10 يناير 2006

 

فشل الدبلوماسية السودانية وآفاق مستقبلها (1)

د. حيدر بدوي صادق

 

كانت لمجزرة القاهرة التي راح ضحيتها سودانيون عزل، دلالات عميقة، تتعدى الحدث في تجلياته المباشرة، المؤلمة، إلى فساد مؤسسات الدولة الحديثة في السودان. وسأناقش هنا التعفن الذي تعاني منه وزارة الخارجية السودانية بسبب تورمها في عهد سلطة الهوس الديني. وآخر تجليات تردي وزارة الخارجية السودانية كان سلبيتها في التعامل مع أزمة اللاجئين في القاهرة، مما كان له الأثر البالغ في استفحالها بهذا الشكل المروع. بل أكثر من ذلك فإن التقارير الأولية تشير إلى أن الخارجية السودانية، كان لها دور غير مباشر في المجزرة. (ذلك على ضوء أن السلطات المصرية قد صرحت بأنها قامت بما قامت به بتنسيق كامل مع الحكومة السودانية!!) تأملوا!!!!

 

مما لا شك فيه أن الدبلوماسية السودانية قد حققت نجاحات كبيرة في سابق عهدها، وبخاصة في عهد تولي الدكتور منصور خالد لقيادة دفتها. وقد انجبت وزارة الخارجية كوادر من أميز السودانيين الوطنيين مثل السيد السفير إبراهيم طه أيوب - قريبي النوبي الأصيل- والسيد السفير جمال محمد أحمد كذلك من ذوي القربى. وقد انجبت تلك الوزارة كذلك السادة السفراء عصام أبو جديري والسمحوني، الرجل السمح، الكريم، عفيف اليد واللسان، وعبد الله إبراهيم، صديقي الذي غيبته عني سلطة الهوس الديني الغاشمة وذلك بسبب تركي للخدمة في الوزارة بسببها. كما أنجبت وزارة الخارجية -بعد الفكرة الجمهورية، فكرة الأستاذ محمود محمد طه- صديقي النضير البصير، بشير بكار، الوطني الصميم، الشجاع، المعطاء، والشهم. وقد انجبت كثيرين لا يسعني الآن ذكرهم في هذا المقام، ذلك لأن الوقت المتاح لن يكفي لتعديد ثلة من أخير السودانيين الذين عرفتهم إبان عملي في ذلك الصرح الذي ثلمته سلطة الهوس الديني ثلمة كادت تنحط بسببه معاني المهنية النافذة الفاعلة، ومعاني الإنسانية التي تميز بها وجه السودان في وجوه ممثليه الوطنيين في الخارج.

 

وقبل أن أسترسل في سلسة المقالات التي أود كتابتها في هذا الموضوع الهام لا بد من شكر وعرفان أقدمهما لصديقي العزيز، ورفيق وجعي، أخي الدبلوماسي السابق الأستاذ حسن عبد السلام، زميلي في وزارة الخارجية وفي جامعة الخرطوم يوم كنا وكان السودان وكانت تلك جامعة. وهنا أود أن أعرف القارئ، بإيجاز شديد، بحسن عبد السلام. حسن شاب طيب من قرية فطيس رجل بسيط النشأة ومركب التكوين في نفس الآن. بسيط لأنه قروي ومركب لأنه كوكبي النظر، حديد البصر. وقد جمعتي به الزمالة في كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بالجامعة، ثم إدارة الأمريكتين بوزارة الخارجية، حيث عملنا سوياً في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي. يحدثك حسن عن قرية فطيس وما جاورها -مثل صراصر التي تجمعه بها أواصر الدم والمصائر فتظن بأن هذا الشاب قروي لا يعرف غير نسب الدم وعصبية القبيلة، وهو المحب لأهله الطائع منهم والضائع. ثم يحدثك عن أعقد القضايا الإنسانية وأكثرها تشابكاً وتركيباً فيبسطها تبسيط المعلم القدير في حديث كالهمس، سهل، منساب، جزل.

 

اتصل بي حسن ذات مساء بالأيام الفائتة، وظل يحدثني، فيمتعني بالحديث إلى صباح الساعات الأولى من صباح اليوم التالي. بدأت المحادثة في حوالي العاشرة مساءً وانتهت في حوالي الواحدة من صباح اليوم التالي. وقد احتفلت بتلك المكالمة أيما احتفال، لأسباب كثيرة. منها أنها تناولت الشأن الدبلوماسي السوداني بكثير من الأسى والحزن لما آلت إليه وزارة الخارجية السودانية. ومنها أننا تناولنا تفكيك وتركيب الروابط بين وزارة الخارجية والمرافق الحكومية الأخرى، ووطني السودان برمته، ومجريات الشأن الدولي المعاصر، في نظره تحتاج إلى جهد جهيد لتفعيلها. وهذا ما لن يتأتى إلا لكوادر تعيش في صلب العصر، تفهمه وتتفاعل معه في أخذ وعطاء في توليف خلاق. يحدثك حسن عن دور وزارة الخارجية السودانية -وهي وزارة دولة أفقرها ساستها الفاسدون، وهي الغنية بشعبها وبموراده الأخلاقية والمادية التي لا تنقطع عن العطاء- في كوكب وحدته وسائل الاتصال والانتقال، فتجزم بأن حسن معلم قدير في الدبلوماسية الكوكبية لا يضارعه مضارع. ومما زاد من مقدار الأسى بيني وحسن، ونحن نتفاكر ونتوجع بالشأن السوداني، هو أن حسن يقرب للرئيس عمر البشير بالدم.

 

ولهذا سألته: ما هو شعورك حين يرتبط إسمك باسم البشير؟ فلم يجد من الإجابة ما يستحق الذكر ههنا. غير أنه تلجلج ولم تسعفه الكلمة وهو الرجل الذي لا تخنه الكلمات. وقد تلجلج لأن البشير لا يشرف أحداً. وكيف يشرف الناس من يقل في فضائية السودان -المفتوحة على كل الدنيا- أنه كذب على شعبه لتأمين ما يسميه بالثورة!!؟؟ كيف يشرف الإنسان أن يسطو إنسان على السلطة وعلى ثروة شعبه الجائع بخديعة نكراء، وهو يحكم هذا الشعب بهبل بائن وسمت راقص لا يجلله وقار، ولا تكلله أخلاق الرجال؟!

 

كيف يشرف حسن عبد السلام أن يرتبط إسمه بكاذب، ذميم الصفات؟ ثم كيف يشرف الإنسان أن يحترم إنساناً يقتل الملايين ويفصل من الخدمة عشرات الألوف، منهم قريب له تميز بنباهة العقل ونزاهة اليد وعفة اللسان-هو حسن عبد السلام- لا لسبب إلا لأنهم يدينون بدين غير دينه أو يرون رأياً غير الذي تراه زمرة الهوس في السودان؟؟!! لقد فصل حسن عبد السلام من الخدمة الدبلوماسية في أوائل عهد البشير، وهو من أكفأ الدبلوماسيين السودانيين الذين جمعتني بهم الزمالة الحقة والصداقة الحانية والوفاء الصميم.

نواصل في الحلقة القادمة.

haydar@alfikra.org

 

 

للتعليق على هذا الموضوع