25 نوفمبر 2005

 

 

قصة إعلان دمشق

د. حازم نهار

 

-1-

 

بدأت فكرة إعلان دمشق منذ أشهر قليلة بين عدد من الأفراد، وقدمت صيغة أولية ما لبثت أن تحولت إلى موضوع للحوار بين ممثلين عن لجان إحياء المجتمع المدني وقيادة التجمع الوطني الديمقراطي، لتصبح الصيغة أكثر نضجاَ وأوسع مدى.

أثناء الحوار جرت مناقشة المعايير والأسس في اختيار القوى الأولى التي ستوقع على الإعلان، كما جرى تحديد الرسائل والأفكار الأساسية التي ينبغي إيصالها من خلال الإعلان.

أما من حيث المعايير التي حددت القوى التي وقعت على الإعلان فهي:

1- تحديد سقف التحالف بالأفق السياسي، وهذا يعني إبقاء الجمعيات الحقوقية والمنتديات الحوارية خارج إطار إعلان دمشق، على الأقل في المرحلة الأولى.

2- التوجه نحو القوى السياسية والجماعات المستقرة نسبياَ ، أي تلك التي كونت نفسها وبرامجها وأطرها ، وهذا يعني تأجيل القوى الأخرى لمرحلة لاحقة ، خاصة أننا شهدنا خلال السنوات الماضية تشكل العديد من القوى والجمعيات والتيارات على أسس واهية أو غير واضحة ، مما أدى إلى انحلالها ، إن كان بسبب آلية التكون غير السوية ، أو بسبب الاختلافات والتناحرات الذاتية لأعضائها .

3- التوجه كمرحلة أولى نحو القوى السياسية التي حسمت خيارها في المعارضة الوطنية الديمقراطية ، ووصلت إلى قناعة واضحة بأن النظام السياسي القائم في سوريا غير قادر أو راغب في القيام بإصلاح أو تغيير جدي ، مما جعله العائق الأساسي أمام التغيير الديمقراطي في سوريا ، وهذا يعني تمحور الإعلان حول القضية المركزية، أي الديمقراطية .

4- التوجه نحو القوى السياسية التي أوضحت موقفها بجلاء فيما يخص الداخل و الخارج ، أي تلك القوى غير المستعدة لبناء تحالف مع الخارج من أجل إنجاز التغيير في سوريا، دون أن يعني ذلك الانعزال عن العالم ورفض الحوار مع المجتمع الدولي بكافة مستوياته .

5- محاولة تغطية كل الطيف السياسي في سوريا، بمعنى أن يتم تمثيل جميع التيارات السياسية من خلال قوى وأحزاب سياسية تمثلها، أي التيارات القومية والماركسية والليبرالية والإسلامية. لكن هذا ما كان ممكنناَ ، بسبب أن بعض هذه القوى خارج سوريا ، أو أن بعض هذه التيارات لم يتبلور بعد على أرض الواقع داخل سوريا ، ولذلك جرت محاولة تعويض ذلك من خلال عرض الإعلان على عدد من الشخصيات العامة التي تمثل هذه التيارات .

6- محاولة أن تكون الشخصيات العامة الموقعة على الإعلان في المرحلة الأولى موزعة على جميع المناطق الجغرافية السورية كافة، لأجل تشكيل حالة استقطابية بالمعنى الوطني العام .

7- التوجه نحو القوى التي يتوقع أن يحدث توافق عام سريع نسبياَ بينها على المبادئ الأساسية المطروحة في الصيغة الأولية للإعلان ، وهذه السرعة ضرورية في اللحظة السياسية الراهنة ، خاصة أن الضغوط الخارجية على النظام السوري تصل إلى حدود غير مسبوقة ، الأمر الذي يمكن أن يجر الأوضاع إلى الانفجار الداخلي .

أما الأفكار والمضامين الأساسية التي جرى التأكيد عليها في الصياغة الأولية للإعلان وأثناء الحوار مع القوى السياسية والشخصيات العامة فهي:

1- ضرورة تغيير الصورة السائدة، سواء عند النظام أو في الخارج، والتي تقول أنه لا يوجد معارضة في سوريا، إنما يوجد معارضون، وهي الصورة التي لا تقيم وزناَ لوجود معارضة متماسكة داخل سوريا.

2- ضرورة تغيير مسار خطاب المعارضة السورية من خطاب يعول على النظام ويناشده القيام بالإصلاحات المطلوبة وانتظار مبادرته تجاه المعارضة والمجتمع ، إلى خطاب يضع تصوراَ للتغيير الديمقراطي بمعزل عن النظام ، خاصة بعدما ظهر أن النظام قد أدار ظهره لكل دعوات المعارضة بالإصلاح والتغيير .

