29 يونيو 2005

 

 

الموسيقـَى غِذاءُ الرُّوح!

د. إبراهيم عباس نـَتــُّو

 

الموسيقى هي لون من ألوان التعبير الإنساني، فقد يتم التعبير فيها وبها عن خلجات القلب المتألم الحزين، وكذلك عن النفس المرحة المرتاحة؛ وفي الموسيقى، قد يأتي المرء بشحنة من الانفعالات التي فيها ما فيها من الرموز التعبيرية المتناسقة.. في "مقاطع" معزوفة يحس بها مرهفُ الحس أو من كان "ذوّاقة".. ينفعل ويتفاعل سماعياً ووجدانياً وفكرياً، يحس بها إحساساً عميقاً وينفعل به انفعالاً متجاوباً، مثله مثل أي من الكائنات الحية. فالموسيقى وبخاصة الموسيقى الراقية والروحانية- تساهمُ في علو الروح.

 

ولكن الموسيقى ليست مجرد أنغام؛ بل هي وسيلة "تواصل" لالتقاء الذهن والروح عند الشخص الواحد؛ وهي أيضاً وسيلةٌ فاعلة اجتماعية وتربوية تساهم في عمليات التفاهم وفي تنمية الحس الشخصي؛ وتعمل على إدخال البهجة على النفوس وفي تجميل العالم من حولنا، أو كما جاء في إحدى مقطوعات الفنانة اللبنانية الشهيرة فيروز: أعطني النايَ وغـَنّي، # فالغِنا[ء] سِـرُّ الوجودْ! وكذلك كما صدحت السيدة أم كلثوم: المَغـْـنَى، حياة الروح # يسمعْهُ العليلْ يِشفيه!

 

كما تساهم الموسيقى إسهاماً فعالاً في تبادل التآخي الثقافي الحضاري وتوثيق الصلات وتقوية عُرى الصداقة والمودة وتسهيل التعاون والتقارب بين الناس على المستوى المحلي في البلد الواحد، وبين مختلف الشعوب على مستوى الكون. ولعله من الممكن لنا تكوين صورة أو فكرة عن أي بلد.. بوقوفنا على نوع ومستوى موسيقاه!

 

في هذا، أشار الكاتب المصري نزيه جرجس في محاضرة ألقاها في إمارة (أبو ظبي) أثناء مشاركته في احتفالياتها للموسيقى في 2004م، .. فأوصى بالاعتناء بالموسيقى وخاصة للأطفال، وذلك لمساعدتهم في عمليات توازنهم الوجداني، وفي دَيْـنامية تعاملهم مع الآخرين؛ فعبَّر ذلك الكاتب لجمهور تلك الاحتفالية الإماراتية بأن أطفال بلده (مصر) محرومون عموماً من الموسيقى الهادئة وخاصة "الكلاسيكية" منها، سواء في المدارس أم في البيوت؛ ..ثم عرض تجربته عن إعداد قصة -ومعها موسيقى- على شريط "كاسيت"؛ وقال إنه وجد أن هكذا مشروع لاقى قبولاً (بل رواجاً) في أنحاء مصر، وأيضاً بين الجاليات العربية في الخارج (في أمريكا مثلاً).

 

الموسيقى ليست مجرد أنغام:

 

فعالم الموسيقى عالم غني ومتعدد الأبعاد، متنوع المردودات؛ فهو متشعب الزوايا، فيشمل عدداً من المفاهيم والقيم، ويتطلب الانضباط، وله العديد من المغازي. فبالموسيقى يمكن الأطفال (بل عموم "نوع" الإنسان) أن يتعلموا مساعدة الآخرين والتعاون معهم؛ وبها يسهل التعامل مع كائنات الطبيعة كالطيور والزهور وتنمية المحبة لهما؛ كما وبالموسيقى يمكن بنو الإنسان أن يتلذذوا (أكثر) بالمناظر الخلابة وبالبيئة الكونية من حولهم. كان في مشروع نزيه جرجس أن قام ببناء منظومة موسيقية بطريقة خلاّقة جاءت فيها أداة "الناي" ممثلةً للقط، بينما مثـّلت "الطبولُ" الصيادين؛ واستعملهما وغيرهما من الأدوات الموسيقية في برنامج توعوي تثقيفي في موضوعات التربية البيئية. ثم قام ذلك المؤلف بعد ذلك بتحويل المقطوعات إلى رقصة "باليه"، وأصدرها في عدة اسطوانات شائقة معتمدة على فقرات من التمثيل المفعم بالأنغام الشدية الساحرة، فأضحت بذلك وسيلة تعليمية.. وأيضاً أداة للتسلية إبّان تدريب الأطفال والناشئين.

