6 مارس 2006

 

 

 

 

 

المفسدون في الأرض
د. حسناء القنيعير*

 

تدخل العمليات الإرهابية التي تشهدها بلادنا بين الحين والآخر في مفهوم الفساد في الأرض ذلك الذي شنَّ عليه القرآن الكريم حملة ضارية في مواضع عديدة منه، وقد ربط الفساد بالإفساد في الأرض في أكثر من ثلاثين آية، كما نفّر منه بالقول إن الله لا يحبه ولا يحب المفسدين {والله لا يحب الفساد} (البقرة 502) {والله لا يحب المفسدين}(المائدة 46). ثم جاء توكيده على ذلك الأمر باستخدام أداة التوكيد (إن) في قوله {إن الله لا يحب المفسدين} (القصص 77). ثم يواصل الخطاب القرآني حملته على الفساد بذكر جزاء المفسدين وهو الطرد من رحمة الله وسوء العاقبة {ويفسدون في الأرض أولئكلهم اللعنة ولهم سوء الدار} (الرعد 52).

 

وفي موضع آخر من سورة المائدة يؤكد القرآن الكريم على أن من ينشرون الخوف ويرهبون الناس ويدمرون الممتلكات مفسدون في الأرض ومحاربون لله ولرسوله مثبتا أشد العقوبات لهم في الدنيا والآخرة {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } (المائدة 33).

 

كل ما سبق يؤكد على عظم ما قامت به حفنة من الأشرار استولت الشياطين على عقولهم وأحكمت الإمساك بقلوبهم فلا يعون شيئاً سوى ما رسخ في اعتقادهم بأنهم يقاتلون في حرب مقدسة وأنهم جند من جنود الله، ويبررون سلوكهم بأن ما يقومون به من إرهاب لا يعد شيئا قياسا بالغاية النبيلة التي يعملون من أجلها وتبيح لهم كل ذلك التدمير والتخريب، وحين يستوطن ذلك التبرير في نفوسهم لا يعودون يرون حرمة لأي شيء لا للوطن ولا للأبرياء ولا للممتلكات! أولئك هم الذين ينطبق عليهم قوله تعالى {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم}. (البقرة 502).

 

لقد بدأ الإرهاب يأخذ منحىً خطيراً فبعد أن كان يستهدف منشآت سكنية وحكومية اتجه إلى تفجير المنشآت النفطية تلبية لتعليمات ساكني الكهوف المارق ابن لادن وقرينه الشيطان أيمن الظواهري الذي دعا منذ أمد غير بعيد إلى تفجير آبار البترول حتى لا يستولي عليه الغرب!

 

إن استهداف مجمع بقيق وهو الموقع النفطي الأضخم في العالم لو قدر له أن يتم حسب تخطيط الإرهابيين فإنه كان سينذر بكارثة اقتصادية كبيرة على الوطن . وحسب رأي أحد الخبراء أنه لو حدث هجوم متوسط الحجم فإن الإنتاج سيتقلص من معدل 6،8 ملايين برميل يومياً إلى مليون برميل فقط وإن إرهاباً من هذا النوع من شأنه أن يعطل التجارة النفطية بصورة مؤثرة لمدة قد تزيد على العامين مما يعرض اقتصاد البلاد إلى هزات كبيرة تنعكس آثارها على جميع مرافق الوطن ومشاريعه التنموية وعلى دخل المواطنين وربما أدى إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل واتساع رقعة الفقر، هذا فضلاً عن الخراب الذي سيلحق بالبيئة جراء الحرائق التي تمثل مصدراً متواصلاً للنيران والدخان والتلوث الذي يستمر فترة طويلة وإن استمر الإطفاء ومكافحة النيران، ويكون انعكاسه على الإنسان والبيئة معاً. فالمواد البترولية هي مزيج من المواد الكيميائية المسببة للحساسية والالتهابات الرئوية والجلدية، وأمراض الجهاز العصبي والهضمي، ومنها بعض المواد التي تسبب شيئاً من الخلل في الجينات الوراثية، إضافة إلى الآثار التراكمية التي قد تسبب السرطان.

 

أما في مستوى التلوث البيئي فإن اشتعال آبار البترول يولد سحابة سوداء هائلة من الأدخنة التي تتركب من ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والهيدروجين والكربونات المعلقة وكميات هائلة من المواد المتطايرة، ويصل التلوث البيئي إلى ملايين الأطنان من مركبات الألدهيدات والبنزين وأول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والكبريت والمواد الأخرى الضارة، ونظراً لارتفاع نسبة الرطوبة في منطقة

الخليج فإن ذلك يساعد على سقوط أمطار بها جزيئات الهيدروكربونات التي تعرف بـ(المطرالأسود) أو (المطر الحامضي) وهذا يؤثر على البيئة النباتية والمياه السطحية ومياه البحار وما فيها من الأحياء البحرية والثروة السمكية، إضافة إلى أن الانفجارات التي تحدث تنتج مواد مثيرة للعواصف الرملية تتحد كيميائياً مع الغازات البترولية الناتجة عن الحرائق الأمر الذي يؤدي إلى آثار مدمرة على المناخ ليس في شبه الجزيرة العربية فحسب بل يمتد إلى الهند والمناطق المجاورة الأخرى، كما أن الحرارة الناتجة عن حرق الآبار تخلق نظام ضغط عالٍ جداً يغير حتماً اتجاه الرياح الموسمية المصحوبة بالأمطار الغزيرة جنوباً عكس مسارها الطبيعي وكل هذه الإضطرابات والتغيرات تؤدي إلى تغير المناخ محدثة كوارث هائلة وتغير اتجاه الأمطار بالذات في المناطق التي فيها نقص في الإمداد الغذائي مما يؤدي إلى المجاعة مثل ما يحدث في المناطق الإفريقية.

