17 اكتوبر 2005

 

 

 

 

أين العرب والمسلمون من زمن الصفح والغفران

د. إقبال الغربي

 

 تأسست الديمقراطية الوليدة التي تلت الحرب الأهلية التي مزقت أثينا بعد حربها الضروس مع اسبرطة سنة أربعة مئة وثلاثة   قبل الميلاد على مصطلح سياسي جديد على الفكر الإغريقي هو مفهوم العفو العام المصالحة   homonoia كفعل سياسي بامتياز. ويمكننا الإطلاع على البند الكامل للقانون المؤسس لهذا المفهوم في مؤلف لأرسطو " دستور أثينا". وقد عرف أرسطو قانون الصفح والمصالحة بكونه استعمال سياسي للمصائب وعلاج مدني للحقد والكراهية. واليوم وفي عصرنا الحالي لا تزال الأحقاد الموروثة عن الحروب والتوترات الخطر الأكبر الذي يهدد السلم والأمن العالميين.

ولهذا السبب تجتاحنا في السنوات الأخيرة موجة تطهير الضمير وتقديم الاعتذارات وإعلان التوبة من طرف طغاة العالم وأسياده.

 

ولعل ما يلفت الانتباه هم امتداد ا قائمة من يشعرون اليوم بالندم ويسعون إلى طلب الصفح والغفران:

فهذه الكنيسة الكاثوليكية تقدم الاعتذارات لموقفها القديم من اليهود وكذلك لنشاطاتها التفتيشية التعسفية ضد حرية الفكر والمعتقد. وهذا المجتمع الفرنسي يمزقه الندم عن مواقفه السابقة من محاكمة الضابط دريفوس وحكومة فيشي المتواطئة مع النازية وهاهي تفتح ملف التغييب والتعذيب وشناعاته في محميتها السابقة الجزائر. وهذه سويسرا تعاني من وخزات الضمير يما يتعلق بالملابسات التي أحاطت بموقفها الحيادي أثناء قيام الجبهة المعادية للنازية. وهذا توني بلير الوزير الأول البريطاني يعتذر للايرلنديين عما اقترف في حقهم.وهذه روسيا تقدم اعتذارات علنية إلى شعوب أوروبا الشرقية عن الإساءات السابقة.

.

 أما موقف إفريقيا الجنوبية فقد تمثل في إنشاء لجنة لكشف الحقائق وإقرار المصالحة العامة بفضح جرائم كل الأطراف المتورطة في المنظومة العنصرية البائدة التي دامت قرابة الثلاثين سنة في جو من الندم والصفح الاجتماعي. ولأول مرة في التاريخ شملت هذه الظاهرة النبيلة بلدان عربية مثل المغرب التي أنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة ونظمت جلسات إنصات عمومية تبث مباشرة على الهواء عبر الإعلام السمعي والبصري لضحايا التعذيب الذين تعرضوا للخطف والتنكيل والمحاكمات التعسفية خلال الأربعين سنة الماضية.وتسعى هذه المبادرة الفريدة من نوعها في العالم العربي  إلى إعادة الاعتبار الرمزي لعشرات المناضلين لا ذنب لهم سوى محاولة المشاركة في الحياة السياسية وتمكينهم من التعويضات عما تكبدوه من خسائر جسدية ومادية ومعنوية.

 

وهذه الجزائر تقر مشروع ميثاق للسلم والمصالحة الوطنية محاولة طي صفحة سنوات الجمر التي عاشتها في العشرية الأخيرة من جراء الحرب الأهلية الدموية التي خلفت خمس مئة ألف قتيل من بينهم عدد كبير من المفكرين والمثقفين الأحرار الذين عادة ما يمثلون كبش فداء يقع تحميله جريرة التوتر الاجتماعي.

 

بل إن "الإمبراطورية الجديدة" نفسها تساءل اليوم مسلماتها وتعيد النظر في قناعاتها. فهي لا تخفي شعورها بالذنب تجاه سياستها العبودية التي عانى منها الامركيون الزنوج لمدة قرون مضت وكذلك تجاه الضحايا الأبرياء لحرب الفيتنام التي زارها كلينتون قبل رحيله من البيت الأبيض. وقد أدت صحوة الضمير هذه إلى قيام مجموعات أميركية تشكك اليوم في مشروعية إلقاء قنبلة هيروشيما النووية على اليابان إبان الحرب العالمية الثانية وتتساءل عن ملابساتها وعن جدواها السياسية.

