16 فبراير 2006

 

 

 

فشل الدبلوماسية السودانية وآفاق مستقبلها 2

د.حيدر بدوي صادق

 

في الحلقة السابقة من هذه السلسلة أشرنا إلى أن عجز الدبلوماسية السودانية  في الاستجابة لنبض الشعب السوداني إزاء مجزرة القاهرة يأتي في سياق تاريخي تراكمي يحتضن الفشل من كل جنباته.  هذا الفشل جسدته حكومة الهوس كما لم تجسده حكومة من قبل (بدءاً باستعدائها المتهور للغرب في معارك لا معتركات لها، مروراً بتأييدها للعراق في غزوها للكويت - صاحبة الأيادي البيضاء على السودان، بخاصة جنوبه- ومشاركتها الفاعلة في محاولة اغتيال الرئيس المصري، وانتهاءً بمشاركتها في بيع حلفائها من المتهوسين لأجهزة مخابرات الولايات المتحدة - الدولة التي قيل في حقها "أمريكا قد دنا عذابها" - في الخطاب الرسمي للدولة والخطاب الشعبي للمجييشين المضللين المتهوسين من بسطاء الشعب السوداني). 

 

ولا يقاس الفشل بمثلما يقاس بتبديل توجه السياسيات إلى مائة وثمانين درجة، كما حدث في كل الأمثلة المذكورة.  ولا شئ يدل على قلة الحنكة والتهوس والتهور مثل التهريج السياسي الذي يضطر صاحبه للخضوع للخطاب المعاكس في نهاية المطاف.  بيد أن بلوغ حكومة الهوس الديني لقمم متركامات الفشل، لا تنافسها فيها أي حكومة سابقة، لا يجب أن يؤخذ في سياق منعزل.  ذلك بأن هناك تمهيداً تم لهذا الفشل قبيل تصاعد موجة الهوس الديني وتحكمها في مقاليد السلطة.

 

صحيح أن عدم الاستقرار السياسي كان له أثر بالغ في تكبيل كل مرافق الخدمة المدنية في السودان.  ولكن صحيح أيضاً أن النخبة التي تولت مهام تلك المرافق كانت، وما زالت، جزءاً من بنية العقل الشمالي الذي أسهم - داخل تلك المرافق، وخارجها (بخاصة في الأفق السياسي) -  في تهيئة المناخ المناسب لنمو الهوس.  ولأننا الآن بصدد الدبلوماسية فلنأخذها نموذجاً لعدم مسؤولية النخب التي عملت في الخدمة المدنية للتهيئة للهوس (غير مباشرة كانت تلك التهيئة أو مباشرة).  وأقر هنا بأنني سأركز على الجوانب غير المباشرة، دون الجوانب المباشرة، ذلك بأن الجوانب المباشرة لا تخطئها البديهة، بخاصة بعد وصول الهوس إلى سدة الحكم.  من هذه الجوانب المباشرة نذكر مثال حشد وزراة الخارجية  بزمر من "الدبلوماسيين!" المتهوسين.  وحتى لا نرهق القارئ بالبدائه دعونا ننظر إلى بعض الجوانب غير المباشرة.  

 

أولاً، ساهمت الدبلوماسية السودانية، في غفلة منها، كوسيلة فاعلة لربط المتهوسين السودانيين - قبل بلوغ الجبهة الإسلامية القومية سدة الحكم - بالمتهوسين في العالم العربي والإسلامي.   نظرة سريعة  في عدد المنظمات التي تسمى بالإسلامية التي ظلت تعمل في السودان منذ السنوات الأخيرة في عهد نميري، وتحويل  ما تسمى اليوم بجامعة أفريقيا إلى وكر للهوس، تكفي للتدليل على مانقول.  كل هذه أصبحت مزارع خصيبة للهوس.  ويجب ألا يغيب عن بالنا بأن البشير - وآخرين ممن قاموا بتحويل البلاد كلها إلى وكر ضخم للهوس - تدرب على فنون التهوس في تلك المؤسسة.  ومثل هذ التواطوء ينطبق على كل مؤسسات الخدمة المدنية التي ساهمت في جعل تغلل سرطان الهوس الأجنبي في جسد بلادنا. 