 

من فوائد الموسيقى في تنشئة الدارسين:

 

نصحَتْ مؤسسةٌ المانية باستعمال الموسيقى في مساعدة الدارسين على استذكار درسهم؛ وبَيّنتْ أهمية الموسيقى الكلاسيكية وذات الإيقاع الهادئ بـَدءاً بما حول 10 ديسيبل إلى ما لا يتعدى الـ70 ديسيبل في الدقيقة؛ بل ووجدوا أنه حتى بعض أنغام "الروك" تعد مثالية لاستذكار الأطفال دروسهم. وركز الباحثون هنا على أهمية استشارة الأطفال حول الموسيقى التي يفضلونها. فهنا تساعد الموسيقى (وخاصة النوع الهادئ منها) على تنشيط المخ في جانبه الأيمن خاصة؛ وعلى زيادة القدرات الذهنية. وفي حالة تشكك الآباء والأمهات في جدوى الفكرة، فما عليهم إلاً إجراء اختبارات تأثير الموسيقى على أطفالهم، ومن بعدها القيام بتحديد أي الأنواع منها بالذات ينفع معهم..ويناسبهم،.. وينسجمون معه. ففي الموسيقى والغناء فوائد عِظيمة في العلاج الصحي والنفسي..وكذلك في التعليم العام.

 

كان لنا زميل أثناء الدراسة الجامعية في أمريكا يقوم بحل المسائل الرياضية المعقدة ضمن تحضيره دروسه اليومية بينما هو يستمع إلى الموسيقى المسموعة، بل وأيضاً أثناء متابعته البرامج "المشاهدة" على التلفاز! وبلغت أخباره وأخبار نبوغه الدراسي إلى مسامع مجلة تايم الأسبوعية، فأشادت بذلك الطالب في مقالة عن التعليم العالي وعن جامعة تكساس حيث كان ذاك الطالب [و هي جامعة كبرى يربو تعداد طلابها على الخمسين ألفاً، بما فيها حوالي العـُشر من الطلبة "الأجانب"؛ وكان مستواها العلمي بين العشرة الأوائل في عدد من التخصصات العلمية.] تدرَّج ذلك الشاب السعودي فيما بعد تخرجه في مختلف المستويات الوظيفية حتى أصبح المسئول الأول عن أكبر مؤسسة علمية تقنية في المملكة. (ولو لا معرفتي الشخصية بحرصه على تحاشي المباهاة بقدراته العلمية وصفاته الشخصية، لبيّنتُ اسمَه هنا!)

 

ومن المعروف عند الكثير من الناس أثر الموسيقى على النباتات وانتعاشها وزيادة رونقها؛ وكذلك أثرها الواضح والمثبت على نفسانية الحيوان (مثل أثر النغمات الناعمة على البقر ..في إدرارها اللبن، كمّاً وجودةً!)

 

كما إن للموسيقى أثرَها البالغ في التعالج في المَشفيات والمَصّحات. لقد حدث مرة أن قابلتُ في إحدى سفراتي سيدةً يابانيةً في إحدى صالات الانتظار في أحد المطارات؛ وأثناء محادثتي معها (كمحاولاتي التحدث مع اليابانيين حينما وكلما تتهيأ الفرص، لممارسة وتطبيق حصيلتي من المفردات والتعبيرات اليابانية التي أحاول أن أنميها عندي كلما وحينما يمكنني ذلك).. فوجئت بأن هذه اليابانية (وهي طالبة في كلية الطب في باريس) كانت في طريقها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة لتعمل متطوعة لمدة 9 شهور في مَشفى خان يونس،..في مجال العلاج الطبي بالموسيقى!

 

لقد كانت مفاجأة جداً سعيدة، وغريبة في أكثر من وجه! فها هو العلاج بالموسيقى، وهو ما سمعت عنه لأول مرة وقتها؛ ثم إن هذه الإنسانة هي: 1) متطوعة؛ 2) امرأة؛ 3) من اليابان؛ 4) تشد الرحال إلى أبعد الأصقاع خارج بلادها بينما تَحفُّها المخاطرُ والصعوبات؛ 5) جاءت راغبة في خدمة الفلسطينيين الأطفال والمسنين؛ 6) وفوق هذا وذاك،..جاءت لتخدم لمدة سنة دراسية كاملة،.. بلا راتب ولا جزاء!

