Middle East Transparent

31 أغسطس 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

الإيدز في العالم العربي نقد المحرمات

 وكسر جدار الصمت والإنكار

د . إقبال الغربي

بجامعة الزيتونة

 

 

بمبادرة من البرنامج الإقليمي للإيدز في البلدان العربية و التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، اتجهت المجهودات في الفترة الأخيرة إلى كسر حاجز الإنكار تجاه هذا المرض في العالم العربي. وفي هذا الإطار انعقد اجتماع بتونس (21 أوت 2004) هو الثالث من نوعه بعد لقاءات اليمن وسوريا، شارك فيه رجال دين مسلمين و مسيحيين و خبراء دوليين في مجال مكافحة الإيدز.  والغاية من هذا الملتقى هو إشراك القادة الروحيين لتحليل الواقع و صياغة سياسة مشتركة و توصيات تتلاءم مع الخصوصيات الأنثروبولوجية و الثقافية للمنطقة العربية.

 

وتندرج هذه الحملة التحسيسية و التوعوية في إطار تجاوز سياسة النعامة والخطابات المعقمة التي تعطينا دائما صورة وردية عن الواقع والتي  تدعي ان عدد الاصابات متناهٍ في الصغر . كما انها تريد القطع مع الشعارات السهلة والإشاعات الديماغوجية التي تتناقلها بشغف وسائل الإعلام و التي تزعم أن العالم العربي محصن ضد الإيدز أو أن هذا المرض البعيد عن قيمنا الأصيلة لا يصيب إلا الغرب المتحلل. أو تلك التي تدعي أن تعدد الزوجات هو أحسن إستارتيجية ضد انتشار الإيدز أو أن طقوس الختان تقي من عدوى الإيدز!!

 

وتجسد هذه الإشاعات التي يرددها بعض الأفراد حيلاً لا شعورية وأوهاماً لذيذة يوظفها اللاوعي الجمعي للحد من القلق والتوتر. كما أنها تمثل آليات دفاعية معروفة تتعاقب على مخيال الإنسانية في كل فترة حرجة وحساسة تمر بها.

 

 فنحن نلاحظ أن  تاريخ الإنسانية يكاد يندرج مع تاريخ الأوبئة التي أصابتها. فبعد وباء البَرَص الذي  عانت منه البشرية و الذي لازم بداية التاريخ المكتوب، ظهر وباء الطاعون الأسود في القرن ،13 ثم سيطر مرض الزهري على المخيلة الجمعية في القرن .16 كما ساد السل والكوليرا في القرنين 18 و 19. أما السرطان فشكّل مرض القرن 20 و يبدو أن الايدز سيكون وباء القرن 21.

و تبلور هذه الأوبئة خوف الإنسانية الدائم من الموت و الفناء و تجسد رهابها من المجهول، هذا الخوف غير المحدد الذي وجب عليها تجسيمه و تعريفه لكي يمكنها السيطرة عليه.

 

لكن لكل مرض من هذه الأمراض خصوصياته و تاريخه وتصوراته التي تعكس وعي الناس وشروط حياتهم. فكان البرص بمثابة لعنة إلهية ينجم عنها ضرورة إبعاد المريض خارج المجموعة وسط حفل ديني ومجموعة طقوس كنائسية يتم فيها تفريغ الشحنات الجمعية وتقنين الموت الإجتماعي للمريض.

 

وعبر تقيات الإبعاد والإقصاء اللاإنسانية يتحول عداء المجموعة للمرض والموت إلى كراهية بل عداء للمريض و لكل آخر يختلف عن ״المواصفات العادية״.

 

أما وباء الطاعون الذي كان يقضي على 40 % من سكان المناطق المكتسحة، فقد كان يشكل تهديدا وقتيا يتزامن معه الخوف من الآخر وعداء الغرباء.

 

وكان رهاب العدوى ومحاولات الوقاية تشرّع ممارسات شرسة وهمجية تتفتت فيها الروابط العائلية ويتمزق فيها النسيج الاجتماعي، فيهجر الآباء أبناءهم والزوج زوجته و يتم ذلك في حالة قصوى من الذعر المعمم.

