28 فبراير 2005

 

 

يخرج الحي من الميت

إحسان طالب*

 

        تعلمت كيف تخرج الحياة من الموت، كيف يحقق رجل واحد بصمته الأبدي ما عجزت عنه آلاف الصفحات وآلاف الخطب العصماء ومئات الشعارات الرنانة. لست أدري لماذا تبادر إلى ذهني ليلة مقتل الحريري صورة الأميرة ديانا مع دودي الفايد قبل موتهما. ربما كان هناك تشابه في رد الفعل الكوني، فحالة الحزن العالمي المشترك، والإجماع الشعبي الفريد شكل موقفا إنسانيا متميزا.

      

 ساعات طويلة تابعت البث المباشر من ضريح الحريري أراقب تمازج الدموع مع الشموع وكأن مجموعة تلك الشموع التي احترقت جسدت شخص الشهيد تسقيها ماء الوجوه، وكأني بها تقول لن يموت جسد ألفته القلوب كل القلوب وسقته العيون كل العيون.

      

واصلت المشاهدة طوال الليل لأستجلي صورا للإنسانية الشفافة المتجردة من كل القيود يرسمها شباب و فتيات مع الأصدقاء والأخوة والأمهات والأجداد، صلبان ومصاحف بين الصدور يعجز الناظر عن التفريق بينها، بعفوية بالغة وقف طفلان أمام الضريح والدموع تغرغر في مقلتيهما، الأول مع أمه يتلو قداسه الخاص والثاني مع جده يقرأ الفاتحة، إحساس إنساني بالغ الرقي يقول للآخر إننا معاK رغم إختلافنا ومعرفتنا أننا مختلفون.

      

تلمست قاع الحزن وأنا أنصت إلى امرأة تتساءل هل حقا قتلوه... هل حقا هناك من يريد قتله لولا الحريري ما ذهب أولادي إلى الجامعات ولا تخرجوا منها و أصبحوا رجالا يقدمون الخبز والعلم لأهلهم ومجتمعهم. لولا الحريري لقبعت مئات العائلات الكريمة تحت رزء الفقر والعوز، لولاه لبقيت طرق بيروت مملوءة سوادا ورمادا وأحقادا.

      

قبل هزيمة اسرائيل في الجنوب، أجرى "لاري كينغ" مقابلة مع الحريري سأله فيها عن كل شيء وكان الرجل يجيبه بطلاقة وتمكن توحي كلماته بالثقة والبراعة السياسية، ربما كان الزعيم الوحيد الذي وفق بين صداقاته وعلاقاته الوطيدة بالغرب مع احتفاظه بروابط اقليمية وثيقة.

     

 قد تختلف معه إلى حد الضيق، قد لا تفهم مواقفه إلا أنك بكل بساطة تستمر في الاستماع إليه والانجذاب نحوه كلما ظهرت صورته أو سمعت كلماته. كيف يستطيع إنسان أن يكره رجلا لا كره أحدا. طيلة سنواته الثمان رئيسا للوزراء دأب الإعلام اللبناني على انتقاده وتقييم أدائه بدون أية خطوط خضراء أو حمراء، لم يتركوا شيئا لم يتحدثوا عنه وكان دائما يرد بابتسامة وسعة صدر، لم يغلق شاشة أو يكسر قلما، لم يثر حقدا أو يشعل فتنة. هنا يستحق الإجلال رجل لم تخضب يداه أو يسودّ قلبه.

    

كان لديه هم وهدف يتمحور حول الوطن داخل الأمة، استمر ودأب ساعيا لتحقيقه، ولما غدا شديد القرب من تحقيق حلمه سقط، إلا أن الثمن سيكون غاليا والصدى لا بد أن يكون مدويا وليست مبالغة عندما شبه أحد الصحفيين الحريري بسقوط جدار برلين.

   

 إنه قدر مدينة صيدا إنجاب العظماء وكتابة تاريخ لبنان بلون الأرجوان.

 

* كاتب سوري

 

للتعليق على هذا الموضوع