16 يوليو 2006

 

 

 

 

 

طائـُرالفينيق*

د. حسناء القنيعير

 

 

نعترف أمام الله العادل

أنّا كنا منكِ نغار وكان جمالكِ يؤذينا

بأنّا لم ننصفك ولم نرحمك

بأنّا لم نفهمكِ ولم نعذركِ

وأهديناكِ مكان الوردة سكينا

وأنّا جرّحناكِ وأتعبناكِ

وأنّا أحرقناكِ وأبكيناكِ

وحملناكِ أيا بيروت معاصينا

يا بيروت يا ست الدنيا يا بيروت

إنّ الدنيا بعدكِ ليست تكفينا

الآن عرفنا أن جذوركِ ضاربة فينا

الآن عرفنا ماذا اقترفت أيدينا

قومي من تحت الردم كزهرة لوز في نيسان

قومي من حزنكِ إن الثورة تولد من رحم الأحزان

قومي إكراما للغابات وللأطفال وللوديان وللإنسان

*

 

 

    كلمات صاغها الشاعر الكبير نزار قباني، يعترف فيها لبيروت أمام الله وأمام التاريخ كم من جريمة ارتكبت في حقها وحق لبنان وشعب لبنان. لبنان السهل والجبل والبحر، لبنان الغابات وشجر السنديان والأرز والزيتون والكروم. لبنان الحضارة والتاريخ الذي أنجب أليسار الأميرة الفينيقية ملكة قرطاج. لبنان بعلبك وصور وجبيل ومغارة جعيتا. لبنان الثقافة والشعر والصحافة الحرة والموسيقي والغناء. لبنان  جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة والأخطل الصغير وسعيد عقل، لبنان جبران تويني وسمير قصير ومي شدياق. لبنان  فيروز والرحابنة  ووديع الصافي ومهرجانات بعلبك.

*

 

   من الذي يغار منك يا لبنان فلا ينفك زارعا الحرب والدمار في أرجائك. ماذا فعلت يا لبنان ليتحالف بعض أبنائك ضدك. لماذا يتعمد بعض سياسييك وإعلامييك الذين باعوا أنفسم للأخرين أن يرددوا مقولاتهم وأن يزيفوا وعي مواطنيك، ماذا فعلت يا لبنان ليكون قرارهم منفصلا عن قرارك، ماذا فعلت يا لبنان ليخذلوك ويهزموك. ماذا فعلت يا لبنان لتكون ساحة لحروب الآخرين، ماذا فعلت يا لبنان لتغدو بعض مناطقك مسرحا للعرائس يديره الآخرون عن بعد؟

 

    لبنان من اختار نيابة عنك ساعة الصفر، لبنان من أعلن النفير دون أن يسألك رأيك. لبنان من قرر أن تكون ساحة لحروب الآخرين وتصفية لحساباتهم مع القوى الأخرى. من يريد أن ينقض على انجازات التحرير فيعود بك إلى دائرة الدمار، من وضعك دولة وشعبا وحضارة وتاريخا في كفة وجنديين إسرائيلين في كفة أخرى، من يريد أن يجعل هذه المنطقة أتونا لحرب مجنونة؟

 

     لماذا أنت مدهش يا لبنان ليكثر حاسدوك ومبغضوك؟ لماذا أنت جميل أكثر مما ينبغي ليكثر حولك كارهو الجمال والمشوهون؟  لماذا تمتلك كل هذه القدرة على حب الحياة وغيرك  يهوى الموت عبثا؟ من أين لك هذه القوة وذلك الإصرار على العيش الرائع والبهيج؟

 

   لبنان من يريد أن يفض مجالس السمر قبل أن ينتظم عقدها فيسهر القمر وحيدا حيث لا عشاق ولا سمار في المقاهي والشرفات، من يريد أن يجبر الطيور على الرحيل قبل موسم هجرتها، من يريد أن يدخلك البيات الشتوي قصرا وأنت في قلب الوهج، من يريد أن يشوه جمال وجه بيروت، من يريد أن ينتزع خصلات شعرها الحريري الذي امتزجت فيه الشمس والنار، من يريد أن يسرق اللون الأزرق من عينيها والحمرة من وجنتيها؟

 

     لبنان لا يليق بك الحزن وأنت للتو قد خلعت ثياب الحداد، لبنان لا يليق اللون الأسود  ببياض الثلج وزرقة البحر وحمرة الكروم واخضرار المروج،  لبنان لا يليق بك  البكاء وعيناك امتزاج البحر والسماء،  لبنان لا يليق بك النحيب وأنت أغنيات ومواويل وميجنا. لبنان لا تليق بك الكآبة وأنت سيمفونية أنغام وقصائد عشق ووله. لبنان لا يليق بك الصمت وأنت من اخترع الأبجدية.لبنان لا يليق بك الظلام وأنت الخارج من رحم الشمس.

 

    كم يصعب علينا يا لبنان أن نضحك وأنت تبكي، أن نغني وأنت تنتحب، أن ننام وأنت ساهر تترقب، أن نرتاح وأنت تركض بحثا عن الأمان، يصعب علينا يا لبنان أن نفرح وأنت وحدك من يشعل الفرح في أيامنا وليالينا.

 

    لبنان يا عنوان الفرح عندما تعم الأحزان، يا زنابق ورياحين في غابات الشوك العربي، يا بلسما للجراح في عالم استوطنته العلل والأمراض، خلقت يا لبنان لتكون حرا وواحة للباحثين عن الحرية والكرامة الفارين من صحاري الهجير،  فمن لهم يا لبنان إن استسلمت لجبروت الطغاة.

 

    رائع أنت يا لبنان في تشبثك بالحياة، وأنت وحدك يا طائر الفينيق من لديه القدرة على الانبعاث من تحت الرماد فهلا عادت أليسار من مهجرها لتبنى لبنان الجديد وتحرره من الطغاة والمتجبرين والظالمين.

-------------------------.

* في رموزية الأسطورة، أنّ طائر الفينيق يمثل الشمس تموت في نهاية كل يوم، وتعودُ لتولدَ في اليوم التالي. وفي السائد منذ بدء الْخليقة، أنّ الكائنات تولد من أُخرى. إلاّ كائناً واحداً يولد من ذاته، سمّاه الأشوريون طائر الفينيق: لا يعيش على الفواكه أو الزهور بل على العطور والعنبر. حين يبلغ عمره خمسمئة سنة، يبتني عشاً في عُبّ شجرة عند أعلاها، يَجمع العنبر والطيب والْمُر واللبان، يتكوّم بينها في العُشّ ويلفظ نفَسَه الأخير بين الأطياب. ومن رماد هذا الطائر الأب، يولد فينيق صغير مرصودٌ على العيش، كما أبوه، خمسمئةَ سنةٍ أُخرى. وحين يشتدُّ جناحاه يودّع هذا العش (مكانَ ولادته ومكان موت أبيه) فيَحمل عشَّه، ويطير به، متجِّهاً الى مدينة الشمس، بعلبك، ليضعه قرباناً في معبد الشمس، بانتظار أن يأتي زمن موته، فيحترقَ ليولَدَ من رماده طائرُ فينيقٍ جديدٌ الى حياة جديدة.

 

* الرياض

 

 للتعليق على الموضوع