30 يوليو 2006





العربُ ظاهرةٌ فضائية

د. حسناء القنيعير

 

أستعيد اليوم مقولة المفكر السعودي عبدالله القصيمي رحمه الله (العرب ظاهرة صوتية) ولو كُتبت له الحياة إلى اليوم لقال ظاهرة فضائية. فحال العرب منذ ما يزيد على الخمسين عاما هي هي لم تتغير، بل زادت سوءا بسبب انتشار التقنيات الحديثة التي جعلتهم ظاهرة فضائية وفضيحة كونية، حيث تنتشر عبر الفضاء الرحب مهاتراتهم وإسفافهم وأمراضهم النفسية وعللهم العقلية، التي جعلتهم نسيجاً وحدهم في هذا الكون الواسع! فليس من أمة في الأرض يعتريها ما يعتري بعض أبناء الأمة العربية من اختلال فكري وانعدام في الرؤية السليمة واختلاط في المفاهيم، ففي كل كارثة تنزل بالأمة تزداد أمراضهم وتستفحل عللهم وتكثر خلافاتهم التي تؤكد أن لا شفاء لهم! ظاهرة بعض العرب المرضية تحتاج في هذا الزمن إلى دراسات عميقة يقوم بها علماء نفس واجتماع وسياسة وأخلاق ودين لتحليل الظاهرة المرضية وتشخيصها والبحث عن سبل علاجها.

 

أقول هذا بسبب ما راج ويروج في وسائل الإعلام والقنوات الفضائية من حرب كلامية من خلف الميكروفونات والشاشات والمكاتب الوثيرة في لندن وباريس وواشنطن ونيويورك من المحللين والخبراء السياسيين والكتاب والصحفيين العرب القومجيين عن الحالة اللبنانية والموقف الحازم الذي اتخذته بلادنا حيال الحرب، هؤلاء الذين يصرون على استمرارها ويتباهون بعدد الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ وتهديم البنى التحتية للوطن، يُجوّزون كل ذلك ويرفضون صوت العقل غير عابئين بما يدفعه لبنان من ثمن لهذه الحرب المجنونة. الشعب العربي يبحث عن أية فرصة ليهتف للزعيم ويفديه بالروح والدم ويرفع صوره في مظاهراته، ولا ينفك هذا الشارع يصب جام غضبه على الحكام العرب واصفا إياهم بالخيانة والتخاذل مطالبا بفتح الحدود التي لو فتحت لما تقدم واحد منهم. شارع ما زال يعيش على ثقافة الستينيات وشعاراتها الزائفة التي اخترعها عبد الناصر وأبواقه الإعلامية التي ظلت تخدر الشارع العربي بوهم انتصارات لم تأت أبدا، وما زالت الأمة تجني ثمارها المرة إلى يومنا هذا. هناك دوما من يشعل هذا الشارع المغيب والمغلوب على أمره، إن توق العرب للقائد والزعيم الخالد ظاهرة عجيبة تستحق الدراسة والتعمق في أسرارها وتأمل مظاهرها، فنحن الأمة الوحيدة التي كُتب عليها أن يتحكم في مصيرها حفنة من المغامرين الطائشين المتعطشين للزعامة حتى لو جاءت على برك من الدماء وتلال من الأشلاء فداء للزعيم والقائد الملهم! الأمة العربية هي الأمة الوحيدة التي كُتب عليها أن يخرج من بين ظهرانيها كل بضع سنين مغامر يقودها إلى الدمار والهلاك، ماذا فعل عبد الناصر الذي ما زلنا إلى اليوم نحصد نتائج مغامراته، وماذا فعل ياسر عرفات في الأردن وفي لبنان وساعد على إشعال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاما، وماذا فعل صدام حسين في حربين أتت على الأخضر واليابس في المنطقة، ثم جاء زمن كلّ فيه القوميون بسبب فشل مشروعهم، فتسلم زمام المغامرة الإسلامويون كابن لادن وحربه العبثية في العالم تلك التي ما زلت تدق طبولها باسم الإسلام!.

 

مرّ على المنطقة العربية مغامرون كثر مثل ترابي السودان ونحناح الجزائر وغنوشي تونس وإخوان مصر والأردن والكويت. ولا ننسى عقيد ليبيا الذي لم نسمع له صوتا في هذه الحرب وهو الذي اعتاد استغلال الأزمات العربية ليمطر العرب وابلا من حماقاته ونظرياته السخيفة. لكن سكوته مبرر هذه المرة ذلك أن حزب الله يحمله مسؤولية اختفاء الإمام موسى الصدر. كل هؤلاء المغامرين نماذج عنترية، مسكونة بهاجس الزعامة وجنون العظمة، يخوضون معارك في بلدانهم وفي العالم باسم الإسلام وباسم العروبة مستفردين بخيار الحرب والجهاد وكأنهم كل الأمة.

