12 مارس 2006

 

 

 

 (سنة أولى حوار) لم ينجح أحد!

د.حسناء القنيعير*

  

دخلت بلادنا منذ سنوات قليلة مضت تجربتها الحوارية الأولى بإنشاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، وكان الغرض من إنشائه توفير البيئة الملائمة الداعمة للحوار الوطني بين أفراد المجتمع وفئاته من الذكور والإناث، بما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على الوحدة الوطنية، وذلك من خلال الأهداف التالية:  

- تكريس الوحدة الوطنية في إطار العقيدة الإسلامية وتعميقها عن طريق الحوار الفكري الهادف.  

- الإسهام في صياغة الخطاب الإسلامي الصحيح المبني

على الوسطية والاعتدال داخل المملكة وخارجها من خلال الحوار البناء.  

- معالجة القضايا الوطنية من اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية وتربوية وغيرها وطرحها من خلال قنوات الحوار الفكري وآلياته.  

- ترسيخ مفهوم الحوار وسلوكياته في المجتمع ليصبح أسلوبا للحياة ومنهجا للتعامل مع مختلف القضايا.  

- توسيع المشاركة لأفراد المجتمع وفئاته في الحوار الوطني وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني بما يحقق العدل والمساواة وحرية التعبير في إطار الشريعة الإسلامية.  

- تفعيل الحوار الوطني بالتنسيق مع المؤسسات ذات العلاقة.  

- تعزيز قنوات الاتصال والحوار الفكري مع المؤسسات والأفراد في الخارج.  

- بلورة رؤى استراتيجية للحوار الوطني وضمان تفعيل مخرجاته.  

 

هكذا جاءت الأهداف التي نصّ عليها بيان التأسيس واضحة جلية، كما جاءت ترجمتها في توصيات اللقاء الأول التي كان منها: أهمية الحوار وسيلة للتعبير عن الرأي وأسلوبا للحياة لتحقيق التعايش من خلال منهجية شاملة تلتزم بالأصول والضوابط الشرعية، وإن الاختلاف والتنوع الفكري سنة كونية وحقيقة تاريخية لذا لا يمكن إلغاؤه وتجاوزه واعتماد منهج القرآن الكريم في الحكم على الآراء والأشياء والأشخاص بتحري الموضوعية والعدل والتعايش مع هذا الاختلاف وضبطه والتفريق بين الثوابت والاجتهادات في مجال التنوع والاختلاف.  

 

جاء الحوار الوطني ليسن سنّة جديدة لم نعتد عليها سنّة قضت (أو هكذا بدا لنا) على سنين من العزلة التي فرضت على كثير من أطياف المجتمع وأقامت أسوارا عالية ربما بين الشقيق وشقيقه والقريب وقريبه والجار وجاره والطالب وأستاذه، طالت أسوار العزلة وامتدت بامتداد السنين التي سادت فيها ثقافة الإقصاء والتشدد والتكفير. جاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني ليحطم تلك الأسوار بدعوة عدد كبير من نخب المجتمع وأطيافه المختلفة رجالا ونساء للاجتماع في مكان واحد وتحت سقف واحد وفي زمن واحد ليتحاوروا حول قضايا وطنية وسياسية ومجتمعية ملحة، كانت تلك الاجتماعات غير المعهودة دعوة في المقام الأول للاعتراف بالآخر القريب المختلف ثقافة أو فكرا أو مذهبا، فالجميع مسلمون يتفقون على كثير من القضايا الأساسية والجوهرية الثابتة التي لا مكان فيها لا للخلاف ولا للاجتهاد أما فيما يختلفون فيه فهو فكري ثقافي في بعض صوره وفي بعضها الآخر مذهبي لا يحق لأحد إلغاءه أو مصادرته.  

 

كان اجتماع النخب في لقاءات الحوار الوطني إيذانا بدخولنا عهد جديد في اللقاء مع الآخر، الآخر الذي هو نحن ونحن. وقد بدا لنا بعد خمسة لقاءات حوارية وطنية أننا ألفنا الآخر الذي هو نحن، ونجحنا في تحطيم أسوار العزلة وأقبل بعضنا على بعض يتباحثون في القضايا الوطنية الملحة التي تشغلنا جميعا كمواطنين فاعلين في وقت تواجه الوطن تحديات كثيرة وخطيرة يأتي الإرهاب على رأسها، وأننا نجحنا في إشاعة هذه الثقافة الجديدة بين أبناء المجتمع كافة فاستوعبوها وبدأت هذه الثقافة تؤتي ثمارها في الملتقيات والندوات والتجمعات، بعد أن تعهدها مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني بالرعاية والعناية، لكن الثمرة المرجوة فشلت في أول امتحان لها خارج مركز الحوار الوطني فبدت بشعة شوهاء فجة ومرّة وإذا بشعارات الحوار مع الآخر القريب تتهاوى تحت معاول الضجيج والصراخ والتشنج والتباكي على صروح الدين التي ينتهكها (الليبراليون والحداثيون والعلمانيون)!!! فأين يكمن الخلل؟ هل لأن الذين يتحاورون هم النخب الفاعلة في الوطن؟ أم لأن الأنظار تكون مركزة على كل فرد من المتحاورين مما يعني الزام من أراد الخروج على أدبيات

