Middle East Transparent

9 سبتمبر 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

تطبيق الشريعة اليوم حرام
د. اقبال الغربي

 

" إذا كان تطبيق الشريعة مضراً بالشريعة فتطبيق الشريعة حرام ".

من قال ذلك ؟ امرأة مثلي يصفها حديث مشكوك في صحته  بأنها ناقصة عقل الاستعمال. بل قائله رجل سلفي وفضلا عن ذلك مجاهد ضد الاستعمال. هو المصلح علالة الفاسي في كتابه "دفاع عن الشريعة".

 لماذا العودة إلى هذه المسائل القديمة لان الإحداث المؤلمة التي عاشها العراق في بداية هذا الصيف من نسف للكنائس و ومطاردة لمجموعات من الشباب بتهمة شرب أو بيع الخمور بدعوى تطبيق الشريعة يطرح علينا إشكالية حساسة هي الإسلام و تحديات العصر.

و مطارحة هذه القضية لا يعني بالضرورة إيجاد حل سريع لها بل هو طموح الى استطلاع فكري و تأمل مثمر.

*

 اليوم في العالم العربي تطبيق الشريعة حرام لأنه يهدد التوازن الحضاري الذي عاشته المنطقة منذ قرون. فهجرة المسيحيين العرب إلى الغرب هو مثلا وصمة عار في جبين الأمة. فالإحصائيات تبين أن المسيحيبن العرب الذين يشكلون اليوم 12 مليون نسمة تضاءل عددهم و تقزم تواجدهم في المنطقة العربية. إذ لم نعد نجد في سوريا سوى نصف العدد الذي كان موجود في الخمسينات و هم اليوم في القدس بضعة ألاف بعد أن كانوا 50 ألف في 1948. بينما يمثل وجود هذه الأقليات التي تضرب جذورها في عمق التاريخ (العراق من أول المناطق التي اعتنقت المسيحية و سوريا أعطت للعالم سبعة باباوات و أنجبت العديد من الأباطرة الرومان) تلك البذرة المشاعرية والنقدية التي تجعلنا نقيم الواقع تقييما صحيحا و نعالج القضايا معالجة لائيكية وموضوعية.

 من جهة أخرى، تطبيق الشريعة في عصرنا مضرّ بالشريعة وبالأمة الإسلامية والتي ستجعل من نفسها أضحوكة الدنيا بقطع يد السارق من أجل "ربع دينار" ورجم العاشقين وعقاب من يشرب كأس خمر بمائة جلدة على قارعة الطريق العام ودقّ أعناق من اعتنقوا دينا آخر أو لم يأخذوا بدين من الأديان... بل ان الولايات المتحدة تتخذ يوما ما من انتهاكنا " لميثاق حقوق الإنسان " ذريعة لاحتلالنا لتجعل منا هنودا حمرا آخرين. لأنه تبين اليوم وفي عصر العولمة أن أي قضية داخلية لا تقع معالجتها بإصلاحات جذرية تصبح قضية دولية.

        بقطع النظر عن تحقّق هذا الافتراض، فالمطالبة بتطبيق الشريعة اليوم كلمة باطل أريد بها باطل،  تدلّ على جهل أنصارها المطبق بتاريخ الإسلام من جهة ومقاصد الشريعة من جهة أخرى.  الرسول (صلعم) لم يطبق الشريعة بحذافيرها لأنّها لم تنزل عليه دفعة واحدة بل جاءت متدرّجة طيلة اكثر من عشرين سنة كجواب على المشاكل التي طرحها تنظيم الأمة الجديدة وعلى تحديات بني إسرائيل في المدينة الذين كانوا يغيظون رسول الله بقولهم له: الله حرم في التوراة كيت وكيت ولا شيء من ذلك في القرآن،  الذي ينبغي عليه في نظرهم تبنّي القائمة الطويلة والمرعبة من المحرمات وعقوبات انتهاكها.  ففي التوراة مثلا يرجم الزاني حتى الموت سواء كان محصّنا (متزوجا) أم لا،  ويرجم الإنسان إذا جدّف ويرجم إذا قال لأبويه افّا...

لم يأخذ القرآن من كل ذلك إلا الرجم في زنى المحصنين والمحصّنات ثم نسخه كما سنوضّح ذلك بعد قليل.