 

وككل أزمة عربية وما أكثر أزمات العرب، يجري البحث عن موقف ما حتى يُحمل جريرة ما يحدث. وليس هذا بمستغرب على أمة امتهن بعض أفرادها تشويه الحقائق التي لا تخدم مصالحهم ولا تتوافق مع أجندة الرافضين للمواقف العاقلة. من منا لا يذكر المواقف المتخاذلة التي صاحبت مبادرة الملك عبدالله للسلام في قمة بيروت 2002، كذلك اقتراح الشيخ زايد بتنحي صدام عن الحكم كي يجنب الشعب العراقي ويلات الحرب، وكيف أن ذلك الاقتراح لم يأخذ طريقه إلى أروقة الجامعة العربية إكراما لصدام. فلا غرابة أن يشكل الموقف السعودي في هذه الحرب صدمة للمرتزقة والتجار والمتباكين على القومية والكرامة العربية المهدورة وكأنها لم تهدر إلا اليوم!!!!

 

هذا هو حال الشعوب المأزومة تظل كالسائمة تمشي على غير هدى مستسلمة لقدرها تحت سلطة من يسلب كرامتها ويجعلها تعيش تحت قوانين الطوارئ، ويملأ بها السجون ويسحق كرامتها وإنسانيتها، فتقبل كل هذا خانعة خاضعة، وعندما تنزل بالأمة كارثة تُطلق من معاقلها لتصب جام سخطها وحقدها وغضبها على الآخر تعبيرا عن عجزها عن مواجهة واقعها،.هذا عدا ما يقوم به المرتزقة الذين باعوا ضمائرهم وعرضوا أقلامهم وحناجرهم في سوق الصراع العربي العربي الذي تعمل على تأجيجه دولة مأزومة تصدر أزماتها للخارج كي توجد لغوغائييها لعبة ينشغلون بها عن مشاكلها الداخلية، ودويلة أخرى تعاني من عقدة ضآلة الحجم وعدم السماح لها بدخول نادي الكبار فتستميت في لفت الأنظار لها كي تُدعى للدخول وتُعطى دورا حفيت أقدامها وهي تلهث بحثا عنه لكنها لا تلقى سوى التهميش والتجاهل، فتأخذ في ممارسة هواية لفت الأنظار بإنشاء قناة فضائية تستأجر لها كل مأزومي العقول وأصحاب الأمراض النفسية الذين تربوا في كنف رجال الاستخبارات البريطانية والإسرائيلية، الدولة المريضة لا يحقق طموحها إلا مرضى مثلها وقد نجحت كعادتها في خطاب متهافت يتلقاه الغوغاء من بقايا الناصرية وأحمد سعيد والبعثين العربيين، فتزيد نار الحرب اشتعالا تلك الحرب التي كلما طال أمدها زادت خسائر اللبنانيين وحدهم على كل الأصعدة فيما ينعم أولئك المحرضون الفضائيون في بيوتهم ومكاتبهم الوثيرة مستمتعين بدفء البيت والعائلة في عواصم الدول الغربية، لذلك تساءلت كاتبة لبنانية بمرارة قائلة (أين أشداق المثقفين العرب الذين يريدون مقاتلة إسرائيل؟ أم أن ذلك لا يتم إلا عبر لحمنا فقط وعبر أعصابنا؟ هل نحن بشر ونستحق الحياة؟ أم نحن مجرد حجارة تتقاذفها أرجل مصلحة أنظمة الاستبداد).

 

إن الشعب الذي يغفر للزعيم الملهم خطاياه وهزائمه، الشعب الذي يستسهل خراب الأوطان وضياعها، الشعب الذي يرفض محاسبة الزعيم على مغامراته، الشعب الذي يحول الهزيمة إلى نكسة، الشعب الذي يهتف للزعيم فيما هو يقودهم إلى التهلكة، الشعب الذي لا يراه الزعيم مستحقا لكلمة اعتذار واحدة أو اعتراف بخطأ، ليس غريبا عليه قلب الحقائق فيحول صوت العقل إلى خيانة وتفريط بحقوقه.

 

كان الموقف الحازم الذي اتخذته بلادنا حيال الأزمة في لبنان موقفا حكيما وعقلانيا وشجاعا، ولأول مرة في تاريخ السياسة السعودية لم يكن الموقف نابعا عن مجاملات لم تعد تجدي نفعا مع الذين يعترضون على كل شيء ويريدون فرض رؤاهم تصفية لحسابات خاصة وتناغما مع مواقف قبضوا أثمانها وعقد نفسية يعانون منها.

