31 أغسطس 2006

 

 

 

 

مع من يتفاوضون؟

إبراهيم علي

 

حينما تعلن بعض الأطراف الدولية مثل دول أوروبا و الولايات المتحدة  وإسرائيل أنه لا توجد أطراف مقابلة تتمتع بالمصداقية و تملك سلطة القرار النهائي و سلطة الالتزام و التنفيذ كي تجري معها مفاوضات جادة حول الملفات الإقليمية الساخنة مثل فلسطين و العراق و لبنان و نووية إيران، فإنها في اعتقادنا محقة و لا تكذب أو تبالغ!

 

ففي فلسطين، تتعدد مراكز القرار و تتناقض، بل و تصل حد التناحر والاقتتال الداخلي بين مؤيد لخيار السلام والمفاوضات مع دولة إسرائيل ومؤيد لمواصلة القتال حتى يتحقق هدف سحق الدولة العبرية ورميها في البحر. فمع من تتفاوض دول القرار العالمي؟ هل تتفاوض مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يرى إن طريق السلام والتفاوض والتعايش مع اسرئيل هو الخيار الوحيد أمام الشعب الفلسطيني، رافضا رفضا مطلقا اللجوء إلى أساليب العنف والقتال، أم يتفاوض مع رئيس الوزراء إسماعيل هنية الذي يبدو تائهاً ومتذبذبا ما بين الاستجابة لرؤية الرئاسة الفلسطينية أو الوقوف مع رئيس المكتب السياسي لحركته (حماس) خالد مشعل صاحب شعار "إن ما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" الستيني المدعوم من إيران وسوريا؟ و ليت أن القرار الفلسطيني كان منقسما إلى هذين القسمين فقط، و لم تتنازعه عشرات المنظمات والمليشيات المسلحة التي لكل منها أجندة وأهداف وبرامج سياسية متناقضة و متصادمة، و بما يوحي أنها غير مستعدة لقبول الحلول الدولية المرحلية لقضية فلسطين. هذه القضية العادلة التي تفتقد محامين أذكياء عادلين من أبنائها و تنقصها قيادة وطنية واحدة حكيمة ذات صوت عقلاني موحد. وبسبب من هذا النقص و تعدد مصادر القرار السياسي، رأينا كيف أن الشعب الفلسطيني بدلا من أن يبني فوق ما أعطي له في مدريد واوسلو و يتقدم بخطا مرحلية ثابتة نحو نيل كامل حقوقه الوطنية المشروعة، راح يتراجع و يبتعد عن الهدف و يخلق الذرائع للآخر لإطالة عذاباته.

 

و في العراق، نجد انه على الرغم من تحريره من احد أسوأ الأنظمة الديكتاتورية و الفاشية في العالم، و إقرار شعبه لدستور دائم، وانتخابه لممثليه في السلطتين التشريعية والتنفيذية في ديسمبر الماضي، إلا إن الصراعات و المماحكات السياسية معطوفة على تناحرات دموية يومية وتناقضات في المواقف ما بين فريق يؤيد بقاء قوات التحالف كداعمة للحكومة الشرعية المنتخبة إلى أن تقرر الأخيرة انتفاء الحاجة إليها، وفريق معارض لمثل هذه الرؤية، هي سيدة المشهد. أضف إلى ذلك انتشار العشرات من المليشيات الطائفية المسلحة والمرجعيات الدينية ذات الأهداف و البرامج المتباينة من تلك التي تمكنت من اختراق أجهزة الدولة و صارت اليوم حكومة إلى جانب الحكومة الشرعية المنتخبة برئاسة جواد المالكي.