 

هذا باختصار شديد أبرز جوانب الكارثة التي كان يمكن لا قدر الله أن تصيب بلادنا من النواحي الاقتصادية والبيئية والصحية لو نجح الإرهابيون فيما سعوا إليه. إن السؤال الذي يطرح هنا وبقوة هو: كيف يمكن لإنسان مسلم أن يقدم على عمل له كل هذه الآثار المدمرة على الوطن ومواطنيه؟ وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم جرّد القاتل من الإيمان فيما يروى عنه (والله لا يقتل القاتل وهو مؤمن) فماذا يمكن أن يكون من يقدم على قتل آلاف من الناس الأبرياء سواء من كان يعمل في تلك المنشآت أو من يقدر له الموت لاحقا جراء التلوث البيئي والأمراض التي تترتب عليه، وتدمير اقتصاد الوطن بتفجير منطقة نفطية يمثل إنتاجها ثلثي إنتاج الوطن النفطي بطنين من

المتفجرات، ذلك الإنتاج الذي يعد ثروة هائلة للوطن والمواطنين وسببا من أسباب ما ننعم به من رخاء لهذا يلجأ الإرهابيون إلى تجنيد الصغار الذين يسهل قيادهم بالسيطرة على عقولهم.

 

إن الأزمة التي تعيشها بلادنا هي أزمة عقول في المقام الأول، فالسياسة التعليمية التي انتهجت طوال العقود الماضية أفرزت عقولا جامدة متحجرة منقادة للآخر الذي يكيفها حسبما يريد ويفرض وصايته عليها ولا يسمح لها بالانعتاق عما يرسمه لها، لأن المنهج التعليمي قام على التلقين والحفظ الببغائي وألغى دور العقل الذي يناقش ويتساءل ويفكر ويحلل وينقد، إضافة إلى نمو ثقافة التطرف والعمل الحزبي المنظم الذي لبس لباس الدين واستطاع من خلاله تمرير كثير من المقولات الإرهابية وتفخيخ عقول الشباب بدعاوى باطلة فيها كثير من الاجتراء على الدين والوطن والمواطنين {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون}! والترويج للأكاذيب التي تنزل

الإرهابيين منزلة تعلو منزلة البشر كقولهم عن الهالك المقرن ان جثته ينبعث منها كرائحة المسك والآخر الذي ذكروا أن ابتسامة الرضا تعلو وجهه وذلك الذي ذكروا أن جثته لم تتحلل على الرغم من مرور أكثر من شهر على قتله، ساعد هذا الأسلوب على انزلاق بعض الصغار إلى أتون الإرهاب وجحيم الإرهابيين، وصار تفخيخ السيارات وتدمير المنشآت وقتل الأبرياء يحدث بسهولة تماثل السهولة التي يمارس بها الإنسان العاقل شؤون يومه.

 

ما زال رجال الأمن يتصدون لمخططات الإرهابيين، ويخوضون منفردين معركة شرسة يدفعون ثمنها من أرواحهم ودمائهم فداء للوطن وللمواطنين الذين اكتفى بعضهم بالمشاهدة وكأن الأمر لا يعنيهم بل وكأن رحى الإرهاب تدور فوق أرض أخرى بعيدة عنهم لا يربطهم بها

أي رابط. وبعضهم الآخر ما زال يدافع عن الإرهاب ويلتمس له المبررات ويصم كل من كتب عنه وعن كبير الإرهابيين ابن لادن بالخروج عن الدين، حيث حاز ذلك المجرم مكانة في نفوسهم لا يمكن أن يزعزعها شيء لا سيما إصرارهم على مناداته بالشيخ! ومثل أولئك بعض أئمة المساجد الذين لا يذكرونه بسوء أبدا ولولا بقية من حياء أو خوف لدعوا له بالنصر والثبات، وليس أقل منهم أولئك الأئمة الذين لا يتصدون للإنكار على الإرهاب والإرهابيين إلا عندما تطلب منهم بعض الجهات الحكومية ذلك ! أما بعض متشددي التعليم الذين يُفزعون عندما يؤدي الطلاب النشيد الوطني ويتباكون على انتهاك حرمات الدين- أولئك الذين لم تستطع وزارة التربية والتعليم الأخذ على أيديهم في منعهم الطلاب من تأدية النشيد الوطني واستعانت عليهم بهيئة الرقابة والتحقيق - هؤلاء الذين يفزعهم النشيد الوطني لا يفزعهم الإرهاب ولا قتل الأبرياء بل بلغ الفجور ببعضهم أن ضايقوا المعلمين الشرفاء الذين أخذوا على عواتقهم تعرية فكر الإرهابيين وتقوية شعور الانتماء إلى الوطن لدى الطلاب، أما بعض رجال الحسبة الذين يفاجئوننا بين الحين والآخر بكشف أوكار مروجي المخدرات وصانعي الخمور وبؤر الفساد في جهد يشكرون عليه، حبذا لو ضاعفوا جهودهم وساعدوا رجال الأمن في كشف أوكار الإرهابيين الذين يتخذون من الاستراحات ورشاً لأعمالهم القذرة، فالفساد ملة واحدة!