 

الموسيقى في عصورنا المزدهرة "الذهبية":

 

هناك العديد من الإشارات إلى مجالات وممارسات الغناء والموسيقى في تاريخنا التليد. وفيما وراء استعمال "السمسمية" و "الربابة" و "الناي" عند البدو الرحل وخاصة حداة قوافل الإبل؛ وعند الرعاة في مرابض البادية حيث استعمال الراعي البوصَ أو النايَ البسيطَ في فترة استراحاته الشخصية، وفي أثناء إراحته الحميمية لماشيته. ونجد أن هذه الأداة الموسيقية أو مثلها مشهورة عالمياً، ولا نعلم عن استثناء لاستعمالها في أصقاع العالم.. في تواريخ الأمم.. في أحقاب الماضي الإنساني.

 

كان الغناء، ومعه الموسيقى والحركات المموسقة، عنصراً أساسياً في الاحتفالات والكرنفالات والطقوس والمهرجانات، وفي مختلف الأسواق الموسمية ..وغير الموسمية. وغدت الموسيقى والغناء عنصرين عامين هامين في المدن وفي التجمعات السكانية وبخاصة ما كان منها حول الأنهار ومناطق الخصب ومواقع الراحة والانتعاش في المجتمعات المتمدينة. هذا بالإضافة إلى ما تطوَّر عبر العصور الإسلامية لدى الفئات "الصوفية" من الأهازيج والأناشيد..مع الحركات المموسقة المتميزة المصاحبة.

 

وكمثال شهير لانتعاش الفنون الجميلة في تاريخنا، كان العصر "الذهبي" من الدولة العباسية، وبخاصة في عصر أمير المؤمنين الخليفة المأمون، فكان للغناء والموسيقى أثر كبير على العصر العباسي الزاهر. أشار الفنان "سامي عابدين" في كتابه الغناء في قصر الخليفة المأمون، وأثره على العصر العباسي -في 10 فصول شملت الغناء العربي في عصر ما قبل الإسلام- إلى عهد الدولة العباسية، حيث سلط الكاتب الضوء على المواقف الإيجابية جداً للخليفة المأمون تجاه الغناء والموسيقى؛ بل وبيَّن الكاتب ولَعَ الخليفة بهما حتى آخر رمق في حياته؛ كما وذكرَ ندوات إسحاق الموصلي في ديوان قصر الخليفة،.. وكذلك ندوات إبراهيم بن المهدي الغنائية في نفس القصر والعصر.

 

وفي العهد الحاضر، نسمع بين الفينة والأخرى عن فنان عالمي مسلم نبغ في الغرب أو أنه أوربّيٌ أسلم. ومن هؤلاء: الفنان العالمي "سامي يوسف"..وهو مسلم بريطاني الجنسية من أصل أذربيجاني. يقول سامي إن الفن والموسيقى يشكلان جزءاً لا يتجزأ من الإسلام، وأن هذا الفن كان قد عرفه قدماءُ ما قبل الإسلام؛ وأن المسلم بطبيعته (مثله مثل غيره) حساسٌ وذواقٌ لكل جميل، وقادر على التعبير الجيد والمؤثر. ويرى الفنان "سامي" بأن "غـُربة" الفن الموسيقى العربي الشرقي في الوقت الحاضر كان سببه ضياعُ التراث الموسيقي الإسلامي العربي الذي لم يتسَنَ للقائمين عليه وقتها -أمثال الفارابي والكندي- تدوينُه ونقلُه للأجيال التالية .. مما ساهم في هدره وضياعه. ويرفض الفنان سامي عبارة وتسمية "الغناء الديني"، قائلاً: إنما الغناءُ صنفان لا ثالث لهما: جيدٌ ورديء. وأفاد بأنه يزمع تقديم مشروع روحاني موسيقي يساهم في فهم العقيدة ..دونما أن يتولى دور "الداعية".

