5 يونيو 2006

 

 

 

 

 

الاستراتيجيا الدفاعية اللبنانية: مزيدا من النقاش

إبراهيم ناصر*

 

تستأنف في الثامن من حزيران القادم اعمال مؤتمر الحوار الوطني وعلى جدول اعماله البند الوحيد وربما الاخير ولكن الاكثر تعقيدا والابعد اثرا وهو مصير سلاح حزب الله ودوره. استبق الحزب الحوار فرفع السقف في هذه المسألةعاليا عندما فك الارتباط نهائيا بين مصير السلاح وتحرير مزارع شبعا ليضع الموضوع برمته في وعاء اوسع واشمل اسماه الاستراتيجيا الدفاعية عن لبنان في وجه اسرائيل. ان لمثل هذه النقلة الى ما هو أبعد من تحرير المزارع وبغض النظر عمّا سيحمِّله المتحاورون لمضمون مثل هذه الاستراتيجيا ان تربط البلاد بتداعياتها سلبا او ايجابا وذلك لفترة طويلة من الزمن. هكذا تتضاعف اهمية هذه المسألة لترقى الى المستوى المصيري ما يستدعي الاستفاضة بالنقاش حولها واشباعها درسا واخذ ما يلزم من الوقت للوصول الى تفاهمات يؤدي تطبيقها الى الحماية الفعلية للبلاد. ويزيد الاختبار الكارثي لنموذج الاستراتيجيا الدفاعية المعروضة والذي عاش اللبنانيون تجلياته اواخر الاسبوع الفائت بعودة دورة العنف من الحدود الى اعماق البلاد من ضرورة والحاح مثل هذا النقاش.

 

توخيا للدقة والوضوح يجدر التوقف ولو سريعا عند تحديد مفهوم الاستراتيجيا. يعرِّف المفكر الفرنسي المختص بالشؤون الاستراتيجية تييري دو مونبريال كلمة استراتيجيا بالنسبة لأية قيادة جماعية (الدولة على سبيل المثال) بفن تهيئة واستعمال الامكانيات والاساليب اللازمة لتجاوز العقبات بمختلف انواعها من أمام تحقيق هدف واقعي ومحدد. وتستلزم كل استراتيجيا ان يكون بمتناول صاحبها الموارد والقدرة على تعبئتها وتصنّف الموارد ضمن ثلاثة انواع هي البشرية والمادية والمعنوية.

 

أكثر ما يعنينا من هذا التعريف هو ان الاستراتيجيا تعنى بتحقيق هدف واقعي (قابل للتحقيق) ومحدد. وتهدف الاستراتيجيا الدفاعية المطروحة للنقاش على طاولة الحوار الوطني الى ردع اسرائيل عن القيام بالاعتداء على لبنان والاخلال بامنه ومواجهة مخططاتها ومطامعها التي تستهدف هذا البلد. يستدعي بناء مثل هذه الاستراتيجيا اذا ولكي تحقق هدفها ان يتم تحديد طبيعة المطامع والاستهدافات الاسرائيلية للبنان.

 

لا بد من الاشارة بداية الى ان المصلحة الاسرائيلية تقضي بالتوصل الى تسوية سلمية مع لبنان لانهاء حالة العداء بين الدولتين. فبإضافة الدولة الثالثة من دول المواجهة الى لائحة المتصالحين مع اسرائيل تشارف حلقة اعتراف هذه الدول بها على الاكتمال ما يسهل امتداده الى بقية الدول العربية والاسلامية ومن اضعاف لموقف سوريا التفاوضي وربما من زيادة الضغوط على الفلسطينيين.

 

في الطرف المقابل يجمع اللبنانيون على رفض الانزلاق الى مغامرة التسوية المنفردة  مع اسرائيل. فمن ناحية ليس للبنان ما يكسبه من هكذا تسوية ذلك ان وضع لبنان الذي تمكن بفضل مقاومة ابناءه من تحرير كامل ارضه ومن دون مفاوضات لا ينطبق على  الدول التي وقّعت معاهدات سلام مع اسرائيل مقابل استرجاع اراضيها المحتلة. ومن ناحية اخرى فان من بديهيات الامور الا يضحي اللبنانيون بعلاقاتهم مع سوريا ليدخلوا في مجهول دائرة النفوذ الاسرائيلي.