الحوار جملة من الضوابط التي لا تجعله محط تلك الأنظار؟ إن كان هذا صحيحا لكنه لا ينفي أيضا وجود حالات بلغ التشنج أقصاه من بعضهم على بعضهم الآخر لاسيما بعض السيدات.  

 

لقد كانت الندوات المصاحبة لمعرض الكتاب على الرغم من نجاح الفعاليات على نحو غير مسبوق في بلادنا بعد أن خرج معرض الكتاب من مظلة الجامعات التي لم تحسن يوما استثماره على النحو الذي يليق بمكانة الجامعات، كانت الندوات ساحة الامتحان الحقيقي لفعالية الحوار الوطني وانعكاسه على باقي أفراد المجتمع. كنا نتوقع أن ثقافة الحوار الوطني ترسخت وعيا وممارسة وأسلوبا لدى شرائح واسعة من المواطنين بعد أن عاشت بلادنا هذه التجربة خمس مرات متتالية، فإذا الواقع المشاهد في الندوات يخيب التوقعات بما يكشف عن خطورة المشهد الوطني وتردي الحال الثقافي الذي نعيشه مما يعني أن استمراره على هذا النحو سيولد كثيرا من الجرأة على إفساد أي محاولة للتقريب ولم الشمل وإرباكا كبيرا للقائمين على الشأن الثقافي!  

 

لن أتناول ما حدث فلقد بات الجميع على علم به، لكني أتساءل: لماذا يحدث هذا؟ ولماذا لم يُستفد من تجربة مركز الحوار الوطني؟ هل يمكن القول إن ما حدث ظاهرة صحية حتى وإن شابها كثير من التجريح والتطاول على مسؤولين كبار وغيرهم من الحضور؟ هل نستطيع أن نعزل ما حدث في الندوات عما يشيع بيننا هذه الأيام من تطاول بعض الناس على بعض؟ ولماذا صار سهلا لدى بعض المتحمسين رمي الآخر في كرامته وشرفه ووطنيته ودينه؟ ثم ماذا يمثل أولئك الثائرون؟ هل يعبرون عن أنفسهم فقط أم إنهم يمثلون تيارا كبيرا أو أشخاصا بذواتهم جاءوا للتعبير بدلا عنهم؟ هل يجوز أن تكون الندوات ساحة للمساءلة وتصفية الحسابات؟ هل يليق بنا أن تدار ندواتنا بمعية رجال الأمن الذين ملأوا المكان فيما بعد؟ لماذا كل هذا الحقد والاستعداء على الآخر القريب وكأننا في ساحة حرب؟ هل يمثل ما حدث الصورة العلنية والمباشرة للهجوم على فئات في المجتمع من كتاب ومبدعين وممثلين ومسؤولين في المنتديات والمجالس الخاصة؟ لماذا صار العنف يملك كل هذه السطوة على ألسنتنا؟  

 

أسئلة كثيرة تلح على ذهن المتابع للمشهد الثقافي والاجتماعي في بلادنا ليخرج بتصور واضح وتعليل صحيح لهذه الظاهرة التي باتت صناعة سعودية بلا منازع. فلا يوجد فيما نسمع ونقرأ عن حال يشبه حالنا في كل دول الخليج العربي المجاور لنا حيث أصبحت الريب والشكوك والاستعداء ونبذ الآخر والطعن في دينه وخلقه سمة بارزة في تعاملنا مع الآخر القريب. والمفارقة أننا أنهينا بالأمس القريب لقاء وطنيا عن نحن والآخر (البعيد المختلف دينا وثقافة) ولم يكد يجف حبر التوصيات فإذا بهوة كبيرة تفغر فاها قائلة أقيموا أولا حوارا بينكم وبين ذواتكم لتصححوا العلاقة والمفاهيم الخاطئة التي تشوبها ثم تحدثوا عن الآخر البعيد!!   