 

الموسيقار العالمي المسلم "يوسف إسلام"، المشهور عالمياً بـ "كات ستيفنز"/ Cat Stevens:

 

الفنان يوسف طبَّقتْ سمعته الآفاق، فهو موسيقار ذو درجة مرموقة؛ اسلمَ منذ سنين وازداد تعلقه بالموسيقى وعطاؤه الإبداعي فيها، حيث أن الغناء والموسيقى يحتلان حيزاً واسعاً من حياته؛ فيقول يوسف: The Guardian UK; Tuesday, March 29, 2005.: "إن الموسيقى هي معشوقتي التي تمنحني الهواء الذي استنشقه، وتمنحني الغذاء الذي يمكِّنني من التواصل والاتساق الروحاني مع نفسي. والموسيقى جزء أساسي من عالم الله الفسيح." الفنان العظيم "يوسف إسلام" هو الآن سفير دولي متجول، ويخدم الإسلام بفاعلية، وهو (داعية) بالمجان. ويوسف إسلام،..ومثله الفنان الآخر "سامي يوسف"، يمثلان النموذج اللامع والقدوة الحسنة في مجال الإبداع والعطاء لتخريج أجيالٍ وأجيالٍ من براعم بني الشرق الناهض.

 

الموسيقار الواعد السعودي أنمار الرفاعي:

 

نبغ الطالب "أنمار" وهو في سن السادسة عشرة حينما كان طالباً في الثانوية. حينذاك لم يكن يعرف حتى "عناصر" السلم الموسيقي، ولا حروف "النوتة الموسيقية"؛ ولكنه، وبعد حوالي السنتين من الدراسة الدائبة في أحد معاهد الموسيقى في مملكة البحرين، أخذ في بلوغ الامتياز والنبوغ، فأصبح أحسنَ شاب يتعاطى الموسيقى في طول الخليج وعرضه حينما فاز على 45 متقدماً من زملائه وزميلاته في إحدى المسابقات التي عُقدتْ في مدرسة "سانت كريستوفر" في البحرين(كانت السادسة من نوعها من المسابقات، وشارك فيها عدد من المتنافسين من قطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة، ..نال فيها "أنمار" الجائزة الذهبية،..ومعها أيضاً جائزة أخرى.)

 

أخبرني أنمار بأن الفضل في هذا الإنجاز يرجع لوالديه اللذين يعشقان الموسيقى، ثم لمعلمه مدرس العود في معهد البحرين للموسيقى "فارس العود" / سعد محمود جواد؛ وكلا المرجعيتين ساهم بفاعلية في تنمية مهاراته وتسامي مواهبه وفي تعلقه بعالم الموسيقى بشغفٍ وبتشبث، بحيث صار يعْبر الجسر إلى البحرين مرتين في الأسبوع لحضور دروسه ولأداء تدريباته. لقد حرصت عائلته على تشجيع كافة أنجالها(5 أولاد وبنت) لدراسة الموسيقى، وجميعهم منخرطون في برامج المعهد (أربعة من الأولاد متخصصون في العود وواحد في القيتار؛ والبنت في البيانو). وفاز أحد إخوان أنمار وهو في سن العاشرة بلقب أحسن عازف على العود في المستوى الثاني ؛ وتمكن من عزف "العصفور الطائر" للفنان العراقي العالمي المرحوم منير بشير، وكذلك مقطوعة "شجن وعود"، من ألحان معلِّمه سعد؛ ومقطوعة "ليت لي جناح".. من تلحين شريف محي الدين.

 

ومن الطريف واللطيف سماعُ الطالب "أنمار" يقول: "لا أتوقع أن أصبح نجماً كبيراً في عزف العود، ولكن الموسيقى ستكون جزءاً محبباً عندي وملازماً لي ما حييت." وأضاف بأن تخصصه "الهندسة المعمارية" في الجامعة في الدَمّام- سيمضى مع هوايته الفنية الفضلى (الموسيقى)، "فهما فنان وتخصصان متلازمان على كل حال." كما لاحظت على أنمار اهتمامه بالطرب العربي القديم، وبخاصة التراث الحجازي الأصيل، فاخذ يجمع عدداً من المقطوعات المشهورة لطارق عبدالحكيم، وطلال مداح ومحمد علي سندي؛..وأخذ يتدرَّب على معزوفاتها.