 

وعليه وفي ظل استمرار حالة العداء بين لبنان واسرائيل حتى تسوية الصراع العربي الاسرائيلي بكل مكوناته والذي قد يطول زمنا وبالنظر الى ان ميزان القوى (على الاخص من الناحية العسكرية)  سيبقى بما لا يقاس لمصلحة اسرائيل يصبح من المشروع لا بل من الواجب تحصين البلاد  لمواجهة مطامعها ومخططاتها وذلك ضمن استراتيجيا دفاعية لبنانية. ضمن هذا الاطار وبالعودة الى تحديد المطامع الاسرائيلية يمكن ايجازها بالنقاط الآتية :

 

     اعتادت اسرائيل التغني وتسويق نفسها لدى الدول الغربية بكونها الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الاوسط تحاصرها وتهددها شعوب متخلفة تحكمها انظمة توتاليتارية قمعية ما ساهم الى حد كبير في نجاحها في استمالة الراي العام الغربي لجانبها  وفي إخفاء وجهها الحقيقي. لا يناسبها بالطبع ان تعود الديمقراطية اللبنانية الاقدم في المنطقة وبعد انكفاء قارب الثلاثة قرون الى حيوتها فينكسر بذلك ادعاءها بحصرية الحرية والديمقراطية في هذه المنطقة. لا بل ان ترسيخ النموذج اللبناني التعددي ونجاحه سوف يكشف الجانب العنصري للنظام السياسي الاسرائيلي ويسلط الضوء اكثر على نظام الابارتايد الذي تمارسه على الفلسطينيين في الضفة الغربية وعلى سياسة العزل والحصار والعقاب الجماعي الذي تفرضه على اخوتهم في قطاع غزة.

 

     يختزن لبنان طاقات اقتصادية هائلة اعتمادا على نظامه المنفتح وعلى طاقاته البشرية المؤهلة والمعروفة الدينامية وعلى صداقاته الدولية كما على الجاليات اللبنانية المنتشرة في كل انحاء المعمورة التي تتحين الفرصة للمساهمة في تطوير اقتصاد بلدها الام. لا يعوز استثمار هذه الطاقات سوى تعزيز مناخ الاستقرار في البلاد والمحافظة على نظامه الاقتصادي الحر وتطويره ليصبح لبنان المركز الاقليمي الاول للخدمات في الشرق الاوسط في مجالات المال والاتصالات والاعلام والسياحة والتعليم والصحة وتقنيات المعلومات. اسرائيل تطمح كما بينه بوضوح شيمون بيريز في كتابه الشرق الاوسط الجديد لتبوء هذا المركز وهي لن تكون راضية طبعا عن رؤية لبنان سباقا في هذا المجال وسوف تعمل على وضع ما امكنها من عراقيل في وجهه.

 

     تتمتع اسرائيل بنفوذ واسع في الولايات المتحدة الاميركية يؤمنه لها بشكل خاص اللوبي الاسرائيلي هناك المعروف بقدرته الفائقة على التحكم في صناعة القرار الاميركي فيما خصّ السياسة الخارجية الشرق اوسطية. وقد سلط مؤخرا باحثيْن من جامعة هارفرد المرموقة في دراسة اكاديمية هي الاولى من نوعها الضوء على المدى الذي وصلت اليه قوة هذا اللوبي الى حدود بات معها في استطاعته ان يوجه السياسة الاميركية لخدمة مصالح اسرائيل ولو على حساب المصالح الاميركية. ومن المعلوم كيف تستخدم اسرائيل هذا النفوذ الواسع لخدمة اهدافها والدفاع عن سياساتها والتنعم بالمساعدات الاميركية السخية لدرجة انها باتت قادرة وفي مقابل مكتسبات اقتصادية ودبلوماسية على تأمين الدعم والرضى الاميركيين لغيرها من الدول (موريتانيا، تركيا، ليبيا...).