 

لا ريب أن العنف بأي أسلوب كان هو ظاهرة عدمية محضة تستند على المغالطة في وجهات النظر والإمعان في تدمير الآخر المختلف فكرا أو منهجا أو عقيدة، حيث يجد له أرضا خصبة في الذوات المغلقة على نفسها الكارهة للآخر أيا كان، وهو كما تعرفه منظمة الصحة العالمية (الاستعمال المتعمد للقوة المادية أو السلطة في شكل تهديد أو ممارسة فعلية ضد الذات أو شخص آخر أو جماعة..)  

 

إننا لا نستطيع أن نفسر ما حدث بمعزل عن الجو العام أو الأرض الحاضنة أو قوة الدافع أو المنطق الداخلي المتماسك لذلك التيار المتشدد الذي كشف عن أسلوبه ذات مواجهة مع بنات الوطن اللاتي قدن السيارات في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم وبتن مادة دسمة لفكر العنف الذي طال الشرف والأعراض والدين عبر الخطب وأشرطة الكاسيت والمطويات والكتيبات في المساجد والمدارس وحتى الجامعات وما صاحبها من حملة للتواقيع!!  

 

لا يمكن عزل ما حدث عما شاع بيننا هذه الأيام من حملات عبر الصحف والمواقع الألكترونية من تطاول على قامات وطنية لها باعها الطويل في الإنجاز الوطني الساعي إلى الكشف عن الوجه الحضاري للوطن وتقديمه للآخر في صورة غير مستنسخة عن طالبان. هؤلاء الرموز الذين أفنى بعضهم سنين طويلة من عمره في العمل الوطني ظهر من يطعن فيهم في بعض المواقع الألكترونية متمترسا خلف اسم مستعار وبعضهم كتب في موقعه الخاص وبعض آخر حمل في صحف رسمية على شريحة واسعة من المجتمع ينبغي أن تُحمّل شيئا من المسؤولية. كل هذا لا يعني سوى أن هناك رغبة في خلط الأوراق مستندة على خلفية تخريبية مقصودة بتضليل باقي أفراد المجتمع وبما يكشف عن عدم سرورها بفرص الحوار بين كافة الأطراف فتصر على العزف على وتر الاختلافات واستثمارها لغايات في نفوسها. فماذا يعني هذا العنف على الآخر الشريك في الوطن والمساوي في العقيدة؟ وهل يمكن أن يعد هذا ماركة وطنية مسجلة أم انه أزمة مجتمعية ووطنية وسلوكية الله وحده يعلم إلامَ ستؤول؟  

 

لا بد من التصدي لدراسة هذه الحالة حتى لا تصبح أنموذجا يحتذيه الجميع ويطمئن إلى ممارسته بمعزل عن المحاسبة. لا بد من تجنيد عدد من أساتذة الجامعات وعلماء الاجتماع ورجال الدين الوسطيين لدراسة هذه الحالة. لا بد من سن قواعد تكون أسلوبا للحوار في كل مناحي حياتنا وفي أنشطتنا وفيما نكتب وننشر، تلك القواعد التي أرى بعضها يتمثل في:  

- وضع مصلحة الوطن العليا والتحديات التي تواجهه في الاعتبار، فلا شيء ينبغي أن يعلو فوق الوطن.  

- عدم احتكار الحقيقة فلا حقيقة مطلقة في العلاقة مع الآخر.  

- الحيلولة دون اتخاذ العنف وسيلة للحوار والأخذ على أيدي من يستعملونه في الملتقيات والندوات، ذلك الأسلوب الذي يولد كثيرا من الالتباس في العلاقة مع الآخر القريب.  

- تنقية الأجواء من نزعتي التفوق والاستعلاء على الآخر، وعدم تمكين بعض المواطنين من السيطرة على بعضهم الآخر فلا وصاية لأحد على أحد.  

- إقامة لقاءات وطنية عبر مركز الحوار الوطني لتصحيح العلاقة مع الآخر القريب وفض كثير من صور الاشتباك المفاهيمي بين الأطراف المختلفة.  

- إشاعة ثقافة التسامح ونبذ العنف في المجتمع عبر المساجد ووسائل الإعلام والمناهج الدراسية.  

- التأكيد على ثقافة الاختلاف والتعددية الفكرية والمذهبية وجعلها من المفاهيم الراسخة في المجتمع والحيلولة دون مصادرتها تحت أي مبرر.  

ختاماً وبعد كل ما سبق هل نستطيع أن نقول إننا اجتزنا الاختبار ونجحنا في الحوار الوطني؟ أم يجوز أن نقول (سنة أولى حوار) لم ينجح أحد!!!

 

* الرياض

للتعليق على هذا الموضوع