9 يوليو 2006

 

 

 

 

 

المجدُ لكنّ يا نساءَ الكويت

د. حسناء القنيعير

 

عندما تكون المرأة مهمشة بسبب عادات وتقاليد بالية تفرض عليها البقاء بين أربعة جدران، عندما يحال بينها وممارسة دورها في الحياة العامة، عندما يراد لها أن تكون بعيدة عن صخب قضايا تمس وجودها، عندما يراد لها أن تكون خانعة تابعة لا رأي لها ولا موقف تؤمر فتطاع، عندما يراد لها أن تكون حبيسة فكر يقول لها مكانك دوما في الظل!! ستبقى هذه المرأة أبدا بعيدة عن الوعي بدورها بعيدة عن الوعي بمكانتها، بعيدة عن الوعي بإنسانيتها، بعيدة عن الوعي بأهمية الحراك النسائي في مجتمعها، عندها تصبح تلك المرأة مستسلمة تماما لعقيدة الإقصاء التي أحكمت حولها فتصير تستعذبها وتستميت في الدفاع عنها، بل تكون أول من يطالب بها عندما تلوح في الأفق علامات تنشد الخلاص مهما كان ضوءها خافتا، وأول من ينادي بإعادة إحكام الحصار وشد الوثاق ليكون عصيا على الانحلال عندما يتراءى لها أنه قد يكون مطواعا لحالات تمرد عليه قد تظهر هنا أو هناك، المرأة التي هذا حالها تستكين لخدر التغييب بل تعشقه ولا تستطيع العيش من دونه، وقد تضيع لو فكرت أن تتمرد يوما على أغلالها فتتخبط وتظل طوال عمرها لا تملك من أمر نفسها شيئا.

 

المرأة الكويتية لم تكن تلك المرأة التي استكانت فخضعت ورضيت. ظلت المرأة الكويتية تناضل أربعين عاما لتنال حقوقها السياسية، لأنها نالت كافة حقوقها الأخرى في العلم والتعلم والعمل فلقد كان المجتمع الكويتي أكثر المجتمعات الخليجية انفتاحا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، لذا فاقت قريناتها في دول الخليج العربي، التي هيمنت فيها بعض القوى على قضايا المرأة زمنا طويلا حتى باتت المرأة شأنا خاصا لتلك القوى لا ينازعها فيها أحد، والويل لمن يتعدى على هذا الاختصاص.

 

ظلت المرأة الكويتية تعاني معضلة الوجود داخل الحياة السياسية بسبب الإقصاء الذي مارسته عليها القوى المتشددة التي كان بعضها يبرر رفضه لمشاركتها بأن (المرأة لا حق سياسياً لها في الإسلام، وإنها أخذت حقها أماً ومربية أجيال) !! ولأن بعضا من رؤى الإسلام الناصعة يطالها كثير من التشويه والافتئات على الإسلام نفسه بسبب تسييس القضايا وإلباسها لبوس الدين، فإن هذا الرأي وغيره صار يمر في مجتمعنا الإسلامي مرور الكرام دون أن يواجه بأدنى اعتراض بل يجد له كثيرا من الأنصار الذين يعملون على ترويجه ليصبح في آخر المطاف حكما دينيا لا تجوز مخالفته !! وحيث إن التجربة البرلمانية الكويتية هي الأقدم والأكثر رسوخا في المنطقة، فإن عدم إعطاء المرأة حقها في الترشح والانتخاب هو النقطة الأكثر تشويها لنقاء الثوب الديموقراطي الكويتي، كما أن منع المرأة الكويتية من ممارسة حقها السياسي أمر لا يليق بتجربة الكويت الديموقراطية ولا بدورها الريادي، ولا بمكانة المرأة الكويتية التي ضربت أروع الأمثلة في الصبر على غياب الزوج أيام الغوص وممارسة دور الرجل والمرأة عند غياب الرجال في البحر، كما لا ينسجم ودورها في الكويت الحديثة، المرأة الكويتية هي الأكثر تضحية والأطول صبرا والأنصع تجربة، فكان لابد من قرار سياسي يكسر التابو الذي فرض على ممارسة المرأة حقها السياسي، وعندما أراد صاحب القرار تعديل المادة الأولى من قانون الانتخاب رقم 35 لسنة 1962 لمنح المرأة حقها السياسي وقفت تلك القوى لها بالمرصاد فعارضه 23 نائبا منهم وامتنع نائب واحد عن التصويت، لكنه حظي بموافقة 35 نائبا، إن تعديل تلك الفقرة من الدستور الكويتي لجديرة بالوقوف عندها لاستخلاص الدروس منها، ذلك أن تحالف القوى المستنيرة والليبرالية في المجتمع مع صانع القرار كفلت إعطاء المرأة حقوقها التي استماتت مطالبة بها، كما أنها تثبت أن المرأة لا تستطيع أن تكسب قضاياها العادلة دون أن يقف الرجل المؤمن بقضاياها إلى جانبها، حتى الذين حاولوا الالتفاف على حق المرأة بتحريض النساء على النكوص عن المطالبة بحقوفهن كما هو المعتاد لم يجدوا استجابة تذكر ! ولأن الحقوق تؤخذ ولا تمنح فلقد استطاعت نساء الكويت أخذها بعد نضال أربعين عاما، فهل كانت حقوق المرأة السياسية عنوانا من عناوين الاشتباك بين قوى التنوير وقوى التشدد، كما عبر الدكتور أحمد الربعي؟؟ نعم لقد كانت هذه الحقوق أحد العناوين الكبرى والبارزة لهذا الاشتباك الذي له أكثر من عنوان وأكثر من وجه وسوف يستمر هذا الاشتباك ما دام وجود المرأة في معظم أشكاله يثير حفيظة بعض المتشددين، لكن المهم هو أن المرأة الكويتية تجاوزت بهذا القرار مرحلة المطالبة بالحقوق السياسية إلى مرحلة الوعي الكبير بها وممارستها، وما لبث هذا الوعي حتى كشف عن وجوده في الحملات الانتخابية التي أدارتها المرأة بتمكن لا يقل عن تمكن الرجل الذي عاش هذه التجربة سنوات طويلة.

