23 يناير 2005

 

تكييف الشريعة مع العصر أم العصر مع الشريعة؟

د.إقبال الغربي

جامعة الزيتونة

 

من البديهي أن نقر اليوم أن التراث الإسلامي هو قدر ﻫﺫه الأمة وأنّه يمثل نقطة عبور ضرورية لاستشراف مستقبل الحداثة و الديمقراطية في ﻫﺫه الرقعة من الأرض التي تبدو حسب التقارير الدولية- من اشد المناطق استعصاء و تخلفا في ﻫﺫا المجال.

 

وتبعا ﻟﺫلك ولمواجهة تحديات عصرنا، وفي إطار توضيح العلاقة بين الدين والدنيا داخل المجتمعات العربية، من الضروري تحليل تأثير العقيدة والتقاليد السائدة على طبيعة الحكم من جهة وعلى نوعية العلاقات الاجتماعية من جهة أخرى.

 

فالرهان اليوم هو التالي׃ هل علينا أن نكيف الشريعة مع العصر أما العكس أي نكيف العصر مع الشريعة؟

وأمام ﻫﺫه الإشكالية الحاسمة نشأت مدرستان متناقضتان׃

*مدرسة النقل الماخودة بالعبادة الهوسية للنص واحتقار العقل والتي بلغت أوج انغلاقها على الحياة في الحنبلية التي قادها التزامها بالنص القرآني إلى مزالق اعتقاديه كالتشبيه أي تشبيه الله في ذاته و صفاته بمخلوقاته فله يد ورجل وكرسي الخ... وإلى خطايا فقهية باعتبار كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة و" كل ضلالة في النار".

 

*مدرسة الرأي التي تحتكم إلى العقل وبالتالي تعطي الأولوية لمصلحة الأمة قبل كل شيء.  ومن هنا سعت ﻫﺫه المدرسة إلى الالتزام بضرورة تأويل النص والموروث الثقافي وتعديله وان اقتضى الأمر نسخ ما يتعارض مع العقل أو مع مقتضيات العصر اقتداء بالقاعدة الفقهية الذهبية "الضرورات تبيح المحظورات"..

 

ﻫﺫا الرهان بين ﻫﺫين الاختيارين هو اليوم مصيري بالنسبة لنا لان أمّةً لا تقدم مصالحها الحيوية على نصوص تراثها هي في عصرنا الحاضر الذي لا يرحم أمّة انتحارية!

إذا اخترنا المدرسة الأولى فعلينا استلهام حكمة الرسول (ص) وجرأة الخلفاء الراشدين في تعاملهم مع النص. وإذا اخترنا المدرسة الثانية، وهو بكل أسف مطلب الأصولية الإسلامية أي تكييف العصر مع الشريعة وأسلمة الحداثة، فهي معادلة مستحيلة وأحلام يقظة سنفيق منها حتما على كابوس!

 

وإذا اخترنا الطريق الثالث وهو توظيف مجلوبات العصر واستيعاب عقلانيته الأداتية مع الإبقاء على عبادة الأسلاف فهو اختيار فصامي يهدد انسجامنا مع أنفسنا من جهة ومع محيطنا من جهة أخرى.

وهو ما نلاحظه اليوم من خلال ﻫﺫا الإيقاع المفكك والمجنون الذي نعيشه يوميا في الفضاء العربي الإسلامي واﻟﺫي يسود حياتنا׃ رسائل وأوامر متناقضة نتلقاها من مجتمعاتنا. التزامات متعارضة منطقيا تدمر توازننا النفسي׃

الأصالة والتفتح.

الهوية والعصرنة.

 

 

 

 الوفاء للأجداد و التأقلم مع العصر.

 قبول منظومة حقوق الإنسان والتسمر في الخصوصيات الثقافية الخ.

حرب أهلية نخوضها مع أنفسنا ترهقنا وتبدد طاقاتنا وتهدر قوانا الحيوية׃ زمان مزدوج هجري و ميلادي.

يومية مزدوجة، واحدة مقدسة والأخرى مدنسة.

ساعة مزدوجة واحدة تشير إلى ساعة مكة المكرمة و الأخرى إلى ساعة غرينتش.

عجز عن توحيد الأعياد الإسلامية.

خلل في تنظيم الرزنامة الرسمية و تبعاته الفوضوية...

اختلاف وجدل حول تحديد المواسم الدينية.

 حرج وحيرة سنوية حول الاستئناس بالحساب الفلكي أم اعتماد رؤية الهلال في أية بقعة من بقاع العالم الإسلامي.

قيم و أخلاقيات مزدوجة ومتناقضة معالم نهتدي بها في الحياة العامة و أخرى نحتفظ بها للدائرة الخاصة.

 

ا هو الثمن المضني الذي ندفعه يوميا لرفضنا الاختيار الثاني أي تكييف النص مع العصر. إذن ضرورة تعديله كلما تغيرت الظروف التاريخية لتكييف النص مع الجديد في الحياة الذي لا يمكن أن تحيط به النصوص. وهي الأطروحة التي لاتزال مرفوضة من قبل الأصوليين اﻟﺫين يعتبرون النص عابرا للزمان و صالحا لكل مكان.