 

الطرَب في المقام الحجازي/ "حجازْ كار": "كأنْ لم يكنْ بينَ الحُجونِِ إلى الصَّفا # أنيسٌ، ولم يَسمُرْ بمكةَ َ سامِرُ"

 

يشير الشاعر مبارك العَمّاري، المستشار في الديوان الملكي البحريني (للتراث الخليجي) إلى فن "الصوت" في الأداء الغنائي بأنه تركيبة مبتكرة في أساس "الهيكل العظمي" للغناء العربي القديم، وأن نشأته كانت في مكة المكرمة؛ وأنه ورد ذكره في كتاب "الأدوار"، لصفي الدين الأرموي (مخطوطة في مكتبة الملك عبدالعزيز في المدينة المنورة)، وأنه جاء ذكر هذا النوع من الغناء في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني؛ وإن أصناف الصوت تشمل: "العربيات" (بإيقاع 4 على 6)؛ والشامي؛ والساحلي؛ والحَرِّي. كما كان من مشاهير الغناء المكي القديم، من الرجال: ابن مسجع، وابن سريح، وابن محرز؛ وابن طويس؛ ومن النساء في الغناء الحجازي (في مكة والمدينة)، اشتهرت سَلاّمة وجميلة.

أما في العصر القريب، في القرن الماضي، فقد كان، من الرجال: حسن جاوة، الذي شارك بمجموعة أغاني في مهرجان الغناء العربي الأول في القاهرة، 1923م؛ والشريف هاشم العبدلي الذي سجَّل عدداً من الأغاني على أسطوانات في القاهرة (توفي في 1926م)؛ وكان فيما بعد: طارق عبدالحكيم، ومحمد علي سندي؛ وطلال مداح، وفوزي محسون ومحمد عبده ومحمد أمان. كما أن من النساء الشهيرات حالياً: المطربة الفنانة "توحة" (فتحية حسن يحي)؛ وعِتاب، وابتسام لطفي.

 

ولقد ذاع عبر العصور صِيت المقام الحجازي/ "حجاز كار"، فاستخدم في عدد من أشهر المقطوعات الموسيقية، فمنها ما كان من غناء المطرب العربي الكبير محمد بن عبدالوهاب:

 

مُضْـناكَ، جَفاهُ مَرقدُهُ # وجفاهُ ورَحَّمَ عُوَّدُهُ

 

حيْرانُ القلبِِ مُعذَّبُه # مطروحُ الجفنِ مُسَهَّدُهُ

 

وفي أداء كوكب الشرق السيدة أم كلثوم.. من كلمات بيرَم التونسي:

 

أنا في انتظاركْ خلّيتْ # يـَدِّي على خدي وعَدّيتْ

 

وفي منطقة الخليج، كان من أشهر المعزوفات..في أداء الفنان الكويتي عوض الدوخي:

 

صوت السهارَى..يومْ # مَرَّوْا عليَّ،..عَصريةَ العيدْ!

 

أما صنف "العربيات"، فهو نوع من الصوت العربي المتجذر في العصر العباسي؛ ومنها ما يؤدى بدون استهلال ولا "توشيحة" ولا تصفيق، ولا زَفن (رقص). ومن "الحجاز كار" كان نوع "الحُميني"، ومنه صوت "الحَرِّي" (بما فيه الغناء الحجازي النسوي)..وهو نوع ثابت الوزن والإيقاع ويعتمد على أربعة أبيات..مع الرد عليها بنفس الوزن والقافية. واستمر هذا النوع(الحَرِّي) حتى أواسط القرن العشرين (بحسب الباحث الشاعر مبارك العمّاري، عن الكاتبة السعودية/ هند باغفّار). واشتهر هذا الغناء الحجازي في منطقة الخليج، أيضاً. ومن المقطوعات المشهورة:

 

يا مَرْكبَ الهند، يا بو دَقلينْ # يا ريتني كنت رُبـّانه!

 

وكذلك كانت "الصهبة" أساسية في الغناء الحجازي، وهي تعتمد على التصفيق بدون استعمال أدوات الإيقاع؛ ومنها ما انشده مطرب الحجاز المرحوم محمد علي سندي:

 

جَسَّ الطبيبُ ليَ نبضي # فقلتُ له..يا سِيدي، فقلتُ له..

 

..إن التألمَّ في كبدي، فاتركْ يدي # يا سِيدي.. فاتركْ يدي!

 

 

وكانت "التوشيحات" تؤْذن بنهاية أغنية الصوت..ولكنها كانت تأتي أيضاً كنهاية لغير "الصوت" من الأغاني، وذلك في شكل بيتين ينُمان عن نهاية الأغنية؛ ومن التوشيحات الخليجية التي كانت تتغنّي بالحجاز:

 

والزين لمن عبر،.. # بأرض "الشبيكة" تمخطر

 

يا طلعتُه كالقمر.. # كأنهْ بدر وسْط شعبان..