 

بلغ عدد المرشحات لعضوية مجلس الأمة 28 سيدة من عدد المرشحين البالغ عددهم 225 مرشحا، في حين وصل عدد الناخبات إلى 195 ألف ناخبة أي ما يعادل 57٪ مقابل عدد الناخبين من الرجال البالغ 140 ألف ناخب. بلا أدنى شك فإن المشاركة النسائية في الانتخابات الكويتية أضفت نكهة ومذاقا خاصا على الديموقراطية الكويتية التي ظلت سنوات طويلة حقا ذكوريا بامتياز، لقد تابع كثيرون في العالم التجربة الديموقراطية النسائية الكويتية الجديدة، وتلقت وسائل الإعلام العربية والعالمية هذا الحدث بكثير من الترحيب الذي ترددت أصداؤه في العالم كله وكانت محل إشادة كثيرين ممن تمنوا أن تشع هذه التجربة على دول المنطقة . خاضت المرأة الكويتية تجربتها الأولى لكنها أخفقت في الوصول إلى المجلس، هذا الإخفاق لا يقلل من أهمية التجربة ولا ريادتها، كما أنه لا يجوز أن تتحمله المرأة وحدها مترشحة وناخبة، فالتجربة جديدة ومن الظلم النظر إليها خارج سياقها الذاتي والموضوعي.

 

لقد أجمعت بعض المرشحات في حديث صحفي على أن السبب الرئيس للإخفاق هو سيطرة الموروث الثقافي والعادات والتقاليد التي تحول بين المرأة وبين طموحها السياسي وحقها في ممارسته، أخفقت المرأة لأن النساء صوتن للرجال الذين يقفون ضد حقوقهن ورضخن لسلطة الأزواج والآباء والأخوة، مما يعني أن المرأة كانت مسيرة لا مخيرة، كما لعبت الغيرة النسائية دوراً كبيراً في هذه الانتخابات، وكان التحالف الليبرالي والإسلامي كما تقول إحدى المرشحات من أهم العوامل التي تؤكد النزعة التي لا ترى في المرأة شريكا في الحياة السياسية، كما أن الخطاب السلبي في الشارع الكويتي ساهم إلى حد بعيد في عدم وصول المرأة لناخبيها.

 

أما إيجابيات خوض المرأة الكويتية هذه التجربة كما يذكرن فهي إنها كسرت التابو أمام مشاركة المرأة التي طرحت برنامجا سياسيا واقتصاديا وحتى بيئيا باقتدار لا يقل عن اقتدار الرجال الذين تمرسوا على هذا العمل، كما أن المعركة الانتخابية كسرت الحاجز النفسي أمام المترشحات لإقامة الندوات وزيارة الديوانيات لمخاطبة الناخبين.

 

إن عدم وصول المرأة الكويتية لمجلس الأمة ليس فشلا بل هو نجاح بدأ بخطوة واحدة من خطى الألف ميل التي عليها أن تكملها كتجربة رائدة ينبغي الاستفادة من سلبياتها قبل إيجابياتها. لكن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل عدم فوز المرأة ودخولها مجلس النواب دليل على أن الوعي العربي بدور المرأة لم يتغير وأن الجهل بهذا الدور وتهميشه ما زال مسيطرا على العقول التي تستميت في المحافظة على ثقافة عصور التخلف التي لا تمت للإسلام بصلة، الإسلام الذي أقر للمرأة دورا رياديا لا مثيل له، فلقد كانت المرأة من أول من دخل في الإسلام وكانت مع أول من بايع الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة وكانت مع أول المهاجرين إلى المدينة والحبشة، وكانت مع المحاربين في الغزوات، كما كانت مع أول الشهداء.

 

يرى بعض المراقبين أن ما حدث في الكويت عن إحجام الناخبين عن إيصال المرأة إلى مجلس الأمة يكشف عن أن صانع القرار في الكويت أكثر تقدماً من المعارضة وبعض أطياف المجتمع الكويتي التي ترفض مشاركة المرأة وتقف حائلا دون تمتعها بهذا الحق.

 

كما أن مواقف بعض القوى السياسية من قضايا المرأة لا تستمد فقط من مرجعيات وأطروحات وأيديولوجيات هذه القوى وإنما هناك اعتبارات أخرى تلعب دورا مهما في هذا الأمر. وفيما يتعلق بالكويت فإن الاعتبارات المتعلقة بالثقافة التقليدية المستمدة من أعراف وتقاليد ونظرة دونية للمرأة هي التي لعبت دورا حاسما في هذه القضية، وهذا ما يؤكده تصويت بعض القوى على عكس مواقفها لأن الناخبين ألزموها بذلك.

 

* السعودية

 

 للتعليق على الموضوع