        جزء مهم من القرآن (أكثر من 2000 آية حسب البعض) منسوخ. لأنه كلما تغيرت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للأمة الإسلامية الناشئة ثمّ نسخ الآيات القديمة التي لم تعد صالحة للمتغيّرات الجديدة. وتؤسس آلية النسخ وأبعادها العميقة لبيداغوجا التكيف والتجديد أي محاربة الجمود الفكري وعدم التسمر في الثوابت. وفي هذا الصدد نذكر أن الإسلام يستحث على استعمال العقل والحكمة.

فمهمة الرسول ليست تبليغ الوحي و تفسير النص فقط بل أيضا التدريب على استعمال العقل. وهو ما نستنتجه من الآيات الكريمة يتلو عليكم آياتنا و يزكيكم و يعلمكم الكتاب و الحكمة ( البقرة 151 ) ويعلمه الكتاب و الحكمة و التوراة والإنجيل (عمران 48 ). و لهذا السبب لم يتوقف نسخ القرآن بعد موت الرسول لأن الأوضاع الاجتماعية لم تبق ساكنة بل واصلت حركتها الدائمة من البسيط إلى المركب. لذلك واصل الخلفاء الراشدون الأربعة نسخ وتعديل الآيات المتعلقة بالمعاملات طبقا لمقاصد الشريعة القائمة على "جلب المصالح ودرء المفاسد". مثلا: نسخ أبو بكر الصديق الآية 60 من سورة الاتهام: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم" أي الدّاخلين حديثا في الإسلام،  الذين ظلّ الرسول طيلة حياته يعطيهم نصيبهم كاملا من الزكاة. والمثير للانتباه أن أحدا من الصحابة لم يجادله في ذلك ولم يتّهمه بالخروج عن الإسلام كما يفعل بعض المهووسين بالتخوين والتكفير اليوم.

        حجّة أبي بكر في نسخ حكم هذا الآية عقليّة لا نقليّة: "لقد قوي الإسلام ولا حاجة لنا بهم". لماذا ؟ لان ميزان القوى بين المسلمين والمشركين تغيّر عمّا كان عليه عندما نزلت آية المؤلفة قلوبهم إذ كانت الأمة مستضعفة وفي حاجة لإغراء الناس بالحوافز المادية للدخول فيها. أما عندما قويت عددا وعدّّة فلم تعد بها لذلك حاجة. يروي لنا المفسر الكبير ابن جرير الطبري في هذا الصدد رواية عامر: "إنما كانت المؤلفة قلوبهم على عهد النبي. فلما ولي أبو بكر انقطعت الرّشي" ( جمع رشوة ).

        بنفس العقلية المتفتحة على الجديد في الحياة وتقديم المصلحة العامة على النص من كتاب أو سنّة نسخ عمر بن الخطاب حدّ السرقة عام الرمادة عندما حلت الجزيرة العربيّة مجاعة... مع أن آية قطع اليد مطلقة وحاسمة: "السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا" (38 المائدة). السبب؟ هو تغيّر الوضع الاستراتيجي للامة الإسلامية في عهد عمر عمّا كان عليه في عهد النبي (صلعم) فقد أصبحت امة فاتحة رسمت لها مشروعا عسكريا هائلا: تقويض الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية... ولا يمكن تحقيق ذلك بجيش من ذوي اليد الواحدة ففي عام " الرمادة " سرق في مكة والمدينة وحدهما خمسة عشر ألف سارق... ولا شكّ أن عددهم في باقي أنحاء الجزيرة كان أضعاف ذلك.  نسخ عمر أيضا الآية 41 من سورة الأنفال: "واعلموا إنما غنمتم من شيء، فان لله خمسه وللرسول وذوي القربى". جرت السنّة النبوية على تطبيق هذه الآية منذ نزولها،  ففي غزوة خيبر احتفظ رسول الله لنفسه بخمس الغنائم وقسّم الباقي بين أفراد الجيش،  لكن الوضع تغيّر جذريا في خلافة عمر،  فقد تمّ فتح "ارض السواد أي أراضي العراق ومصر التي تسقى بماء الرافدين (دجلة والفرات) والنيل. والملكيّة الخاصة لم تكن صالحة في الأراضي النهرية الخاضعة لنمط الإنتاج الآسيوي... لان الحاكم هو الذي يتولى خلال موسم الفيضان تعبئة الجماعة الفلاحية للقيام جماعيّا بالإعمال الزراعية. بالطبع لم يسلّم المسلمون بنسخ الآية بل انهم ناقشوا الخلفية أياما وليالي في ذلك. وكانوا فريقين: نقلي وعقلي،  فريق النقليين يقوده بلال بن رباح والزبير بن العوام،  وقد رفض نسخ الآية غير مبال بالمتغيّرات الجديدة،  وفريق العقليين وعلى رأسه معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب وعمر نفسه. وكان يقدّم العقل على النقل أي المصلحة العامة للناس على نص الآية. وهو الذي انتصر فنسخت الآية واعتبرت ارض السواد فيئا موقوفا على أبناء الأمة الإسلامية.

