01 فبراير 2005

جريمة الاختلاف

د.اقبال الغربي

 

ما الذي يجعل متطرّفاً كويتيّاً يربط ابنته الصغيرة التي لم يتجاوزعمرها الإحدى عشر سنة بحبل ويذبحها دون أن يرف له جفن أيام عيد الأضحى؟

 

ما الذي جعل متطرفاً جزائرياً يقدم على حرق أخته "مناد حاجي" ويضرم فيها النار وهي حية لا لشيء سوى أنها كانت تهوى المسرح؟

ما الذي يجعل صبيّاً في الثالثة عشر من عمره من أفغانستان يرجم أمه بالحجارة ويشارك في عملية قتل همجية ضدها؟

 

ما الذي يمكّن الفرد من "المرور إلى الفعل"، أي ما الذي يشجعه على الاعتداء على الآخر، على تعذيبه، وقتله دون أي شعور بالذنب؟

 

على المستوى الشخصي يرتكب الفرد فعلا إجراميا قصد العقاب وبحثا عن القصاص. فالمجرم يرغب لاشعوريا في أن يُلام ويُعاقَب. ويلعب ﻫﺫا العقاب المنشود دورا محددا في هيكلته النفسية. فهو وسيلة لتلطيف مشاعر الإثم والخطيئة المتأصلة في أعماقه والمرتبطة برغبات "أوديبية" متعلقة بنكاح المحارم.

 

ولعل ﻫﺫا الشعور بالذنب هو المحرك الأساسي في عملية المرور إلى الفعل عندما تتفجر النزوات المكبوتة ويصبح الفرد عاجزا عن التحكم فيها فيسعى إلى إلغاء مصدر الفتنة لتطهير المجتمع من الجسد، من الرغبة، من المتعة...

 

الفعل الإجرامي هو أيضا ردة فعل بدائية ضد أزمات القلق الداخلي الناتجة أساسا عن قلق الخصاء وفقدان الأمن الأساسي، أي فقدان تلك المناعة العاطفية وﺫلك الشعور اﻟﻟﺫﺫ بالحب اللامشروط. فهو دفاع ضد مشاعر الدونية وإثبات للرجولة وتأكيد لها في مجالات أخرى تعوض المجال الجنسي. هو صرخة يأس تبحث عن الحب والاعتراف، هو انتصار لغريزة الموت، للكراهية والسادية.

 

أما على المستوى الجماعي، فثقافة التكفير المتسمرة في جنون النقاء والصفاء هي التي تجفف ضمير القاتل الأخلاقي وتجمد حساسيته وتحرره من واجب احترام الحياة البشرية. 

 

وهو ما نعيشه ﻫﺫه السنوات العجاف، عندما زعم نفر من الناس لم يخترهم احد أنهم أصبحوا أولى الأمر يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و نصبوا أنفسهم سلطة عليا لا تتورع عن التدخل في رغبات الناس وميولهم. وفي محاولة لتطبيق نظامهم الأخلاقي الصارم، روجوا الفتاوى الهاﺫية لمصادرة عقول الناس و أجسادهم.

 

ولأنهم مركز الكون، وآراؤهم حقائق مطلقة لا غبار عليها، أنكروا حق الآخر في الاختلاف لان مجرد تواجد الآخر المُختَلِف هو تكذيب لادعائهم الشمولي. وهو ما جعلهم يعاملون الآخر لا كمغاير نتحاور معه بالحسنى، بل كعدو لا تنفع معه إلا التصفية الجسدية والرمزية.

وغالباً ما تجسد المرأة في خطاباتهم الآخر المختلف بامتياز والطرفَ المسؤول عن كل مصائب الأمة ومتاعبها التي لا تكاد تحصى.

ففي بيان صدر ﻤﺫ سنوات عن جماعة مسلحة جزائرية اخدت على عاتقها مسؤولية تطبيق الشريعة نقرأ ما يلي׃ "إن الجماعة تمنع بنات المسلمين ونساءهم من الخروج من بيوتهن عاريات ومزاولة الخبث والعهر ناشرات شعورهن كاشفات عن سوءاتهن،  فلا عمل ولا دراسة. فمن استجابت منهن فيها ونعمت ومن عاندت وأبت وزان الله على قلبها و ختم على سمعها و طمس على بصرها فان حكمها القتل دفعا لفسادها."

 

أما حركة طالبان الأفغانية التي ظهرت في أغسطس، 1994  فقد دشنت شريعتها "غير السمحاء" إبان وصولها إلى السلطة بمجموعة من القرارات الكئيبة المعادية للمرأة وللحياة بصفة عامة نذكر منها׃ إلزام المرأة الحجاب الأفغاني، إلغاء مدارس البنات ،إقامة الحدود وإجبار الناس على الصلاة ،منع الموسيقى والرقص والغناء والرسم والنحت والرواية،  إغلاق محلات الملابس الخاصة بالنساء  ومصادرة مجلات الخياطة النسائية ، تحريم التلفزة والسينما...الخ.

 

و قد وزعت وثيقة لهذا الغرض على مختلف المؤسسات المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

والملفت للانتباه أن ﻫﺫه القوانين التفتيشية -محاكم التفتيش- التي تزاحم المأساة فيها الملهاة ليست شيئا قليل الأهمية. فهي تعكس بنية معرفية و نفسية تتميز بها الحركات الشمولية المعادية للثقافة والحياة.

