15 فبراير 2005

 

بلادنا الرهينة (الجنون والإرهاب والمؤامرات)

حسين عجيب

 

الموقف من الموت محدّد أساسي للشخصية الفردية، ويتحكم بالأفعال والأفكار والسلوك. هو مركز العالم الداخلي للفرد، بعيد عن الوعي والإرادة والشعور، بعيد عن الإدراك لكنه كما المصير يشكل ماهية الفرد. بعد الموت نتساوى جميعا، لا توجد في العدم مراتب أو درجات، فراغ مطلق ساحر.

 

مات رفيق الحريري في عملية تفجير مروّعة، الجديد النوعي فيها تعميم الفزع على لبنان وسوريا. وحشية المشهد ومأساويته تحولت من اللحظة الأولى إلى حدث عالمي، يصعب التكهن بنتائجه وانعكاساته، ويصعب أكثر تحديد الطرف المستفيد من الجريمة أو الأطراف، إن كان ثمة فائدة لأحد، ويبقى الضرر والأذى العميق "المشترك" بين أغلبية اللبنانيين والسوريين على اختلاف مواقعهم ومواقفهم.

 

من هم القتلة؟ ما هي أهدافهم؟ ما هو الموقف المناسب من الجريمة؟ الخوف؟ الرد؟ الانتظار؟ التسامح؟

 

السؤال: من يستفيد من قتل رفيق الحريري بتلك الصورة البشعة لا يساعد في تحديد الجناة. كذلك السؤال من المتضرر. السؤال الأسهل والمنطقي من القادر على ذلك؟ وهذا السؤال امتحان حقيقي لمصداقية القضاء والإعلام وشرعية السلطة.

 

السؤال عن أهداف القتلة مرتبط بهيئاتهم ومشاريعهم المستقبلية، ويتعلق بكشفهم.

ويبقى السؤال المستمر ما هو الموقف المناسب؟ 

 

شعرت بالصدمة عند سماعي الخبر، ثم تداخلت مشاعر الخوف مع القرف. تابعت وسائل الإعلام لأعرف أكثر عن العملية والمواقف المختلفة بصددها، وما يهمني بالدرجة الأولى موقف صنّاع الرأي العام وموقف حكومة بلدي. فعلى الموقفين تترتب نتائج مباشرة وكبيرة تؤثر على حياة مئات الألوف من السوريين الفقراء في لبنان، والذين يتعرضون يوميا لضروب القهر والإذلال والتمييز العنصري، فقط لأنهم ولدوا سوريون ولا مكان لهم لا في بلادهم ولا سواها وبالنسبة لي موت أحدهم لا يختلف عن موت أي زعيم عربي أو أجنبي، لأن حق الحياة مطلق وفوق التراتبيات.

 

يختلف رفيق الحريري عن أقرانه في الطبقة السياسية اللبنانية المعارضة أو الموالية، بأنه نسيج وحده وصاحب مشروع عقلاني واقعي وممكن التحقيق، ومشروعه لا ينفصل عن شخصه، على خلاف مزارع الإقطاع السياسي الموروث. مشروعه كان لبنان الكبير وشعبيته تغطي جغرافيا لبنان وتزيد، لكن القتلة نجحوا في فعلتهم، فهل ينجحون في تحقيق غاياتهم ويؤبّدوا قوانين الغاب في هذه البلاد!

 

تعزيتي الصادقة لأهل الراحل الكبير ولمحبيه الكثر، والكلمة الأخيرة لأعدائه وليس خصومه: الوحشية المفتوحة ليست حلا ولا يتبعها إلا الكوارث.

 

اللاذقية- حسين عجيب 

ajeebe@scs-net.org

 

للتعليق على هذا الموضوع