 

وأنا المسيكين أنا!!

 

["الشبيكة"..هي الحارة الأشهر في مكة المكرمة]

 

وفي صيغة أخرى غنّاها المرحوم الفنان الكبير محمد بن فارس آلخليفة:

 

مِن شُفت سِيدِي عَبَرْ # وَسْطَ "الشُّبيكة" تمخْطرْ

 

..يا طَلعتُه كالقمرْ! ...

 

أتذكر أنه أثناء طفولتي في المرحلة الدراسية الابتدائية أن أحْضرَ المرحوم والدي مرة إلى منزلنا "صندوق غـُنا" (قراموفون) لتشغيل بعض "اسطوانات" الغناء، وأحضر معه عدداً من الأسطوانات المسجلة حديثاً..مما وصل أيامها إلى سوق مكة المكرمة؛ (كان ذلك الحدث يشبه في وقتنا الحاضر تركيب القرص الفضائي/ "الدش" -أول ما وصل إلى الأسواق، أو توصيل "الكيبل" إلى المنازل ليتمكن أفراد العائلة من مشاهدة البرامج المسلية السمعبصرية الخاصة.. وكذلك تنظيم عرض الحفلات والمهرجانات والمباريات العالمية مثلاً.

 

وأذكر كم كان الوالد ممتناً أنه اقتنى الجهاز وأحضره لمتعتنا العائلية في البيت؛ وأتذكر اتخاذ عدد من الاحتياطات لكي لا تخرج الأنغام إلى خارج المنزل، بتخفيف الصوت إلى ما يقارب كتمه، وذلك بسد الفتحات بإحدى سجاجيد الصلاة أو بشرشف أو ببشكير --رغم أن "الجلسة" كانت في "الديوان"، وفي الجانب الخلفي من البيت. (السبب: في حارتنا كان مطوعٌ يسكن ليس ببعيد عن منزلنا). وكان الوالد يترنم في أوقات ارتياحه وانشراحه في محلنا التجاري في مكة المكرمة، على شارع السوق الصغير/شارع إبراهيم الخليل (كان موقع المحل في الحيز الحالي لباب فهد من الحرم المكي).. كان المرحوم يترنم بكلمات من أبيات "صوت"، كان مطلعه:-

 

يا من هواهُ أعزَّهُ وأذلَّني # كيْفَ السبيلُ إلى وِصالِكَ..دلّني؟!

 

أنتَ الذي حَلّفتني وحَلفتَ لي # وحَلفتَ أنكَ لن تخونَ..وخُنتني!

 

وكما في الموسيقى والغناء.. فهناك الحركات المموسقة المعتمدة عليها؛ وهذا يعني ويشمل الأداءات الاستعراضية والحركات البدنية من الرقصات بأنواعها، الجماعية والشعبية والكلاسيكية والفردية؛ فبالرقصات تكتمل وتتماهى المعزوفات.

 

ليس بـ"العَرضة" وحْدها يرْقصُ الإنسان:

 

إن أداء الحركات المموسقة (الرقص بأنواعه) هو أداء طبيعي وهو وسيلة للتعبير عند الإنسان في كافة أرجاء المعمورة وفي مختلف الأوطان ..التقليدية منها والحديثة. وما رقصة "العرضة" في أنحاء من شبه الجزيرة العربية إلاً مثالٌ حي ومستمرٌ عبر حقب الأزمان، في الهضاب والبراري والسفوح والوديان.

 

ورقصة "العرضة" هي رقصة بدوية رجالية استعراضية حربية.. كانت في الأصل تؤدى للحماسة ولشد همم المحاربين قبل القيام بالغزوات والغارات؛ وأيضاًً في أوقات الأزمات والملِّمات،..أو احتفالاً بالنصر بعد الإياب. وتستعمل فيها عدة قطع للإيقاع الموسيقي، كالطبلة والطار (الدف)، والجِحلَة(صغير الزير) والمِرصاع؛ وتغنى معها أبيات حماسية تبدأ بالـ"بـَدَّاوية" ثم "الشيلات". أما الآن فتقام هذه الرقصة الشعبية "الفولكلورية" في أجزاء من شبه الجزيرة العربية في مختلف المناسبات الوطنية مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، وكذلك في العيد الوطني، وفي الأعراس.