 

في كل مرة تُحبط فيها مخططات الإرهابيين ويُكشف عن أوكارهم وما تحويه من أموال وذخيرة وعتاد حربي لا يتصور عاقل أنها أعدت بأيدي أبناء الوطن للفتك بالوطن وأهله وثرواته، يجعل المرء يتساءل عن مصادر التمويل التي يحظى بها الإرهابيون، ويتساءل بكثير من المرارة عن المحطة القادمة التي سيحط الإرهاب فيها رحاله المدمرة ؟ كما يتساءل عن دور المدرسة ودور أئمة المساجد، ودور بعض الدعاة الذين ملأوا الأرض والسماء أشرطة وكتيبات في كل شيء إلا في الكشف عن الإرهاب وأربابه وفضح أساليبه وتوعية صغار الشباب لتجنيبهم الوقوع في فخاخه.

 

ينبغي أن تتضافر جميع الجهود للحيلولة دون قيام الإرهابيين بتكرار محاولة تفجير مناطق البترول أو غيرها، وذلك بتوعية المواطنين بحجم المخاطر التي قد تحدث جراء ذلك، كما ينبغي تقوية الشعور الوطني والحس الأمني لدى الجميع صغاراً وكباراً رجالاً ونساء، بحملات مكثفة عبر وسائل الإعلام لا سيما قنوات التلفزيون ببث رسائل تحذيرية وتوعوية على مدار اليوم، كذلك تنبيه الآباء والأمهات بالتساؤل عن أبنائهم مثل هل عادوا إلى البيت ؟ أو أين يوجدون الآن ؟ ومع من ذهبوا ؟ وهي مثل تلك الرسائل التي تبثها بعض القنوات التلفزيونية الأمريكية التي تقول (الساعة الآن العاشرة مساء هل تعلم أين ابنك أو ابنتك)، طباعة ملصقات ونشرات ومطويات توزع في الشوارع والمساجد والمدارس والجامعات والأسواق والأندية الرياضية حول الإرهاب وأهمية الأمن والثروة النفطية للوطن والمواطنين، وإعداد خطاب تثقيفي يستلهم مبادئ الدين والولاء للوطن يُجند له المخلصون من المعلمين والمعلمات وأساتذة الجامعات لنشره بين الطلاب والطالبات، حث أئمة المساجد على وعظ المصلين والتأكيد على الاهتمام بأبنائهم ومعرفة من يصاحبون وبمن يلتقون وأين يذهبون.

 

هذه الجهود ينبغي أن تنهض بها وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة والإعلام ووزارة الشؤون الإسلامية لتساند ما تقوم به وزارة الداخلية في هذا المجال. فإذا كان دور وزارة الداخلية ينصرف إلى حماية المنشآت ومحاصرة الإرهابيين وإفشال مشاريعهم التدميرية والقضاء عليهم قبل أن يقدموا على ما خططوا له، فإن مسؤولية باقي الوزارات ينبغي أن تنصب على التوعية والتثقيف وحماية العقول ممن يحاول تفخيخها .

* الرياض

للتعليق على هذا الموضوع

 

"Al Shamat" <alshamat@net.sy>

Date: Mon, 6 Mar 2006 17:46:46 +0200

المشكلة كما تتفضلين هي الارهاب.

تتكلمين عن الاهال الاسلامي ولا تتكلمين عن الارهاب الصهيوني والصليبي، لماذا؟

من الذي سبب خلق هذا الارهاب الذي تتكلمين عنه؟

الكل مع أمريكا ضد الفلسطينيين والأفغان والعراقيين، لماذا؟

ألم تسمعي بأن لكل فعل رد فعل مضاد؟

أتركوا الاسلام فهو منا جميعا براء.

من الذي يستطيع أن يقول ( أو يعطيه شهادة ) بأنه مسلم والآخرين ليسوا بمسلمين؟

مثل ما أنت وغيرك يكتب على المجاهدين بأنهم أرهابيون لأنهم يحاربون أمريكا، كذلك هناك الطرف الآخر الذي يعتبركم عملاء تدافعون عن أمريكا ضد أخوتكم في الدين.

لذلك، نرجو ممن يريد أن يكتب أن يكون واقعيا ومحايدا، أما أن يرمي الاتهامات جزافا، فهذا أمر خطير ونتيجته استمرارنا بقتل بعضنا البعض وأمريكا وسيدتها اسرائيل يضحكون وهم مسرورون.

تحسين