        أما عثمان بن عفّان فقد ذهب ابعد من سلفيه في نسخ نصوص السنّة والكتاب حتى في مجال العبادات. فقد أتم الصلاة في مني وكان الرسول (صلعم) والشيخان (أبو بكر وعمر) من بعده يقصّرونها. أما في المعاملات فقد ادخل تجديدات كثيرة لا عهد للمسلمين بها دفعت إلى الثورة عليه وقتله شرّ قتـلة. مثلا: ادخل ضرائب جديدة فارسيّة في حين لا يعترف الكتاب والسنة بغير ضريبتي الزكاة والخراج... كما آثر أهله بوظائف الدولة وأموال بيت مال المسلمين... ممّا دفع بالاشتر احد كبار القراء الذي سيقود الثورة عليه بأن يكتب رسالة له جاء فيها: "من مالك بن الحارث الاشتر إلى الخليفة المبتلى،  الخاطىء،  الحائد عن سنّة نبيّه،  النابذ لحكم القرآن وراء ظهره..." وهي لغة تكفيرية تذكّرنا بفتاوى التكفير والقتل لدى الجماعات الإسلامية المتطرّفة اليوم.

        لم يشدّ الخليفة الرابع علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه عن سيرة أسلافه الراشدين الثلاثة في تقديم ما يراه مصلحة للامة على النص من كتاب أو سنّة. وسأضرب هنا مثلين لا جدال فيهما: أوّلا استحداثه حدّ الخمر وثانيا رفضه لا قامة الحدّ على قتله عثمان الذين بايعوه بالخلافة.

        حرمت الخمر بالآية 90 من سورة الأنفال: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه". لكن القرآن لم يشرّع حدّا لمنتهك تحريم الخمر والميسر (قمار الرهان) والأنصاب (التكهن بالمستقبل من خلال فحص أحشاء الضحية ) والازلام (رمي القرعة). ولم يقم الرسول الحدّ على شارب الخمر. وكذلك لم يفعل أبو بكر ولا ـ على الأرجح ـ عمر الذي نجد في سيرته إخبارا كثيرة عن عدم جلده للسكارى، منها انه كان يقول للشرطة الذين يسوقونهم إليه: "شاهدت الوجوه التي لا ترى إلا في الشرّ،  خلّوا سبيله " رغم أن فريقا من الرواة السنّة زعموا انه حدّ ابنه سالما في شرب الخمر حتى قتله تحت الجلد... ولم يشعروا في هوس تبرئتهم له من اتهام الشيعة له بمواصلة الإدمان على الخمر حتى بعد إسلامه،   بعبث مبالغتهم إذ جعلوه يرتكب جريمة فظيعة وهي قتل ابنه في حدّ لم يرد في كتاب أو سنّة. وهذا بيت القصيد،  لان الإمام عليا هاله استفحال تعاطي الكحول وما ترتّب عنها من الموبقات بعد انتشار الفتح وتهاطل الغنائم على مكّة والمدينة وانتشار الفساد والسكر فيها... في محاولة لدرء هذا الفساد لم يتردّد الإمام علي في مخالفة الكتاب والسنّة مستحدثا حدّا لشرب الخمر قياسا على حدّ القذف. لكنه لم يعمم نفس الحد على الميسر والأنصاب والأزلام رغم أن الآية عطفتها على الخمر... لعل ذلك راجع إلى أن هذه الممارسات ظلت محدودة عكس انتشار تعاطي الخمور لدى الشباب المسلم في مكة والمدينة آنذاك.

        أما الحالة الثانية التي رفض فيها الخليفة الراشد الرابع تطبيق الحد فهي رفضه تسليم قتله عثمان وقادة الثورة عليه الذين انضموا إليه،  وهو ما كان يطالب به لحاجة في نفس يعقوب معاوية وطلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة. قاتلا عثمان هما محمد بن أبي بكر الصديق والاشتر النخعي الذي سبق له أن نعت عثمان بـ "النابذ لحكم الله وراء ظهره". الأول سمّاه علي واليا على مصر حيث قتله عمرو بن العاص ووضع جثتّه في جوف حمار واحرقها. والثاني عيّنه الإمام قائدا على جيشه في معركة صفّين.