3- تأكيد وتثبيت القضية المركزية التي يجب على التحالف بين القوى السياسية أن يقوم عليها ، وهي قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وعدم تمييع هذه القضية بطرح كل إشكاليات وأزمات الواقع العربي والسوري ، كالاحتلال الأمريكي للعراق والقضية الفلسطينية ، أو من خلال طرح قضايا اجتماعية اقتصادية تصلح في هذه الفترة أن تكون برنامجاَ لحزب سياسي وليس لتحالف أو ائتلاف سياسي ، خاصة بعد أن تأكد أن مقاومة ضغوط الخارج غير ممكنة دون وجود البشر الذين يفترض أن يكونوا الرقم الأساسي في السياسة والمقاومة على حد سواء ، و أيضاَ لأن هذه القضايا يستثمرها النظام ويحشد عليها ، ويرفعها إلى المرتبة الأولى من أجل طمس القضية الديمقراطية وتأجيل الاستحقاقات المطلوبة .

4- توجيه خطاب المعارضة إلى كل المجتمع السوري في الداخل والخارج ، ولفت انتباهه إلى أن مساراَ جديداَ للتغيير قد ولد ، وهذا المسار لا يلتقي مع سياسات النظام ، ولا يتوافق مع أساليب الخارج في آن معاَ ، لذا من الضروري عدم استثناء أي جهة أو فئة أو فرد إلا أولئك المندرجون في سياسات القمع والفساد ، والذين يقيمون تحالفاَ صريحاَ مع الخارج وموجهاَ ضد سوريا الدولة والمجتمع .

5- ضرورة أن تكون صيغة الإعلان ذات طابع سياسي توافقي ، وهو الأمر الذي اقتضى التخفيف من الأيديولوجيا قدر الإمكان ، والاقتراب أكثر فأكثر من الحقائق الواقعية ، وهو ما تجسد فيما بعد في الحديث عن " المنظومة العربية " بدلاَ من " الأمة العربية " ، وفي تثبيت فقرة خاصة بالإسلام،  وأخرى خاصة بحقوق الأكراد والقضية الكردية ، وهذا نوع من الإقرار بالحقائق الواقعية الموجودة على الأرض .

بعد تحديد المعايير الخاصة باختيار القوى السياسية والشخصيات العامة، وتحديد الأفكار الأساسية للإعلان، جرى تثبيت آليات أولية للسير في طريق إطلاق الإعلان:

1- توزيع الأدوار في نطاق ضيق للاتصال بالقوى والشخصيات من أجل ضمان النجاح، وعدم نشر الصيغة المقترحة للإعلان كي لا يصار إلى إفشاله قبل إنضاجه.

2- إجراء حوار دقيق وتفصيلي حول صيغة الإعلان، كي تكون التوافقات واضحة لجميع الأطراف، وهذا يساهم في ألا يكون الإعلان مجرد فقاعة أو بيان يتلى وينسى ولا يتمخض عنه شيء ، خاصة في ظل كثرة البيانات والمبادرات التي خرجت إلى العلن في الفترة الماضية ، وانتهت بمجرد إعلانها. 

قبل إصدار الإعلان جرت مناقشة التوقعات التي يمكن أن تحدث بعد صدوره على مستوى القوى السياسية. لم تحدث مفاجآت بعد الإعلان، لكن صدى الإعلان كان أكبر وأوسع مما تصورته القوى والشخصيات التي أصدرته .

في هذا الشأن كان الاتجاه، ولا زال، أننا لا نستطيع أن نمنع أحداَ من تأييد الإعلان أو التضامن معه، أو حتى إعلان الانضمام إليه. وهنا جرى التأكيد على أن الموقعين ، رغم ذلك ، يملكون زمام المبادرة والإرادة في التنسيق والتعاون مع قوى بعينها ، وتأجيل قوى أخرى لحين استبيان اتجاهاتها ورؤاها بناء على المعايير المذكورة سابقاَ ، واستبعاد قوى أخرى لا تتوافق لا تتوافق مع روح الإعلان ومضامينه ، رغم أنها قد تبادر لإعلان انضمامها إليه لأسباب معروفة . أي من حق القوى التي أصدرت الإعلان أن تحدد متى وكيف يتم التنسيق مع القوى الأخرى، وهذا أمر طبيعي في العمل السياسي.

