Middle East Transparent

26 سبتمبر 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

ثقافة الموت تصنع الإرهاب

د.إقبال الغربي

 

أصبحت العمليات الانتحارية و خطف الرهائن و التنكيل بالجثث الخبز اليومي لوسائل الإعلام العالمية التي تتناقلها بكل شغف. و لم يعد شعار" الإسلام دين سلام و تسامح" الذي نردده عقب كل فعل دموي كافيا لإقناع الغرب ببراءة الإسلام ولتلميع صورة العرب والمسلمين لدى الرأي العام الدولي.

الجدير بنا اليوم أن نتساءل عن الأسباب العميقة الكامنة وراء هذا الهوس الجديد بالنحر و الانتحار عند شبابنا العربي. فالمضالم التاريخية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني أو الشعب العراقي غير كافية لتفسير هذه الضاهرة المتعددة العوامل.

 

  كما أن هذه الأوضاع الموضوعية لا تشرع تعاطف النخب العربية، جهرا أو سرا، مع هذا العنف اليائس و البائس. كما أنها لا تبيح التهليل و التكبير الذي يصاحب كل عملية انتقامية لا جدوى سياسية منها سوى الثأر القبلي و شفاء الغليل.

هذا العنف المجاني يغذيه تأصل غريزة الموت فينا. فالشخص المتوازن يتراوح طوال حياته بين غريزة الموت أي لحضات الضعف و التشاؤم و غريزة الحياة أي ساعات البهجة و الثقة في النفس.هذا لان جميع مضاهر السلوك الإنساني مازمية أي أنها مبنية على آلية التفاعل الجدلي و التعارض بين القوى المتناقضة.

المتطرف العصابي متسمّر في غريزة الموت وهو ما يجعله معاديا لكل أشكال الاستمتاع بالحياة عاشقا للدمار و الفناء.التسّمر العاطفي في موقف ما أي في غريزة الموت يعني أن الانتقال إلى الموقف الثاني أي غرائز الحياة صعبا أو مستحيلا و ذلك بسبب اصطدامه بعوائق خطرة. و من وجهة نظر سيكولوجية هناك العديد من العوامل التي تشجع هذا التسمّر العصا بي و تهيئ النكوص المرضي

و من بين هذه العوامل تجدر الإشارة إلى :

أهمية الارضاءات أي المكافئات الرمزية و المادية التي تثمن هذا الموقف                               * وتحيطه بهالة خاصة مما يجعل من الصعب التخلي عنه.

*العوائق التي يواجهها الفرد و تعترضه أثناء حل المفارقات و الأزمات الوجدانية عندما يختار الموقف البديل أي غريزة الحياة و شدة الاحباطات التي تصده و تشجعه على الانسحاب وعلى النكوص إلى أشكال أخرى من الإرضاء أكثر بدائية.

وإذا اعتمدنا هذا الإطار النظري فإننا نلاحظ أن ما يدعم غريزة الموت و يذكيها هو سيادة ثقافة الموت التي يمرّرها التعليم الديني و تروجها وسائل الإعلام العربية.

 

 

ثقافة الموت هذه تقوم على:

- تبخيس قيمة الفرد و تفخيم قيمة الجماعة

־ تمجيد الموت و اعتبار الحياة ممرا للآخرة بينما هي تعريفا وعد بالسعادة و بتحقيق الذات. وتتجسد هذه الرايا في رهاب أي خوف لا منطقي من الجسد، من المتعة، من الحب، من الجمال تقع صياغته في ترسانة من الممنوعات و المحرمات تجعل الأموات يصادرون من وراء قبورهم حياة الأحياء.

 

- تمرير ثقافة الفحولة التي تصنف العالم حسب الثنائية الفقهية التقليدية التي تغلب المسلم على غير المسلم، القوي على الضعيف، السيد على العبد، الرجل على المراة، الراشد على الطفل و أخيرا العاقل على المريض النفساني.هذه الثقافة المعادية لقيم حقوق الإنسان تنصب في أعلى الهرم حاكما مستبدا، مسئول بدون مساءلة كلما نكل بشعبه أكثر في حياته كلما تباكى عليه، هذا الأخير، أكثر عند مماته.

