21 مارس 2005

 

إذا لم نغير ما بأنفسنا سيغير العالم أحوالنا

د. إقبال الغربي

 

تشكل هجمات 11 سبتمبر وحرب العراق و تخليصها من كابوس صدام حسين صدمة في الوعي الدولي فقد انتهى عصر الاستقرار و وهم السيادة الوطنية التي طالما دافع عنها الحكام العرب. كما زال نموذج الحرب الباردة الذي كان يختزل التطورات السياسية في كل بلد من بلدان العالم في لعبة الشطرنج الضخمة التي تتواجه من خلالها الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي. فإذا ما حصل تغيير أو محاولة إصلاح في مكان ما في العالم كانت أمركا لا ترى فيه سوى زحف للشيوعية و توسع للاتحاد السوفيتي داخل محمياتها . وهو ما أدى إلى تساهل و تدعيم لديكتاتوريات بشعة في أمركا الجنوبية و إلى تحالفات لاعقلانية مع حركات اسلاموية فاشية في أفغانستان .وهو ما يفسر أيضا تعزيز الغرب لنخب العالم العربي خشية استبدالها بما هو أسوء منها.

أما اليوم فقد تغيرت المقاييس و أصبح أساس التعاطي الغربي مع بقية العالم هو معيار" الحكم الصالح" و أصبحت سياسات الدول تقاس بمدى احترامها لحقوق مواطنيها على جميع المستويات الاجتماعية والسياسية.و هكذا تغلبت الأخلاقيات السياسية على الميكيافلية وعلى مستلزمات البراغمتية السياسية عندما تبين أن الاستقرار على المدى البعيد لا يمكن أن يشترى على حساب الحرية و الديمقراطية و تطلعات الشعوب و أحلامها.

و في ھﺫا السياق اقر الغرب أن الحرية ليست ترفا نخبويا يتلاءم مع سكان الشمال المتحضر بل هي حق طبيعي لكل البشر مهما كانت خصوصياتهم الثقافية و الدينية و الاثنية.

و لعله من المفيد أن نتساءل اليوم و قد التقت إرادة الشعوب العربية مع مصالح الغرب هل بإمكاننا أن نؤسس الديمقراطية في تربة شرقية معادية . هذه التربة التي لم تولد مند قرون سوى الاستبداد و الطغيان. فغياب القيم و التقاليد الديمقراطية تاريخيا قد لفت انتباه الباحثين مند قرون ابتداء من مونتسكيو و نظرياته البيئية حول الاستبداد الشرقي في القرن الثامن عشر مرور بالباحث كارل فيتفوجل الذي فسر الاستبداد بطبيعة نمط الإنتاج السائد إلى الدراسات الدولية التي تتكلم اليوم عن" الحالة العربية" أو" الاستثناء العربي" و تعني هذه المصطلحات الجديدة في قاموس العلاقات الدولية تارة عجز العرب عن الإصلاح وتارة أخرى عدم تلاءم قيم الديمقراطية ة أساليب عملها مع قيم الثقافة العربية الدينية و الأبوية بامتياز.

أما داخل أوطاننا فلا يزال التفسير الأكثر شيوعا يضع مسؤولية فشل الديمقراطية في العالم العربي على عاتق العوامل السياسية الخارجية . إذ أن تعثر المسار الديمقراطي عبر التاريخ سببه العلاقة المتوترة مع السلطة المحتلة التي شغلت بال الناس و استحوذت عليهم.

و لعله من المفيد عندما نكون بصدد محاولة إرساء أعراف و ممارسات جديدة تتعلق بحقوق الإنسان و الديمقراطية أن ناخد في الحسبان تداخل العوامل الخارجية و الداخلية في تفسير الظواهر التاريخية و دور التصورات الاجتماعية و المضامين الثقافية في مجال التحول الاجتماعي.

فاستمرار العلاقة القروسطية بين الحاكم و الرعية تستوجب تفسيرات معقدة و متعددة الأبعاد: تاريخية و سوسيولوجية و نفسية. و لا شك أن العامل الديني ساهم في تشريع الاستبداد و في إعطائه الصفة الملزمة دينيا. و في ھﺫا الإطار يشكل الإصلاح الديني عاملا أساسيا لصياغة و إعادة صياغة وعيا حداثيا تحرريا في عالمنا. وعيا يتبنى الديمقراطية باعتبارها قيمة حضارية انجازية و ليس مناورة مرحلية للوصول إلى السلطة السياسية .

فهل بإمكاننا اليوم مصالحة تراثنا الذي يمثل ذاكرتنا و لاوعينا الجمعي مع مقتضيات الحقبة التاريخية و استحقاقاتها؟

المقاربة النسبية و التاريخية لتراثنا هي الوحيدة المعول عليها لتحقيق هذه المصالحة المنشودة بين "خصوصياتنا" من جهة و روح العصر و قيمه العقلانية و الإنسانية الرافضة للتوتالترية الدينية و العقوبات البدنية من جهة أخرى.