        نسخ الخلفاء الراشدين الأربعة،  خريجي المدرسة المحمدية بامتياز،  للحدود مستلهم من نسخ الرسول لها عندما يرى عدم جدوى تطبيقها أو مخالفتها لحقوق الإنسان الطبيعية،  كما فعل مع آية رجم الزاني والزانية حتى الموت. وهذه الآية يتيمة لا رقم ولا سورة لها لان الرسول محاها من الألواح القرآنية. وهي الآية القائلة: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا لله". تزعم الشيعة بان الآية لم يحذفها الرسول (صلعم) وإنما ظلت باقية في مصحف علي إلى أن حرقه عثمان لما احرق جميع المصاحف الأخرى بعد جمع القرآن في مصحفه المتداول اليوم. وإنما الذي نسخها هو عمر الذي: " بلل إصبعه بلعاب لسانه ثم محا آية الرجم من لوح ابنته حفصة " وهو ادعاء قليل الجدية إذ لو فعل عمر ذلك لثارت عليه ثائرة الرجال الذين لا مصلحة لهم في إلغاء الرجم... لكن احتفاظ الشيعة بعد الرجم يبقى منطقيا في منطقهم اللامنطقي طالما الآية مازالت عندهم تتلى. أما الغريب فهو تعليل أهل السنة والجماعة للإقرار بمحو الرسول للآية والاحتفاظ بأحكامها. " يقول المفسّرون أن آية الرجم هذه نسخت تلاوة وبقيت حكما" (مختصر سيرة ابن هشام ص 313 ) أي أن تلاوتها أصبحت حراما أما حكمها فما زال حلالا.

        حقيقة ليس بوسعنا مهما أعطينا لعقلنا النقدي إجازة أن نقبل مثل هذا التناقض الصارخ: آية تنسخ من القرآن بنصها ولا تصح الصلاة بها ومع ذلك يبقى حكمها اللانساني،  الرجم حتى الموت،  ساري المفعول. طبعا لا داعي ليكون المرء خبيرا في علم النفس ليرى بصمات عقدة أوديب التي تجعل الرجل يتخيّل كلّ امرأة عدا أمه "بغيا" جديرة بالاحتقار والعقاب،  مقروءة بين سطور حكاية نسخ الله لتلاوة آية "الشيخ والشيخة" وإبقائه على أحكامها. قلة من المفسرين لم يفتهم هذا التناقض وقالوا أن عمر اقرّ بان الآية منسوخة تلاوة وحكما. لكن جمهورهم لجأ إلى حشد من الأخبار الكاذبة القائلة بان عمر رجم فلانة وفلتانة وفلانا وفلتانا.. بل بلغ ببعض المؤرخين السنّة هوس تبرئته من اتهام الشيعة له بنسخها انهم نسبوا إليه خطبة كاملة أشبه بخطبة الوداع: "اخشي أن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلّوا بترك فريضة انزلها الله..."

        وهو أسلوب فقهي مفكك ومائع لا علاقة له بأسلوب عمر العصبي الحاسم.

        العلة كامنة في اعتماد القراءة الحرفية للكتاب والسنة بدلا من قراءة رمزية وعقلانية تقدم مصلحة الأمة على نصوص تراثها كما فعل الفريق الأكثر صلاحا من السلف الصالح تجعل منّا امة بين الأمم الراقية تقدم العقل على النقل ومصلحة الإنسان من لحم ودم على عبادة الأسلاف.

        إذا لم تبادر إلى ذلك بأقصى السرعة والحزم فسنبقى امة من العهد الزراعي،  لا مكان لها تحت سماء الثورات الصناعية المتلاحقة... امة على قائمة الاحتضار.

        ولأعداء الاجتهاد الجريء والقراءة التاريخية والعقلانية لتراثنا أقول لهم مع أبي الطيب المتنبي:

        أغاية الدين أن تعفوا شواربكم                          يا امة ضحكت من جهلها الأمم ؟ . 

 

مواضيع سابقة:

 

الإيدز في العالم العربي نقد المحرمات وكسر جدار الصمت والإنكار

الحجاب في زمن العولمة׃ عودة المكبوت

المثقف العربي

المرأة التونسية منعت تعدّد الزوجات منذ 9 قرون

الأخذ بالثأر عوض الأخذ الحقّ

"ستار أ كادمي" و "على الهواء" ما هي الأسباب والتداعيات

الحداثة والحداثة العربية

 

للتعليق على هذا الموضوع