ما هو مزعج. ويتم هذا التقسيم من خلال احتواء ذلك الجزء الذي يشكل مصدرا للذة من موضوعات العالم الخارجي وبفضل إسقاط كل ما يشكل في الداخل مصدرا للإزعاج والقلق إلى الخارج. وهنا يفقد العلم الخارجي حياده و موضوعيته، ويصبح صدى للواقع النفسي وأهوائه. وعندما نسقط أحوالنا على الواقع الخارجي يصبح هذا الأخير انعكاسا للذاتي ويفقد خصائصه الموضوعية، فلا يعود محكوما بقوانين العقل بل بمبدأ اللذة واللاعقل. وهذا المسار السقيم هو الذي يجعلنا نتنكر لمبدأ الواقع ونصيغ بهياماتنا وهذياناتنا عالما آخر من صنع خيالنا. ولكي نستمتع بهذا العالم الخيالي دون أي إزعاج علينا أن نكبت كل ما و من يمكنه زعزعة هده التمثلات المزيفة.

 

وفي هذا الصدد فإن فرويد يقارن هذا الكبت بتأثير نظام الرقابة على الكتب والمؤلفات حيث أن الكلمات غير المرغوب فيها يقع إما محوها نهائيا أو تستبدل بكلمات أخرى محايدة لتغيير المعنى الأول للرسالة وجعلها مقبولة في أعين الوعي.

 

ولعل واقع الإعلام وحرية التعبير في العالم العربي يجسد أحسن مثال للهستيريا السياسية المسيطرة عندنا. فمن اجل بناء عالم آخر من صنع الخيال يقع تجنيد عشرات مؤسسات ومئات العاملين في مجموعات منظمة٬ مقنن ٬ متتالية وظيفتها تصفية الحقيقة بغية سد الهوة التي تفصل بين الوهم الإيديولوجي التضليلي السائد والعالم الخارجي المحيط بنا. وهنا يقع الاستعاضة عن مرآة الواقع بمرآة نرجسية مخادعة ومضللة.

ويشكل هذا الوهم الدموي الأداة الجهنمية التي تسحق الأفراد وتدمر فيهم القدرة على الفعل وعلى البدء وهي القدرة التي تميز تعريفا إنسانية الإنسان حسب الفيلسوفة حنا ارندت.

 

كل الشواهد الحاضرة تثبت تغلغل هذا الوهم في عالمنا العربي.

 

يشير التقرير السنوي لصحافيين بدون حدود أن العام 2004 كان الأسوأ مند عشر سنوات في مجال حرية الإعلام في العالم. فقد لقي 53 صحفي و 15 متعاونا حتفهم وازدادت عدد التحقيقات التعسفية وارتفع عدد وسائل الإعلام التي تم حصرها. وبتاريخ الأول من يناير 2005 لا يزال 107 صحفيا و 70 مسئول عن مواقع انترنيت معتقلا في عدد من البلدان في العالم تأتي في طليعتها البلدان العربية. والإحصائيات الموالية تبرز لنا بصفة جلية أزمة الإعلام و الصحافة الحرة عندنا حيث استبدلت الأخلاقيات الكونية لمهنة الصحافة أي الخبر الصادق والتحليل الحر بمنطق التهريج والتحريض والدعاية الفجة.

 

 

 

في عام   2004:

وقع اغتيال عدد من الإعلاميين 

في افريقيا1

في اوروبا3

في الشرق الأوسط و المغرب العربي 21

في آسيا 16

وتم اعتقال الإعلاميين وسجنهم:

في إفريقيا 198

في اوروبا117

في الشرق الأوسط والمغرب العربي 165

في آسيا 384

 

كما تعرضت العديد من وساءل الإعلام للحجز والمنع:

في إفريقيا 163

في اوروبا111

في الشرق الأوسط والمغرب العربي 72

في آسيا 165 

 

و يعتبر التقرير أن حالة الإعلام وحرية الصحافة في الشرق الأوسط لا تزال مشلولة حيث تواصل السلطات حملتها لتدمير كل صحافة معارضة و لمنع ظهور كل إعلام حر ونزيه وحيث لا يزال سيف الرقيب السياسي والديني مسلطا على رقاب فرسان الصحافة و الفكر. و هنا لا بد أن نذكر بمحنة الجامعي البغدادي والمفكر التقدمي العفيف الأخضر و قبلهما بفتوى اغتيال الروائي سلمان رشدي ومذكرة القبض على الكاتبة تسليمة نسرين الصادرة سنة 1993. ولا يسعنا إلا أن نذكر أيضا محاولة قتل نوبل مصر نجيب محفوظ وقطع رأس الشاعر صادق مللاح في ساحة عامة في مدينة القطيف في المملكة السعودية يوم 3 سبمتمبر 1992 وشنق الفيلسوف المتصوف محمد محمود طه في السودان يوم 17 يناير1985 وسط تهليل العامة وتكبيرها.         

 

بل إن الجنون التفتيشي يعبر الزمن ويلاحق دواوين شعرية وقصص وقعت كتابتها مند قرون وهو ما تجسد في محنة ألف ليلة وليلة، هي أيضا ٬عندما وقع تجريمها من طرف محكمة الآداب بالقاهرة سنة 1985 وحرق 3000 نسخة منها. اضطهاد الإعلاميين والمفكرين والمبدعين باعتقالهم وتعذيبهم بمصادرة كتبهم بإصدار الفتاوى بقتلهم أصبح بتكراره وانتظامه سمة من سمات الاستثناء العربي.

 

ومن خلال هذه اللمحة عن واقع حرية التفكير والتعبير في بداية الألفية الثالثة نتبين أن إدارة الأزمات لا تزال٬ في عالمنا العربي٬ تخضع إلى آليات الفكر السحري الإحيائي التي نجدها عند الطفل الصغير وعند البدائي وأيضا عند الذهاني الذي سقط في امتحان الانتقال من مبدأ اللذة الصبياني إلى مبدأ الواقع. هذه الرقابة المقيتة التي تضفي بضلالها أيضا على الباحثين الجامعيين تسعى بصفة قهرية إلى استئصال التنوع وإلى تشييد سياج حديدي محصن ضد تطفل المستجدات الناجمة عن التعدد البشري الطبيعي. وفي هذا الصدد ينبهنا فرويد أن حيلة كبت الحقائق وإنكارها يقتضي بذل طاقة مستمرة وإمكانيات هائلة ترهق الفرد الذي يخوض حربا أهلية ضد نفسه و تعيقه عن انجاز مهامه الحيوية والانجازية.

 

وأيضا أن الحاجة الأولى للإنسان هي أن يمتلك عن ذاته الصورة الأكثر صحة ومطابقة للحقيقة ولذلك شدد جميع الفلاسفة والمفكرين على العلاقات الوثيقة بين الحقيقة والفضيلة.

 

للتعليق على هذا الموضوع