 

ثانياً، ظل معظم الدبلوماسيين السودانيين، مثلهم مثل نظائرهم في دول العالم الثالث، ينظرون إلى العمل الدبلوماسي من زاوية امتيازاته المغرية.  من تلك المغريات العيش لفترات طويلة خارج البلاد، بعيداً عن بؤس الحال الاقتصادي في السودان.  ومنها الحصانة الدبلوماسية، وسهولة السفر من دولة إلى دولة.  وقد  استغل البعض هذه الميزات في الاتجار بالدولار وفي تهريب شتى أنواع السلع من بلاد تمنع تهريبها إلى بلاد يزيد الطلب فيها لتلك السلع.  ومن المؤسف أن الحقيبة الدبلوماسية كانت من وسائل مثل تلك الممارسات، بعلم أو دون علم السفراء والمسؤلين بالوزارة.  ومن تلك المغريات التميز الاجتماعي الذي يجعل من الدبلوماسي محط انظار وأطماع الكثيرين. لا يحتاج المرء ههنا لتعديد أكثر من ذلك.  كما لا يحتاج بأن يقول أن أغلب الدبلوماسيين لم يكونوا ضالعين في تلك الممارسات الاجرامية. ولكن ما لا شك فيه هو أن كل ذلك كان يتم تحت سمع وبصر تلك الأغلبية.  ومما لاشك فيه أيضاً أن تلك معظم تلك الأغلبية لم يكن داعيها للخدمة الدبلوماسية غير مغرياتها، مثلها مثل تلك القلة المتورطة في أنشطة مخالفة للمهام الدبلوماسية.

 

ثالثاً، قليلاً ما يجد المرء من الدبلوماسيين السودانيين،  من يجهد نفسه في الاستمرار في تطوير قدراته التحليلية والبحثية، أو في تطوير أفقه العام في فهم مجريات الأمور في الساحة الدولية وانعكاسات ذلك على أوضاع السودان.  وهذا بالطبع ليس حصراً على الدبلوماسيين السودانيين، فإن نظرائهم من العرب والأفارقة متورطون في نفس المعايب، إلا من رحم ربي!  وما ينتج عن عدم الاكتراث للتطوير الذاتي هو التردي المستمر للمستوى الفردي والجماعي في الأداء، إذ لا ثبات في الحراك البشري. فنحن إما  متقدمون لأفق جديد، أو متداعون إلى مهالك التردي المستمر.  وقد كان المرء يأسى لمستوى الحوار في ردهات وزارة الخارجية، حتى قبل وصول جماعة الهوس إلى السلطة.  قليلاً ما كنت تجد إثنين يناقشان سياسية السودان الخارجية.  وقليلاً ما تجد أحداً مهموماً بعقد الندوات المهتمة بآخر معطيات الفكر الاستراتيجي والدبلوماسي،  أو الدورات التدريبية التي  تساهم في ترقية الأداء الدبلوماسي.  هناك استثناءات بالطبع، ولكن تبقى هذه هكذا لا غير، مجرد "استثناءات!"

 

أرجو أن تكون تجربتنا  كددبلوماسيين مفصولين من الخدمة، في فترة الهوس منذ 1989،  قد  ساهمت في تهيأتنا للعمل بكفاءة أفضل إن قدر لبعضنا أن يعود لها.  تواصلنا إلكترونياً اليوم، في إطار قائمة تضم معظم هؤلاء، يدلل على أننا  قد استفدنا من الغربة.  كثيرون منا يعملون في مواقع تفرض عليهم تطوير قدراتهم.  وكثيرون اختاروا طوعاً تطوير تلك القدرات.  هذا كله أسهم في تغيير مستوى الخطاب، بعد تلقيحه بالمعطيات المتجددة من الفكر الاستراتيجي والدبلوماسي العالمي.  هذا أيضاً ينطبق على الكثيرين ممن اختاروا  الاستمرار في الخدمة، أو الذين اضطروا للبقاء فيها لا سباب معلومة.   ولأن العنت والقهر والمعاناة  - التي صاحبت فترة تحكم منهج الهوس - من أقدر المعلمين، فإننا نتلمس بعض أمل في أن تكون آفاق مستقبل العمل الدبلوماسي السوداني مبشرة بدفق جديد يخرج بها من تيه العطب المهني والفكري. 

 

في الحلقة القادمة سنناقش تلك الآفاق.

haydar@alfikra.org

 

 

فشل الدبلوماسية السودانية وآفاق مستقبلها 1

 

للتعليق على هذا الموضوع