 

وضمن صحوة الضمير العالمية التي طالت جل الأمم والشعوب والتي تدعو إلى طي صفحة الماضي الكئيب ومحاولة الانتقال إلى مرحلة أكثر إنسانية ورحمة لا يزال المسلمون كأمة متشبثين بثوابت عصابية رافضين الاقتداء بهذه السوابق والمساعي.

 

فنحن لا نزال مصرين على أننا ضحايا وأبرياء أبديون.

تاريخنا ملائكي.

استعمارنا فتوحات.

غزاتنا محررين.

عنفنا جهاد مقدس.

قتلتنا شهداء.

سوء فهمنا للقران وانتهاكاتنا اليومية لحقوق المرأة والطفل والأقليات شريعة سمحاء.

 

فإذا كانت مجتمعاتنا لم تعرف إلى حد اليوم سوى ثقافة الضغينة على حد تعبير ماكسيم رودنسون والحقد وطلب الثأر فهل نحن قادرين على إعادة صياغة الروابط الحضارية والأخلاقية والإنسانية مع الآخر وتجاوز أحقادنا البدائية و جرحنا النرجسي ومطالبنا التعويضية الشاسعة والواسعة. هل بإمكاننا تجاوز الموروث الثقافي الحالي المطبوع بهذيانات العظمة واحتقار الآخر ومسخه.

 

هل يمكننا الانخراط في نقلة حضارية متكاملة ومسار تاريخي جديد يمكن المواطن المسلم من استبطان مقاصد الشريعة دون المرور بوهم التعالي.

 

لا شك أن الاعتداءات والغزوات وممارسات الإبادة الهمجية طبعت التاريخ البشري وانتشرت في كل أنحاء العالم يستوي في ذلك المسلمون وغير المسلمون.ولكن ما نختلف فيه اليوم هو مدى وعيينا للتاريخ وتوعيتنا به ومدي تقييمنا للأحداث والماسي الفارطة ومدى تبريرها باسم الإسلام جملة وتفصيلا.

 

من الأولويات اليوم إعادة النظر في تاريخنا الإسلامي الثري والمعقد وتبني المقاربة العقلانية القائمة على مبدئي التاريخية والنسبية.لان ما نعيشه اليوم هو محاولة لتزوير التاريخ وتصفية الذاكرة الجماعية ونمذجتها في رؤى نرجسية معقمة تتلاءم مع مقولات الحركات الإسلامية المتطرفة التي تدعو إلى النهل من الينابيع الحية الأولى والعودة التوهمية إلى نقطة الصفاء والنقاوة لعصر الخلفاء الأوائل.

 

بينما تبين لنا الحقائق التاريخية أن هذه الدولة التي أضفي عليها الطابع المثالي لم تكن سوى دولة الحرب الأهلية المقنعة أو الفعلية. لقد كانت دولة تحيل إلى الحقيقة السياسية بكل ما فيه من قسوة حين كانت أدنى خصومة تعالج بإراقة الدم. فهل ننسى حادثة السقيفة ومعركة الجمل التي قادتها السيدة عائشة وكيف نبرر اغتيال الصحابة.  وكيف نمحي من ذاكرتنا   ضرب الكعبة المكرمة بالمجانيق وكيف ألغى عبد الملك ابن مروان فريضة الحج ومنع أهل الشام من التوجه إلى الكعبة لان ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة. وكذاك تراجع عبد الله ابن الزبير عن الصلاة عن الرسول ص في خطبته قائلا إن له أهل سوء يشرئبون لذكره ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به.

 

فلما نحجب الحقائق ونطمسها ونغالط أطفالنا.

 

لماذا لا نسمي الظواهر بأسمائها ونضعها في إطارها التاريخي.

لماذا نصر على تجميل التاريخ وعلى العيش خارجه.

 

إن المناخ الإيديولوجي الجديد يحتم علينا الانخراط في وتبني منظومة حقوق الإنسان واعتبارها قيمة حضارية انجازية وليس مجرد مناورة مرحلية في انتظار تحول في موازين القوى الدولية أو قيام دولة الخلافة الإسلامية.