 

وكانت "العرضة" -تقليدياً- تؤدى في عدة مناطق في المملكة العربية السعودية عدا الحجاز وعسير(حيث تتوافر أنواع من الرقصات المحلية الفلكلورية في كل منهما)؛ كما كانت تمارس العرضةُ أيضاً في أنحاء أخرى من شبه الجزيرة العربية (ما عدا اليمن القديمة وحضرموت، حيث فيها أنواعٌ أخرى من الرقصات). كما وتقام العرضة في البحرين (وفيها جمعية نشأت منذ سنوات لترعى هذا الموروث الشعبي من الرقص والإنشاد). كما تُؤدَى العرضة أيضاً في قَطَر، وفي الإمارات(وتسمى الرديف)، وفي عُمان (وتسمى الرَّدفة).

 

ثم هناك العديد من الرقصات في منطقة الخليج، مثل موسيقى ورقصة "الّليوة"، وموسيقى ورقصة "الطنبورة"، وكلاهما جاء إلى الخليج من الساحل الأفريقي الشرقي؛ كما وتشتهر في منطقة الخليج أيضاً رقصة "الكاسر"(أو الحربة) وأصلها من الساحل الشرقي للخليج (إيران). وهناك الرقصات النسائية مثل رقصة "النَّشْل" التي تؤديها الفتيات على ساحل البحر احتفالاً بعودة الغواصين.

 

وكما في المدن والقرى على ساحل الذهب الأسود، فإن في مدن المناطق الأخرى أيضاً أداءاتها الاستعراضية المموسقة، بما يشمل قرى تهامة وجبال الحجاز، برقصاتها الشعبية المتميزة المتعددة؛ وأيضاً في مدن الحجاز مثل جدة ومكة، حيث تقليدياً كانت رقصة "المزمار" تؤدى في الحارات، في مختلف المناسبات.

وفي أنحاء العالم، لا تكاد منطقة ولا دولة إلا وتقام فيها رقصاتها الشعبية(الفولكلورية)،..من جزر المحيط الهادئ وأرخبيل اليابان (أنواع الـ"ماتسوري"= الاحتفال) والفلبين وإندونيسيا شرقاً..إلى أنحاء أوربا، مروراً بدول الشرق الأوسط، وعلى رأسها الرقصات المشهورة بـ"الدبكة".. بأنواعها اللبنانية والفلسطينية والأردنية والسورية.. حيث تتشابك أيدي الراقصين/ الراقصات -ومنها ما تؤديه النسوة حصرا- في أداء مختلف رقصات الدبكة.. مثل تلك المخصصة للبذر والجَني والحصاد.

 

فبالموسيقى وبالغناء تنتعش النفوس وتسموالأرواح، وبخاصة حينما يتم الجمع بين الغناء الجميل والموسيقى الرخيمة والأبيات الشعرية الجميلة، والحنجرة الصادحة الندية، فيأتي "الكورال" أو الأغنية/ النشيد، رائعَ اللحن شجيَّ النغمات، فتهتز معه الأسماع وتطرب له النفوس لحناً و معنى. فما الإنسانُ وما الأنسَنة وما الأنسُ إلا رفاق في دروب عشق الحياة!

 

يا ليلةِ الأنس، ما تعودي لنا ..

 

كل الناسْ مُرتاحةْ، يا عيني! إلا أنا!

وحينما يتضاءل دور الموسيقى تضمحل الحضارة، وتضمر القلوب، وتتصحر النفوس. لقد جاءت مقولة عن ابن خلدون بأن (أحد مؤشرات سقوط الحضارات كان تدني الحس الغنائي الموسيقى في المجتمع.). وكما يقول الأخ جعفر الجمري: من لم تصبه الموسيقى بعافية الحب فلن يجد إلى العافية سبيلاً.

 

إن الشعب الطروب لن يهن ولن يموت.. فدعونا نستعيد ولو بعض الهنا، وأن نبعد عن أنفسنا ولو بعض العنا؛ وأن نسعى إلى منع اغتيال البهجة في صدورنا، والفرحة من على شفاهنا. وعلينا ألا نفقد الأنس (وكذلك الحب والحنان)؛ وألا نسمح بأن نُدفَع إلى نسيان إنسانيتنا، وإلى فقدان ابتسامتنا..!

 

natto@batelco.com.bh

*عميد سابق في جامعة البترول

 

للتعليق على هذا الموضوع