 

ليس بمقدور لبنان دولة وجمعيات وجاليات وهو على اي حال لا يطمح الى مزاحمة اسرائيل على النفوذ لدى دوائر القرار في اميركا. فلبنان لا يحتاج كإسرائيل للدفاع عن سياسات لا اخلاقية كالعنصرية الاحتلال والقتل الجماعي ولا يهجس لاثبات وجوده بعكس الدولة العبرية والتي بعد اكثر من نصف قرن على إنشائها وبالرغم من ترسانتها العسكرية المتفوقة لا يزال يؤرقها شعور عدم الاطمئنان لاستمرارية كيانها. بيد ان لبنان وفور استعادة قراره السياسي من المصادرة السورية تمكن من إثبات قدرته على إسماع صوته وتفهم هواجسه ومصالحه وذلك على أعلى المستويات القرار لدى القوة العظمى الوحيدة في العالم وان تنامي التنسيق بين الدولة والقوى الحية في لبنان والجالية اللبنانية في اميركا يمكن ان يؤسس لقدرة متعاظمة في التأثير على صناع القرار الاميركي لخدمة القضايا اللبنانية والعربية. لن تنظر اسرائيل بعين الرضا الى سلوك لبنان طريقه الخاص من دون المرور بواسطتها في العمل على تنمية وتعميق الصداقة بين لبنان واميركا وهي بالتأكيد سوف تعمل على وضع العراقيل ونصب المكائد للجم مثل هذا التطور في العلاقات. ومن المفيد التذكير في هذا الاطار بمدى التبرم الاسرائيلي من النجاحات الدبلوماسية المذهلة التي تمكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري من تحقيقها لدى الدول الغربية بالرغم من التضييق المتواصل الذي مورس عليه من قبل النظام السوري والحدود التي وضعت على تحركاته.

 

     على المستوى الامني لا بد للمتابع لشؤون الدولة العبرية من ملاحظة مدى الخيبة الاسرائيلية من تطورات مغامرة اجتياح لبنان عام 1982 التي انتهت بالانسحاب الذليل عام 2000 حتى باتت الدولة الاسرائيلية مجتمعا وجيشا وساسة تعاني من عقدة اسمها العقدة اللبنانية لم تشفى منها لغاية اليوم، ما يجعل من احتمال العودة الى المسستنقع اللبناني ضربا من ضروب المازوشية لا يحتمل الرأي العام الاسرائيلي تصور حدوثه مرة ثانية. ولئن كان  ذلك لا يعني الاسترخاء بالاطمئنان الى زوال الخطر الامني الاسرائيلي على لبنان الا ان مثل هذا الخطر بات محصورا حجما وشكلا بما يسمح للقوى الامنية اللبنانية من تطوير القدرات والوسائل اللازمة لتطويقه.

 

اثر هذا التوصيف لما نعتبره اطماعا او نوايا عدوانية اسرائيلية تجاه لبنان وبالعودة الى الاستراتيجية الدفاعية لمواجهتها يمكن ايجاز مكونها الاساسي وهو الهدف المحدد والواقعي بما يلي :

 

     تعزيز الاستقرار الداخلي وتقوية اللحمة بين اللبنانيين بغية تدعيم مناعة البلاد في وجه محاولات الاختراق الاسرائيلي وبشكل عام للحد من تأثير الهزات الخارجية على الداخل اللبناني.

 

     تطوير النظام الديمقراطي اللبناني والتمسك بالحريات وحمايتها واعتبارها من المكتسبات الوطنية الغير قابلة للمس.

 

     تفعيل القوى الامنية وزيادة كفاءتها ومهنيتها وفعاليتها وخاصة على المستوى الامني الداخلي.

 

     تنشيط الدبلوماسية اللبنانية وبشكل خاص في العواصم المؤثرة والاستفادة من طاقات وعلاقات الانتشار اللبناني في العالم.

 

     خلق الاجواء الملائمة لاطلاق الطاقات الكامنة للاقتصاد الوطني لوضع البلاد على طريق الازدهار ابتداءا من تعزيز الثقة بالمناخ الاقتصادي وتكرارا بتثبيت الاستقرار السياسي والامني.

 

أين يقع دور سلاح المقاومة في تحقيق هذه الاهداف؟ مسالة تحتاج الى الكثير من التدقيق.  وفي كل الاحوال، فإن أقطاب الحوار أكثر اهلية للاجابة عن هذا السؤال. المهم الاّ تقدم ازدواجية حمل السلاح وازدواجية (اذا لم يكن تَعَدّد) القرار باستعماله المبررات الكافية لاسرائيل لضرب استقرار البلاد والاّ ينزلق سلاح حزب الله من دون ان يدري لخدمة تقاطع مصالح اسرائيلي سوري يهدف الى ضرب الاستقرار اللبناني ومنع تعافي وطن حر ديمقراطي مزدهر اسمه لبنان.

 

i.nasser@wanadoo.fr

 

* كاتب ومحلّل لبناني

 

للتعليق على الموضوع