 

ولإبراز حسن نوايانا علينا اتخاذ بعض الخطوات العملية:

 

فلا بد للكتلة الإسلامية أن تتبرأ نهائيا وإمام العالم عن هذا الإسلام المهووس بالتكفير والتخوين الذي يقسم العالم إلى دار إسلام ودار كفر دار حرب ودار سلم والذي ينسف كل حوار جدي بين الأديان أو الثقافات.

 

لا بد أن نتبرأ من أحكام أهل الذمة التي تملا الكتب الفقهية ونعتذر للأقليات المسيحية واليهودية ونكف عن قلب الحقائق وإيجاد التلفيقات البائسة محاولين إثبات المكانة السامية التي كانت تتمتع بها هذه الأقليات في إطار الدولة الإسلامية وذلك بالاستشهاد بأحداث معينة من التاريخ وعرضها مبتورة وغير كاملة وأحسن مثال على ذلك العهدة العمرية الشهيرة التي نقدمها كمثل أعلى في التسامح والعيش المشترك!!

 

ولا بد أن نقيم التاريخ الإسلامي تقييما موضوعيا فنعتذر اعتذارا علنيا وتاريخيا للأفارقة الذين اختطفوا واستعبدوا وشردوا من ديارهم عبر سواحل بحر العرب والبحر الأحمر ومنهم من أوهم بالترحيل إلى الحج ثم أوقع به في شراك الرق. وقد لعب العرب والمسلمين دورا بالغا في هذه التجارة البغيضة وتسببوا لوحدهم في اجتثاث عشرون مليون شخص علما أن ضحيا تجارة الرقيق يقدرون بأربعة مئة مليون فرد.

 

لا بد أن نعتذر للأقليات الدينية والطوائف الإسلامية الصغيرة مثل الاسماعلية والبهائية والعلوية والدرزية عن الإهانة والإذلال الذي الحق بها. ولماذا لا تطلب الكتلة السنية الصفح من الشيعة عن مذبحة كربلاء وقتل الحسين سعيا منها لطي صفحة الماضي الأليم اقتداء بصفح الفاتكان وغفرانه بالنسبة لدم المسيح كما اقترح المفكر صادق جلال العظم.

 

إن مبدأ تحمل مسؤولية الأفعال والأخطاء هو أرقى أنواع المسؤوليات فبفضله نتجاوز تمجيد الذات النرجسي.فالتحليل النفسي يعلمنا أن الشخص أو أي مجموعة ثقافية تزداد نضجا كلما انتقلت من منطق إلقاء التبعات على الآخرين واتهامهم إلى منطق مراجعة الذات ومساءلتها والنظر في مدى تورطها في هذا الاتهام.

كما يلعب عمل الذاكرة هذا دورا مهما في تطهير القلوب وغسلها من الحقد وتأسيس عقد عالمي جديد.

 

كما يساهم هذا العمل في غرس مبدأ النسبية الذي سوف يقضي على "أحاسيس الذل بالوكالة" المتنامي لدى الشباب.هذا الإحساس الذي يعتبره عالم الاجتماع فريد كوسافوكار عاملا أساسيا في انتشار الإرهاب عندما يرى البعض ما يتعرض له المسلمون من ذل وعذاب في هذا البلد أو ذاك وهو ما ينمي مشاعر العنف والانتقام تجاه الغرب المتآمر على الأمة على مر العصور والمتسبب في جميع مصائبها ومآسيها. بينما يؤكد لنا الفكر النسبي أن التاريخ ليس سوى سلسلة من تداول الأدوار. فطغاة الأمس أصبحوا ضحايا اليوم ... فلا وقت اليوم للمرارة واجترار الآلام بل الأجدر بنا الانخراط في المواطنة الكسموبولتية لرفع تحديات الألفية الثالثة من جوع يلتهم الملايين واختلال بيئي واتساع الهوة بين أغنياء العالم وفقرائه الخ...

ahikbal@yahoo.fr

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

Mon, 17 Oct 2005 17:36:01 -0700 (PDT)

From:  "george elkess" <elkess2003@yahoo.com> 

 

Dr Ikbal,

 

Thank you for this article. It is beautiful and well structured. I wish you are writing it from Cairo or Gaddah so it might be better heard. I hope people in the Arab world will read it and understand it. I hope just one person brave enough to stand up and say "Sorry". I doubt that Moslems know how to say "Sorry". How come? They are always victims and the whole world is their slaves as they are the superior race with the superior religion.

I'm sorry for them. They don't know what really they are and how much they worth within the world people.