 

من أبجديات السياسة أن القيادة الواعية الحكيمة هي التي تسعى لتجنيب شعبها ويلات الحرب وتعريض أمنه ومكاسبه وانجازاته للدمار والتضحية بالأنفس البريئة، والدخول بالوطن في مغامرات نتائجها الخاسرة معروفة مسبقا، القيادة الحكيمة هي التي تعرف إمكانياتها جيدا وتعرف قدرات عدوها المتقدمة والمتفوقة فلا تزج ببلادها في معارك مدمرة.

 

لقد رعت المملكة الحالة اللبنانية دون غيرها من الحكومات العربية وعلى أرضها تمت المصالحة بين رؤساء الطوائف والأحزاب اللبنانية المتنازعة، ولم تتأخر يوما عما تراه يصب في مصلحة لبنان وشعب لبنان، فليست هي من استنزف ثروات لبنان، وليست هي من قتل زعاماته وكتابه وأحراره، وليست هي من نصّبت الشراذم قادة وأسيادا، وليست هي من جعل لبنان ساحة لتصفية حساباتها مع الآخرين، وليست هي من اعتبرت لبنان بقرة حلوبا تدر عليها الثروات فوضعت يديها عليها لتكون رهينة لنزواتها وطموحاتها، حتى أصبحت دولة بكاملها أسيرة لمطامع لا حد لها!!! والغريب أن يسهر نفر من أبناء لبنان على رعاية هذه المطامع غير عابئين بما تفرضه عليهم حقوق الوطن، هذا هو الفرق بين المملكة والدول التي تريد أن تمسك برقبة لبنان إلى الأبد، لهذا كان من الطبيعي أن تحذر المملكة من هذه الحرب، وكان من الطبيعي أن تستشعر المملكة خطورة الموقف وأن ترفض استدراج الدول العربية إلى حرب مع إسرائيل لم تستشر فيها ولم تختر وقتها، وقد أكد هذا بعض الساسة اللبنانيين بقولهم: الحرب فرضت على اللبنانيين ولا خيار لهم فيها، ولم تختر الحكومة خطف الجنديين، ولم توافق عليه وبالتأكيد هي مستهدفة ربما أكثر من أي طرف آخر من هذه الحرب.

 

الذين حاولوا تشويه الموقف السعودي ادعوا، أن القرار السعودي والمصري والأردني وفر غطاء للهجمات الإسرائيلية، وهذا محض افتراء ووسيلة يُغطي بها حجم الخسائر، وقد نشرت بعض الصحف الغربية في الأيام الماضية أن إسرائيل قد أعدت لهذه الحرب مسبقا وكانت تنتظر استفزازا لتنفذ هجومها فأوردت صحيفة (سان فرنسسيكو كرونيكال) أن ضابطا إسرائيليا ذا رتبة عالية حضر قبل سنة إلى واشنطن وقدم عرضا للخطة على شاشة خاصة بالعمليات العسكرية، وحضر العرض ديبلوماسيون أمريكيون وصحافيون ومفكرون، إذن إسرائيل لم تكن بحاجة إلى غطاء بل كانت تحتاج مغامرة تعطيها الضوء الأخضر لبدء هجومها وقد كان.

 

إضافة إلى ذلك فهناك من حاول زورا وبهتانا أن يجعل لموقف بلادنا من الأزمة منطلقات عنصرية ضد شيعة لبنان، وهو أمر بالتأكيد لا وجه له من الصحة، وقد يكون الباعث لهذا الافتراء تلك الفتوى التي لا تتناغم والقرار السياسي مما أعطى الآخرين فرصة للنيل من مواقفنا ولا سيما ما صرح به يوم الجمعة حزب الإخوان المسلمين المصري من زعمه أن تلك الفتوى تأتي انسجاما مع الموقف الرسمي، كذلك فإن الصحف الإسرائيلية سارعت إلى بثّ الفتوى واحتفلت بها، مما أعطى المتشنجين العرب فرصة لتوظيف هذه الفتوى واستغلالها لخدمة أنفسهم المسكونة بالحقد والضغينة.

لابد أن يكف بعض الشيوخ عن إطلاق الفتاوى التي لا تخدم المصلحة العليا للوطن في مثل هذه الأزمات وتتسبب في إحراج الدولة، وكم شهدت بلادنا في أزمات مماثلة فتاوى وبيانات تخرج دون استشارة صاحب القرار السياسي، فالفتوى في الأمور الدينية الخاصة بالعبادات والمعاملات شيء، والفتوى التي تطال الجوانب السياسية شيء آخر جد مختلف.

 

* كاتبة سعودية

 

 للتعليق على الموضوع