 

طبعا الشريعة صالحة لكل زمان ومكان في جوهرها الإيماني و في طقوسها التعبيرية. أما عندما تتدخل في أفعال العباد وفي تنظيم العلاقات الاجتماعية فإنها لا محالة تصبح "شأناً عاما". وبكفي أن نبرهن على  ﺫلك ان الشريعة السمحاء لم تنزل دفعة واحدة بل جاءت متدرجة طيلة أكثر من عشرين سنة كجواب على الإشكاليات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي طرحها تنظيم الأمة الجديد.

وﻟﻫﺫا السبب أبضا وجدت آلية النسخ التي تعطل أحكام الآيات القديمة التي لم تعد صالحة للمتغيرات الجديدة.

 

إن وجود النسخ في القرآن هو دليل لا ريب فيه على نسبية النص  وتاريخيته. ولعل ﻫﺫا ما يفسر إلتجاء السعودية اليوم إلى ترويج مطبوعات جديدة من القرآن لا يذكر فيها مكان نزول السور أي لا يُذكَر فيها إن كنت السور "مكية" أو "مدنية".لأن معرفة مكان النزول يحيلنا وجوبا إلى معرفة أسباب النزول وملابساته، وبالتالي إلى تاريخيته ونسبية أحكامه. إضافة إلى ﺫلك يمكن تفسير إنكار الفقهاء الأوائل لظاهرة النسخ بعدم قبولهم لإمكانية التراجع عند الله. لأن الإقرار بالنسخ يعني في مخيلتهم أن الله شأنه شأن عباده الفانين يمكنه أن يخطئ ويمكنه أن يصحح ما لم يصب فيه. وبما أن الله أجلّ وأسمى من أن ينقض اليوم حكما قد فرضه بالأمس، التجأوا إلى حيلة لاواعية وهي إلغاء ظاهرة النسخ!

 

ﻓﻫﺫا التابع البصري الذي قال عنه حجة الإسلام الغزالي"إن كلامه أشبه بكلام الأنبياء وأقربهم هديا من الصحابة" قد أنكر وجود النسخ في القرآن أصلا. كما أنكره أيضا عدد من القراء الأوائل الذين يحاججهم الطبري قائلا׃ "أنهم قرؤوا آية وما نَنسخ من آية بفتح النون. وما ننسخ من آية أو نُنسَها بضم النون و كسر السين بمعنى ما ننسخك يا محمد نحن من آية أي نأمرك بكتابتها ويرد عليهم المفسر الجليل׃" وﺫلك خطأ في القراءة وإلا ما معنى بقية الآية نأت بمثلها أو خير منها! "

 

العلماء مجمعون اليوم على أن من شروط التصدي لتفسير القرآن معرفة ناسخه من منسوخه. و يشكل ﻫﺫا الشرط الثقيل دليلاً على وجود النسخ في القرآن رغم إنكار البعض له. الإنكار كحيلة دفاعية معروفة في علم النفس وهي تعني إلغاء الحقيقة الخارجية خوفا من مواجهتها وﺫلك لتجنب المآزم النفسية. والحقيقة التي نريد الابتعاد عنها و إنكارها هي التالية׃ إذا كان الله نفسه قد نسخ أحكامه بعد بضعة شهور بأحكام جديدة أكثر ملائمة للأوضاع المستجدة فلماذا لا ينسخ الإنسان، الذي كرمه الله سبحانه وجعله خليفته في الأرض، النصوص التي تجاوزتها التطورات الاقتصادية والاجتماعية و العلمية؟

و نحن نجد في القرآن الكريم دعوة صريحة للاجتهاد لضمان الإصلاح والمصالح بنص الآيات الداعية إلى إعمال العقل واستعمال الحكمة و ضمنية نجد إشاراتها في تضمن القرآن للناسخ و المنسوخ. وقد استنبط الفقه الإسلامي قواعده من ﻫﺫه الآلية التي مكنته من تغيير الأحكام بتغير الأزمان والمقاصد وإرادة اليسر لا العسر.

و قد أقدم بعض الخلفاء الراشدين على نسخ بعض الآيات دون أن ينتج عن ذلك الحكم على احدهم بالردة. والأمثلة على ﺫلك كثيرة. يكفي هنا أن نذكر على سبيل المثال نسخ عمر ابن الخطاب للآية 60 من سورة التوبة بخصوص مسألة "المؤلفة قلوبهم" عندما قطع العطاء لهم. ونسخه رضي الله عنه للآية 83 من سورة المائدة المتعلقة بتطبيق حد السرقة بسبب الظروف الاجتماعية عام الرمادة للآية 14 من سورة الأنفال حيث لم يقسم ارض السواد بالعراق ومصر واعتبارها فيئا موقوفا على كل الأمة أي ملكا للدولة. ولعل ﺫلك ما يشكل أهم سمة من سمات الاستبداد الشرقي الذي يعد نمطا خاصا من الإنتاج سمته الأساسية الركود ويسمى كذلك نمط الإنتاج المائي الذي حلله في ما بعد "كارل فيتفوغيل". فلا غرابة أن يحدث اجتهاد عمر(ر) في ارض ما بين الرافدين!

و في كل ﻫﺫا لم يكن احد ليشكك في إسلام عمر( ر)الذي يقول فيه عبد الله ابن مسعود׃ "كان عمر أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله."

فهل يكون الخليفة الراشد عمر قدوة حسنة لمفسري القرن الواحد و العشرين ومجتهديه ووعاظه وإئمته المواكبين لعصرهم والمتصالحين مع تاريخهم و اﻟﺫين لا تأخذهم في الحق لومة لائم؟

ahikbal@yahoo.fr

 

للتعليق على هذا الموضوع