Middle East Transparent

20 مايو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

الأخذ بالثأر عوض الأخذ بالحقّ

 

                                                 د . إقبال الغربي بجامعة الزيتونة

 

 

كنّا نتابع فضيحة تورّط المخابرات والجيش الأمريكيين في أعمال تعذيب المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب . وما كان يحدث ذلك لولا ثورة الاتصالات وخصوصا لولا التطور المذهل للفضائيات والجرائد الالكترونيّة . الذي مكنّنا من تجريب الوجه المشرق  للعولمة المتمثل في هذا الفضاء الافتراضي الرّحب الذي لم يخطر على بال أيّ رقيب قروسطى كان أو حديث . هذا الفضاء الحرّ الذي سادت فيه حريّة الاخبار والاستخبار ،  حريّة الاستطلاعات والتحقيقات أي ما يسمى حرية التعبير وهي عدم السكوت عن المسكوت عنه أي عن التجاوزات ،  عـن الانتهاكات ،  عن الفضائح . حريّة التعبير هذه هي التي أتاحت فضح جرائم " أبو غريب" وهي التي مكنتنا من "جعل العار أشد عارا  وذلك بإشاعته وإذاعته بين الناس " .

 

وقد استطاعت " الميديا " العالمية تعبئة المجتمع الدّولي الذي ندد بالإجماع بهذه الممارسات اللانسانية وتراكم بفضل هذه التعبئة رأسمال من التعاطف والتضامن مع الأسرى ومع عائلاتهم ومع الشعب العراقي بصفة عامّة ،  وهذا ليس بالشأن الهيّن في هذه الفترة الحسّاسة إذ أن وقفة كهذه من طرف الضمير العالمي تعطينا فرصة كسب الحرب الاعلامية وهي معركة تضاهي أهميتها أهمية المعارك العسكرية اذ بإمكانها زعزعة موازين القوى الحالية ،  وقد قطع هذا المسار الايجابي أي هذه الموجة الانسانيّة من الاستنكار والقرف خبر مريع :   موقع إلكتروني لما يسمى بأنصار الاسلام يبثّ صورة قطع رأس رهينة أميريكيّة مباشرة على شبكة الانترنات .

 

       إن مثل هذه الأفعال تعكس سادية مقترفيها وأميتهم السياسية.

فهي من جهة ممارسات لا أخلاقية تحرّمها كلّ الشرائح السماويّة  وكلّ المواثيق الدّولية . فالقرآن الكريم ينهي عن قتل نفس واحدة ظلما وقد شبه هذه الجريمة بجريمة قتل الانسانية جمعاء ،  وهو كذلك يمنع أخذ البرىء بجريرة المجرم : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " ومن جهة أخرى فهي أعمال ليست لها أي جدوى سياسية بل تبدو لنا وكأنها عملية مدفوعة الثمن لتحويل الضحيّة إلى جلاّد والجلاّد الى ضحيّة .

 

ونحن نتساءل ما هي الفائدة من اثارة الرأي العام العالمي بمثل هذه الصور البشعة .  هذا الرأي العام الذي لا يحسب له " أنصار الإسلام " أي حساب رغم أنه أصبح اليوم معطى فاعل يلعب دور الحكم في النزاعات الدولية وهو فضلا عن ذلك سلاح المستضعفين للضّغط على أصحاب القرار وتعديل ميزان القوى كما وقع في فيتنام والبوسنة الخ ...

 

       إن مثل هذه العمليات العدمية وما يتبعها من تهليل وتكبير لكلّ إعدام ولكل تقتيل للآخر تنبئنا عن الهيكلة النفسيّة الانتقامية  المتأصلة فينا والتي تغلّب الأخذ بالثأر على المطالبة بالحق وبالتعويضات المعنوية والمادية . هذه الهيكلة الثأرية الناتجة عن عدّة عوامل نفسية وسياسية منها .

 

       ـ وعينا الشقيّ بعطالتنا المستمرة وهامشيّتنا في عالم معاصر لا يرحم . وذلك رغم تاريخنا المجيد والعتيد . هذا الوعي الشقي باحباطنا جعل من عدوانيتنا عدوانية دموية تجسدها قولة " عليّ وعلى أعدائي" التي تستخفّ بالنّفس وبالآخر والتي تعكس ماهية علاقاتنا العدائية مع الكون وتغلغل غريزة الموت فينا .

 

       ـ  شراسة علاقاتنا الاجتماعية القائمة على آليات الآمر والمأمور والقوي والضعيف والتي تغلّب التسلّط والحلول النهائية على التفاوض .

 

       ـ  التربية الأسريّة القاسية التي تعيد انتاج  أنماط سلوكية متخلفة معادية للمرأة وللطفل والتي مازالت تمارس العقوبات البدنية وتصادر حرية العقل والجسد .