لا يمكن القول أن مسيرة إعداد الإعلان كانت سهلة، فالعقبات كانت عديدة، منها ما هو أيديولوجي، ومنها ما هو ذاتي، ومنها ما هو موضوعي.

بعض القوى أو الشخصيات التي أجري الحوار معها كان تعلقها بالأيديولوجية وببرامجها الخاصة أهم من الحس السياسي ومن التوصل إلى ائتلاف وطني عريض. بعضها الآخر يقف ضد أي مبادرة لا تصدر عنه. على كل حال جرت حوارات مفيدة للمستقبل مع قوى وشخصيات أخرى لم توقع على الإعلان ، كما جرت أيضاَ محاولات للاتصال بعدد من الشخصيات الأخرى ، كالدكتور عارف دليلة الموجود في السجن ، لكنها لم تثمر . أما من حيث صيغة الإعلان المقترحة فقد تغيرت كثيراَ خلال الحوار، وهذا يبدو أنه ساهم نسبياَ في ركاكة بعض الصيغ أو إبهامها وعدم وضوحها.

 

-2-

ملاحظات للمستقبل

 

1- رغم الجهد المبذول في الإعلان ، والنوايا الطيبة لموقعي الإعلان ، فإن استمرار الائتلاف أو التحالف محفوف بالمخاطر والمطبات ، لعل أولها طبيعة اللحظة السياسية التي تجعل التوصل إلى خطاب سياسي ناضج تجاه الأحداث السياسية أمراَ ليس سهلاَ ، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الجارية على مستوى الشارع ، وفي ظل خطاب التحشيد الذي تطرحه السلطة ضد الخارج بهدف تمرير أزمتها المستفحلة . وثانيها أن الإعلان والظرف السياسي الراهن يدفعان إلى ضرورة التوصل إلى برنامج تفصيلي يصلح لأن يكون مسودة لدستور أو برنامجاَ لحوار وطني عام ، وهذا الأمر يتطلب الكثير من المسؤولية من جهة ، والكثير من السياسة على حساب الأيديولوجيا والبرامج الخاصة ، وثالثها ضرورة التوصل إلى آليات عملية واضحة أو نظام داخلي يحدد الحقوق والواجبات ونسب التمثيل والهيئات واللجان الضرورية، وطرائق التعامل مع الصحافة والإعلام ، كي يتسنى لقوى الإعلان تحويله تدريجياَ إلى واقع عملي . و رابعها لن ينجح الإعلان وقواه ما لم يتوجه إلى القوى السياسية الأخرى بهدف زيادة مساحة التوافق الوطني ، وهذا ممكن من خلال الحوار العميق والصبور .

2- بالنسبة للقوى التي اعترضت على الإعلان أو وقفت ضده: هذه القوى مطالبة بداية أن تطرح على نفسها السؤال التالي: أيهما أجدى سياسياَ البقاء خارج إعلان دمشق أو الانضمام إليه وإجراء التعديلات الممكنة بالتوافق مع القوى الأخرى ؟.

هذا الأمر يحتاج إلى إعمال العقل السياسي من جهة، ويحتاج إلى التأمل ملياَ في اللحظة السياسية الراهنة و تحديد أين تكمن المصلحة الوطنية بإنجاز التغيير الديمقراطي، و هذا باعتقادي أهم من إصدار إعلانات موازية تثير من البلبلة أكثر مما تقدم من الفائدة.

3- عند كل أزمة أو عند الوصول إلى مفترق طرق يعاد عادة طرح سؤال الهوية، وهو السؤال الذي يحكم وعي الجميع أفراداَ وقوى سياسية ومجتمعية. هل سوريا دولة قائمة بذاتها ، أم إنها جزء من " الأمة العربية " أو " الأمة الإسلامية " ؟ هل نحن عرب ؟ هل نحن أكراد ؟ هل نحن مسيحيون ؟ هل نحن آثوريون ..؟

سؤال الهوية هذا لم يتح له للآن التواجد في بيئة صحية ، ويتجلى دائماَ بسيطرة الماضي والتاريخ والذاكرة على حساب الحاضر والمستقبل ، إذ ينظر للهوية على الدوام على أساس أنها تكونت وانتهت ، وبالتالي ليس من دور للقوى السياسية سوى النضال لتثبيت هذه الهويات وضمان حقوق أفرادها وجماعاتها .

هذه الآلية في التعاطي مع موضوع الهوية ذات طابع أيديولوجي ، يرتكز في الغالب الأعم إلى هواجس الخوف وعدم الأمان ، ومن البديهي القول أن هذه الآلية لا تنتج فهماَ سوياَ للهوية ، وتؤدي في المستوى السياسي لنمو ذهنية " المحاصصة " المعيقة لبلورة ما هو عام وتوافقي ومشترك .  