 

ومع ظهور مرض الزهري وجدت لأول مرة فكرة مسؤولية المصاب وعلاقة المرض بالسلوك الفردي. فأصبح الزهري علامة من علامات "التفسخ السلوكي" وعرضا من أعراض "الفساد الأخلاقي".  فتحول مفهوم المرض من قضاء و قدر إلهيين ولعنة سماوية إلى عقاب عادل و نتيجة منطقية لنمط معين في الحياة. ومذاك، صار لهذا المرض بعد اجتماعي وأصبح له تأثير على الممارسة اليومية، وانكمشت المعاملات الإنسانية وجفت العلاقات الإجتماعية. فأغلقت في أوروبا الحمامات العامة ونفر الناس وابتعدوا  عن قاعات الحلاقة وعن الأماكن العامة وسيطر الاحتراز والتحفظ من الآخر. هذا الآخر الذي يجسم المرض والموت المحتم . أما وباء الكوليرا فقد تزامن مع صعود البورجوازية وظهور مبدأ المراقبة المعممة وسيطرة النزعة الصحية والإنضباط الحياتي و سيادة الذوق و اللياقة البورجوازيين. فأصبحت الكوليرا نتيجة نمط حياة الطبقات الشعبية في  حيويتها وعفويتها واحتكاكها المقرف وسكنها الفوضوي. في حين كان السل في زمن الرومنطيقية مرض الشباب من الكتاب و الفنانين. ويعتبر السرطان مرض الحداثة واحد تكاليفها الباهظة.  فهو وليد التلوث و تلاشي المحيط أو نتيجة الضغط و الكبت النفسيين.

 

وشكل مرض الإيدز صدمة عنيفة في الوعي الجمعي فضخت أسطورة سيطرة الطب الرسمي سيطرة تامة على جميع الأوبئة والأمراض المعدية و زعزعت الحلم الفردوسي بالقضاء تقنيا وبفضل توظيف العقلانية الأداتية على جميع الآلام والآفات البيولوجية منها و الاجتماعية.

 

كما أنه زعزع كل القيم و دمر المعالم الهادية الأساسية. فالمصادر الطبية تؤكد أن الأيدز تتسرب من السوائل النبيلة التي تقدسها جميع الأديان و المعتقدات: الدم، حليب الأم، المني...  فكيف يمكن للأمومة أن تسرب الموت الحتمي لرضيعها، وكيف يمكن للدم، رمز الحيوية في اللاوعي الجمعي، أن ينقل الفناء؟ فترتج هنا رمزية التناسل والنسب الأساسية لقيام الثقافات والحضارات و ينطلق الخيال الشعبي في خلق الأساطير والخرافات ترميما للتوازن المفقود.

ويمس الإيدز جوهر الإنسان:  حياته الجنسية والوجدانية التي تمثل زيادة على ذلك ظاهرة اجتماعية كلية ومسرحا تتشابك فيه السلطة، المجتمع، المال و يعبر فيه كل واحد منها عن نظمه  وقيمه ويعيد صياغة هيكلته و قوالبه التي تقدمها جميع الديانات:  ونظرا لتداخل هذه العوامل وتشابكها، نلاحظ أن سلوك الأفراد والجماعات تجاه هذا المرض لا يتسم دائما بالعقلانية   والمنطقية، وهو ما يفسر المقاربات الحالية التي أصبحت تطمح أن تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد اللاعقلانية  و الوجدانية التي تحيط  به.

 

وجدير بالذكر أن مرض الإيدز يطرح علينا عدة لإشكاليات و تساؤلات:

1-       إن تدني نسبة المصابين بالإيدز في العالم العربي، وهو 800.000، لا ينبغي أن يغرينا بعدم الإقرار بالخطر أو ينسينا العشرة ملايين إصابة بالأمراض الأخرى المتناقلة جنسيا.

2-       إن تفشي مرض الإيدز في العالم العربي يعكس أزمات هيكلية لا يمكن اختزالها في ظهور فيروس الإيدز. فتعاطي المخدرات و انتشار الجنسية المثلية أو الجنس التجاري هي مضاعفات نمط عيش لاإنساني .  فهي تعكس البؤس الجنسي الذي يعيشه الشباب العربي وانسداد الأفق و انعدام الشعور بالمواطنة و بالمشاركة في الشأن العام وهو ما يجعله يلتجئ إلى سلوكات منحرفة لاحتمال الفقر المطلق لنوعية الحياة التي اختزلت في بعد آلي  جاف صرف.

3-       قضية التضامن الدولي و حجم الميزانيات المرصودة لمكافحة هذه الآفة، ولمساعدة البلدان الفقيرة العاجزة عن التصدي لها، ومقارنتها بميزانيات  الحرب والموت والدمار التي تستحوذ على جزء هام من ثروات الإنسانية المادية والفكرية.        

 

مواضيع سابقة:

 

الحجاب في زمن العولمة׃ عودة المكبوت

المثقف العربي

المرأة التونسية منعت تعدّد الزوجات منذ 9 قرون

الأخذ بالثأر عوض الأخذ الحقّ

"ستار أ كادمي" و "على الهواء" ما هي الأسباب والتداعيات

الحداثة والحداثة العربية

 

للتعليق على هذا الموضوع