 

- تأكيد النرجسية الدينية التي تكرس العزلة الحضارية وعداء الآخر من جهة و تقدم الإسلام على انه وصي على الجنس البشري برمته و مكلف بتحريره من الشرك و الضلال من جهة أخرى.و تنتج هذه النرجسية الدينية ما سماه المستشرق مكسيم رودنسون" ثقافة الضغينة" تجاه الآخر المختلف التي تجعلنا نغتال أحلامنا بالديمقراطية و بالحرية بتعلة أنها دعاوى تغريبية نشأت في بيئات أجنبية.

 

- التزوير القوموي و الاسلاموي للتاريخ الذي يؤمثل الماضي و يعقمه و يدنس الحاضر ويؤثمه.

وتحرمنا هذه المقاربة التبسيطية لتاريخنا المعقد و الثري من تفكيك بنى الهيمنة و التمييز وتعويضها بثقافة حقوق الإنسان و القيم الكونية. كما يرسخ هذا التزوير للذاكرة الجماعية شعورا بحداد دائم على ما فات و ما ضاع منا.

 

 - ترويج المفهوم البدائي للهوية بمعنى أنها معارضة الآخر و مضاددته بينما تعرف الهوية بطريقة أكثر تعقيدا حسب الفيلسوف هابرماس فهي التوافق و التماهي مع قيم المجموعة و معالمها الهادية في مرحلة أولى بيد أن هوية الراشد تتهيكل نهائيا في مرحلة ثانية بفضل تلك المسافة النقدية إزاء أعراف و تقاليد مجموعة الانتماء و تحمل أعباء هذه الاستقلالية الوجدانية و الفكرية.

 

 

الإرهاب هو أيضا نتيجة لغياب الإصلاح السياسي الشامل في المنطقة العربية.

فتأخر هذه الإصلاحات الحيوية التي سوف تؤمن الحد الأدنى من مقتضيات الحياة العصرية و الديمقراطية تجعل التعلق بغرائز الحياة عبر الانخراط في مشروع مستقبلي  مجازفة غير مأمونة العواقب و هذا ما يغذي في المقابل غريزة الموت. فاستخفاف الشاب العربي بالموت خلال العمليات الانتحارية هو في الحقيقة استخفاف بحياة غير جديرة باسمها و لا تستحق التشبث بها . فالحياة العربية و جودتها أصبحت فعلا ارخص بضاعة في العالم نضرا لالتهميش السياسي و الاقتصادي و انسداد الأفق و انعدام الشعور بالمواطنة و تدني المشاركة في الشأن العام الخ

وفي هذا الصدد يفضل بعض الشباب الجهاد و الاستشهاد عن الموت البطيء الذي يعيشونه يوميا وهم المسكونين بجزاء الجنة و صور حور العين. وقد بين   الباحث الألماني كريستوف لوكسمبرغ المتخصص في اللغات السامية أن هذه اللفضة تعني بالسريانية " العنب الأبيض ".فاعتماد القراءة العقلانية لرموز نصوصنا المقدسة كما دعت إلى ذلك المعتزلة منذ عدة قرون هي أيضا ضرورية لتطهير لا وعينا الجمعي من دعائم الإرهاب .

 

مواضيع سابقة:

 

تطبيق الشريعة اليوم حرام

الإيدز في العالم العربي نقد المحرمات وكسر جدار الصمت والإنكار

الحجاب في زمن العولمة׃ عودة المكبوت

المثقف العربي

المرأة التونسية منعت تعدّد الزوجات منذ 9 قرون

الأخذ بالثأر عوض الأخذ الحقّ

"ستار أ كادمي" و "على الهواء" ما هي الأسباب والتداعيات

الحداثة والحداثة العربية

 

للتعليق على هذا الموضوع