 

أما في لبنان فمراكز القوى و السلطة المتعددة حدث ولا حرج، منذ أن انتكب هذا البلد الجميل الواعد بسياسة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في نهاية ستينات القرن الماضي الداعمة لنقل المنظمات الفلسطينية المسلحة إلى الأرض اللبنانية و زرعها هناك لمواجهة إسرائيل. فإلى جانب الحكومة اللبنانية الرسمية المنبثقة من إرادة الشعب اللبناني، ظلت دمشق لأكثر من ثلاثة عقود صاحبة الهيمنة المباشرة و الكلمة العليا في الشئون الداخلية اللبنانية، إلى الحد الذي كان معه المسئول اللبناني لا يتجرأ السفر إلى الخارج دون الاستئذان أولا من حكام سوريا. و على الرغم من انسحاب القوات السورية من لبنان قبل أكثر من عام بفضل انتفاضة شعبه التواق إلى الحرية و ضغوط المجتمع الدولي في أعقاب اغتيال الشهيد رفيق الحريري، فان ذيول المخابرات السورية لا تزال تعمل داخل لبنان مدعومة من قوى و ميليشيات مسلحة محلية. و في هذا السياق يبرز حزب الله الذي يمثل دولة داخل دولة و يمتلك جيشا خاصا به و يتلقى دعما سياسيا و ماليا و عسكريا من سوريا و إيران و له أجندته الخاصة، الأمر الذي دفع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مؤخرا إلى القول " نريد دولة صاحبة قرار واحد وسلطة لا ازدواجية فيها".

 

ولا يكتمل الحديث دون المرور على إيران التي يتشابه الوضع فيها مع الأمثلة العربية السابقة. فمن خلال التمعن في تطورات المفاوضات ما بين طهران و عواصم القرار الدولي حول الملف النووي الإيراني، يتضح مدى التفاوت و التناقض في تصريحات مسئولي الجمهورية الإسلامية، و بما يوحي بتعدد مصادر القرار و اختلافها و تنافسها. حيث ما يقبل به وزير الخارجية من حلول سرعان ما ينفيه رئيس الجمهورية بكلمات نارية.  وما يصرح به مستشار الأمن القومي بلغة دبلوماسية سرعان ما يناقضه تصريح متشدد من المرشد الروحي/ الولي الفقيه أو بيان راديكالي من قائد الحرس الثوري، و هكذا. و النتيجة بطبيعة الحال هي مواقف  ورسائل إيرانية متناقضة، لا يعرف معها المفاوض الغربي أو المسئول الاممي كيف يتصرف أو مع من يتباحث أو بمن يثق.

 

على النقيض من كل هذا، نجد في دول الغرب و بعض دول الشرق الديمقراطية الراسخة، أن من يمثلها في أية مفاوضات محصور في جهة واحدة محددة هي حكوماتها المنتخبة الشرعية. فهي المخولة حصرا بصنع القرار و اتخاذه نيابة عن دولتها و شعبها. وهكذا فان صاحب القرار الأوحد و الكلمة الملزمة في بريطانيا و الولايات المتحدة و الهند واليابان و إسرائيل مثلا هي حكومات بلير و بوش وسينغ وكويزومي  واولمرت على التوالي، فيما لا يعرف احد من هو صاحب القرار في فلسطين و العراق و لبنان و إيران.

 

و نختتم بعرض تجربة جنوب أفريقيا. هذا البلد الذي استطاع شعبه أن يتحرر من حكم الأقلية البيضاء و سياسة الابرتايد المقيتة و الممارسات البربرية الظالمة لأكثر من مائة عام، ليس عبر العمليات الانتحارية  وصواريخ الكاتيوشا و الشعارات العنترية وحرق الأعلام، وإنما بفضل وحدة القرار  والقيادة العقلانية الحكيمة للزعيم المحنك نيلسون مانديلا  ورفاقه ممن انتسبوا في نضالهم إلى مدرسة الواقعية والاعتدال  والتسامح و نبذ غرائز الانتقام و العبثية، فكسبوا احترام العالم الذي هب يدافع عن قضيتهم في كل محفل و موقع دون كلل إلى أن تحقق لهم النصر  والحرية  والسلام و الديمقراطية.

bumarwan@batelco.com.bh

 

* البحرين

 

 للتعليق على الموضوع