 

و يستحسن أن يقف عندها العقل مطولا لأنها تنطوي بالقوة، انطواء البذرة على النبتة، على نمط تسيير المجتمع التوتاليتاري المنشود الذي تطمح إلى تأسيسه الحركات الإسلامية المهووسة بآليات التحريم و التجريم والتكفير . 

 

 ﻟﺫلك نرى البعض، في عصر تعبئ فيه الأمم جهودها في معركة الإنتاج الحضاري، مازال يتجادل في الصحف و عبر الفضائيات حول جواز أو عدم جواز خروج المرأة إلى المسجد أو حول ماهية صوت المرأة هل هو عورة أم لا.

 

إن إثارة مثل ﻫﺫه المسائل الشكلية واختراع مثل ﻫﺫه القضايا المصطنعة التي تشغل الناس عن الرهانات المصيرية يشوه الإسلام حتى عند معتنقيه، خاصة عندما يختزله البعض في لائحة غبية من الأوامر و النواهي شبه العسكرية.

 

كما تمثل ﻫﺫه المهاترات تعسفا على التاريخ و تنكرا لوقائع معبرة أوردها الأسلاف وسجلوها. فهل هي محاولة لمصادرة الماضي وتزييف الذاكرة الجماعية وتكييفها حسب أهواء ومطالب الأصوليين؟

 

فهل يجهل هؤلاء أن الرسول (ص) كان يجتمع بالنساء و يناقشهن دون عقد، وتوجد مئات الأحاديث النبوية التي تروي كيف استضافت النساء الرسول وتحدّثن إليه وسألنه وأجابهن؟

 

كما تقر القرائن التاريخية مشاركة النساء في البيعة، أي الانتخابات، وفي الصلاة في المساجد التي كانت بمثابة الساحة العامة تلقى فيها الخطب السياسية ويناقش فيها الشأن العام. كما جادلن الخليفة عمر بصوت جهوري وهو فوق المنبر، ولم تعتبر ﻫﺫه الظاهرة إثما لا في عهد الرسول ولا في عهد الصحابة.  وهو ما يجعلنا نعتقد أن الايدولوجيا السائدة اليوم عند المتطرفين هي "إسلام مضاد للإسلام" يريد أن ينتزع من ذاكرة الأمة ومن وعيها المكتسبات النسبية التي حظيت بها المرأة المسلمة في القرن السابع ميلادي وأن يتراجع عنها.

فهل ننسى أن أم أبان بنت عتبة اختارت زوجها بحرية قصوى، فرفضت طلب عمر ابن الخطاب للزواج وهو أمير المؤمنين وسيدهم، وفضلت الارتباط بطلحة ابن الزبير بكل استقلالية وتأكيد للذات .

 

وﻫﺫه عائشة بنت طلحة ترفض أمر زوجها لها بارتداء الحجاب. لماﺫا؟  تجيب حفيدة الخليفة أبي بكر الصديق بثقة في النفس لا حدود لها׃ "لان الله تبارك و تعالى وسمني بميس من الجمال أحببت أن يراه الناس ليعرفوا فضلي عليهم!"

 

و تصل الجرأة بحفيدة أبي بكر وبنت أخت عائشة أم المؤمنين حد الطلب من والي مكة الحارث المخزومي الذي كان يهواها أن يؤخر الصلاة حتى تنتهي من طوافها...

 

وﻫﺫه سكينة بنت الإمام الحسين شهيد كربلاء وسليلة البيت النبوي تفتح صالونا أدبيا في منزلها في المدينة المنورة التي كانت يومئذ عاصمة ثقافية ﺫرت الغبار في وجه روما وأثينا، فتستقبل الشعراء والرواة والمطربين اﻟﺫين كانوا يمكثون في ضيافتها أياما و ليالي ومنهم المطرب البغدادي الشهير حنين النصراني. فتطارحهم قصائد الغزل وتجادلهم في أشعارهم، وقد قال فيها عمر ابن أبي ربيعة شعرا كثيرا. وكان ﺫلك معروفا مشهودا لم ينكره احد من فقهاء المدينة السبعة على سليلة البيت النبوي. وبالأحرى على أية فتاة أخرى من عامة المسلمين. ففد تميز هؤلاء الفقهاء بنضرة جدلية لواقع دائم التنوع والتجديد متحررة من الحرمان والقهر. كان ﻫﺫا في فترة المد الحضاري عندما كنا امة راقية تعشق الحياة تحمل مشعل التقدم والتطور. 

 

جامعة الزيتونة

 

مواضيع ذات صلة:

 

تكفيري كويتي نحر ابنته وهي تتوسل: "يبا.. السكين تعورني" ! أجابها: "تشهدي.. راح تروحين الجنة"

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

“Lois A. Giffen" <lgiffen@utah-inter.net>   

Date: Fri, 4 Feb 2005 17:30:36 -0700

 

Dear Dr Iqbal Al-maghrabi,

I just admire your thoughts in this excellent article about  this important subject.I think this article should be required reading for all Muslim young people who are exposed to the misleading and dangerous ideas of the fanatics .It clearly reveals the shallowness of the thinking of the fundamentalists who misinterpret their religion and human history .Would you please write more about this most important subject with the hope of spreading  your enlighted humanistic values to all people on this planet. Thank you very much.