المقاربة النسبية تعني الارتقاء من النرجسية الدينية التي رحابة الفكر الكوني.كما تعني أيضا القطع مع المسلمات الني تقدم الإسلام على انه وصي على الجنس البشري و مكلفا بتخليص الإنسانية جمعاء من الشرك و الضلال.

أوروبا مثلا لم تنتقل من عصر محاكم التفتيش إلى التسامح الديني و حرية النقاش و البحث و التساؤل و الشك و التشكيك إلا بفضل اكتشافها لنسبية معتقداتها الدينية عندما استطاعت مقارنتها بمعتقدات الشعوب الأخرى. فقد شكل اكتشاف العالم الجديد في القرن الخامس عشر مصدرا" للانسنة " أي جعل الإنسان أساسا للعالم و مصدرا للقيم . فعندما تم التعرف على دين و شعائر الهنود الحمر المتشابهة من حيث الجوهر للديانة و الطقوس المسيحية و ذلك رغم عدم وجود أية صلة سابقة بينهم و بين سكان باقي المعمورة تسللت روح المقارنة بين الأديان إلى القلعة الدينية فصدمت رويدا رويدا سلطة الكنيسة . و هكذا شكل اكتشاف كريستوف كلويس لقارة أمركا سنة 1429 أرضية خصبة للإصلاح الديني في القرن 16 و للحداثة الفلسفية و العلمية في القرن 17 و لازدهار العلمانية و الديمقراطية في القرن 19 .

أما المقاربة التاريخية فهي تعني القراءة المقاصدية التي تميز بين مقاصد الشريعة و أحكام الشريعة بين المطلق و النسبي و تفصل بين المقدس الديني و المدنس السياسي .

وربما كانت نظرية الفيلسوف الشهيد محمد محمود طه من أهم الإسهامات في ھﺫا المجال. فقد ميز محمد محمود طه بين مستوين أو مرحلتين لرسالة الإسلام. الأولى هي الرسالة المكية وهي رسالة الإسلام الخالدة الأساسية التي احتوت على القيم الكونية وأقرت الحقوق الطبيعية لكافة البشر دون اعتبار للجنس أو العقيدة أو العرق.أما الرسالة المدنية فهي ذات طابع عملي توفيقي احتوت على مجموعة أحكام متلائمة مع الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية و الأمنية للأمة الإسلامية الناشئة.

و يضيف محمود طه مفككا المرجعية الماوراء لغوية للنص القرآني أن الخطاب المكي كان موجها للبشر كافة " يا بني ادم "و"يا أيها الناس " مما يعني المساواة الكاملة بينهم أما الخطاب المدني فهو موجه بالدرجة الأولى إلى المسلمين كأمة من الأمم لها وضع تاريخي محدد و ظروف جغرافية و سياسية خاصة بها. و يضيف محمود طه انه إذا كان الفقهاء القدامى قد أقاموا الشريعة وفقا للقرﺁن المدني فمن الممكن إعمالا للمبدأ ذاته إقامة الشريعة وفقا للمكي بحيث تكون أكثر تلاؤما مع المنظومة الحقوقية الكونية.

ھﺫا المنظور يهدف بطبيعة الحال إلى ترسيخ النسبية و التاريخية في وعي الفرد يؤسس لثقافة الغيرية و حقوق الإنسان و يرتقي بنا من المقاربات الانفعالية التبسيطية إلى المقاربات العقلانية أي استخدام قوانين الفكر لاكتشاف قوانين الحياة.

 

ھﺫا الفكر النقدي هو الذي سوف يخرجنا من دوائر العقائدية المنغلقة على ذاتها التي تاخد الإسلام خارج الزمان و المكان سواء تلك التي تسمره في الأفق التاريخي الذي نشا فيه في القرن السابع ميلادي أو تلك القراءات الدفاعية التمجيدية التي تريد بكل قسرية إثبات أن كل المفاهيم الحداثية متوفرة في الإسلام أو أخيرا تلك النضرة التحقيرية التي تعتبر أن الإسلام متوفر على رصيد جيني في الاستبداد و الطغيان.

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

 

"FARAG G HANNA" <faragh1946@msn.com>

Date: Mon, 21 Mar 2005 18:29:07 -0700

Dr. Iqbal

Top qualityarticle.

I would like to add that there is also similarity between the Bible's Old Testament and the old religion in Egypt during the Pharaoh's time with Maa'et teaching and Akhnaton.

It shows how Mankind was looking for something superior beyond human understanding to worship.

It gave peace of mind and protection when combined with faith.

Best wishes

Farag Hanna

 

 

Mon, 21 Mar 2005 10:58:31 -0800 (PST)

"Waleed Khalifa" <waleed_khalifa1@yahoo.com>

Very intersting article, the logic behind the ideas was presented clearly and politely.

My greetings and regards to Mr Al-Gharbi

Waleed Khalifa