معظم الخيارات السياسية والأيديولوجية للقوى السياسية في سوريا ، بل ولجميع فئات الشعب السوري ، قد نمت وتكونت في ظل بيئة استبدادية ، ولم يتح لهذه الخيارات بعد التكون في بيئة صحية .

لذا من الهام أن تتعامل القوى السياسية مع سؤال الهوية في هذه اللحظة السياسية بشيء من المرونة، وأن تترك فرصة للمستقبل لإعادة تكونها في ظل شروط وبيئة ديمقراطية. ما يحتاجه السوريون جميعاَ هو فسحة من الأمل والديمقراطية لإعادة تكوين قناعاتهم ورؤاهم ، وإعادة النظر بهوياتهم الموروثة أو المشوهة ، الأمر الذي يخفف حدة الدفاع عن الموروثات ويرفع من سوية الدفاع عن الخيارات الحرة .

النقد الموجه للفقرة المتعلقة بالإسلام في إعلان دمشق بعضه صحيح وأغلبه زائف . الصحيح أن الصياغة مرتبكة وغير واضحة واستخدمت مفاهيم سياسية ( الأكثرية ) في ميدان الهوية وليس في حقل السياسة والتعاقد الاجتماعي. لقد وضعت هذه الفقرة لغايات متعددة ، يأتي في آخرها حساب انضمام" الأخوان المسلمين " إلى إعلان دمشق بوصفهم تياراَ دينياَ معتدلاَ . الغايات الأكثر أهمية تتحدد في : أولاَ: لقد أصبح الإسلام مشكلة على صعيد العالم ، فيما المسيحية ليست كذلك ، خاصة لجهة ربطه بالإرهاب ، لذا كان من الضروري إبراز فهمنا لأحد المكونات الأساسية لثقافتنا ، وثانيا: محاولة تشجيع التيارات الدينية المعتدلة على حساب التيارات العنفية المتطرفة التي تنمو في ظل الاستبداد وتجد متنفساَ لها بعد زواله ، وثالثا : تأكيد القوى الوطنية الديمقراطية انتماءها لعلمانية ديمقراطية في وجه العلمانيات المعادية للدين ( ومنها تلك التي يمكن تسميتها بالعلمانيات الطائفية ) والقافزة فوق واقع وشروط مجتمعاتها ، والتي تمارس سياسة متطرفة هي الوجه الآخر للتطرف الديني .

 

-3-

 

إعلان دمشق هو ثمرة لجهود ناجحة وأخرى فاشلة قامت خلال السنوات الخمس الماضية على صعيد المعارضة ، لكنه في الوقت ذاته خطوة نوعية تتجاوز المبادرات والمشاريع السابقة ، من حيث المنظور ، ومن حيث التطور الحاصل في علاقات القوى السياسية مع بعضها، وفي التقنيات الحوارية الجديدة القائمة على التوافق والتشارك ، وهي التقنيات الضرورية للممارسة الصائبة للسياسة، وأيضاَ من حيث كون الإعلان جاء مشروعاَ إنقاذياَ في اللحظة السياسية الراهنة .

لا يمكن تجاهل تحول الإعلان إلى قوة معنوية ، وهو الأمر الذي دفع بالقوى والشخصيات المعارضة خارج سوريا إلى إعلان تأييدها وانضمامها ، بما يعني أن إيقاع المعارضة السورية أصبح مرتبطاَ بإيقاع قواها في الداخل ، وهذا هو الاتجاه السياسي الصحيح الذي يمكن من خلاله ألا تكون حركة المعارضة في الخارج حركة بلا إنتاج أو حركة بلا بركة أو حركة دون مسار واضح .

الإعلان بحاجة إلى نقد واسع، لكنه بحاجة إلى نقد يستند إلى روح التضامن معه، ودون إغفال الحقيقة السياسية التي تقول أنه من الضروري لكي نلتقي أن نترك جزءاَ منا خارج غرفة الحوار، وجزءا آخر أثناء الحوار. دون روح التفاوض والتسوية والحلول الوسط والتوافق لا يمكن لنا أن نتشارك، فهذه الروح هي جوهر ممارسة السياسة، وهي ما تجسدت نسبياَ عند القوى والشخصيات الموقعة على إعلان دمشق.

 

* كاتب سوري

 

nahar69@hotmail.com

 

  للتعليق على هذا الموضوع