4 يونيو 2006

 

 

 

 

 

تحالف سلطتين

د. حسناء القنيعير*

 

إن المتأمل لما تموج به ساحتنا المجتمعية والثقافية في هذه الأيام ليراع من حجم العنف الذي تلبّس به الخطاب المقصي للآخر الرافض لأي تحديث المرتعش من فكرة التغيير الرامي غيره بتهم الفساد والإفساد والتآمر على الدين وعلى الوطن والعمالة للغرب المسمي فئة من المواطنين بالعصابة! تأتي على رأس تلك الحملات والبيانات الحملة التي شُنت على قرار إحلال النساء محل العمالة الوافدة من الرجال في محلات اللوازم النسائية الخاصة، ومن يتأمل لغة الخطاب المناوئ لذلك القرار يظن أننا والعياذ بالله بإزاء فتح ملاهٍ ليلية لتعمل فيها النساء!!

 

في داخل هذا التحرك العارم الذي جُندت له جماعات وحشود احتلت منابر خاصة وأخذ بعض الكتاب والكاتبات على عواتقهم بثّ خطاب متشنج عالي النبرة دفاعاً عن أمر محدد وهو كرامة المرأة وعفتها، جرى توظيف عمل المرأة توظيفاً دينياً يكشف عن تحالف بعض القوى الدينية المؤثرة مع بعض القوى الاقتصادية التي ما فتئت تقاتل بكل ما تملك وما لا تملك وبما هو مشروع وما هو غير مشروع للحيلولة دون سعودة الوظائف، مما يجعل هذا التحالف من أخطر المؤشرات التي ينبغي التنبه لها.

 

إن التحرك الذي سار في اتجاهات عدة يشي بقدرة المال على توجيه دفة السفينة لصالحه، فكم من أصحاب أموال ظهروا في الآونة الأخيرة على الوسائل الإعلامية محذرين من خراب الأخلاق وشيوع الفساد وهدم معاقل الفضيلة إذا ما عملت النساء في محلات بيع المستلزمات النسائية، وهم في الحين نفسه إنما يدافعون عن مصالحهم ضد المواطنين والمواطنات الذين ينتظرون أن يحلوا محل العمالة الأجنبية، إن زيارة واحدة لشركات أولئك الناعقين ومصانعهم تكفي لكشف زيف ادعائهم الذي يبدو في أعداد الأجانب الكبيرة الذين يديرون أعمالاً لا تحتاج مهارة ولا كثير خبرة؛ لكنه العقوق الذي أصاب هؤلاء فصار مرضاً يصعب برؤه.

 

لقد تحالف الديني مع الاقتصادي في الحملة ضد تشغيل النساء في محلات اللوازم النسائية كل حسب تماسه به، فالديني يرى كل تغيير خروجاً عن حياض الدين وخرقاً لثوابته، والاقتصادي يرفضه لأنه يغير حساباته ويدفع به إلى تقديم تنازلات للوطن هو غير مستعدٍ لها وغير مجبر عليها، بل لا يريدها لأنه اعتاد الأخذ دون العطاء وهو حين لا يستطيع أن يعلن ذلك صراحة يأخذ في اختراع الحجج التي

تعطل تفعيل قرارات السعودة، تلك الحجج التي لا يستحي من التواري خلفها، أما في محلات اللوازم النسائية فلم تعجزه الحيلة فالوضع بالنسبة إليه سهل لتعلقه بالمرأة، لهذا سرعان ما احتمى بسلطة الدين كي يستمد منه الأمان والاستقواء على صانعي القرار، ففي التاريخ القديم والحديث كان بعض الناس يمتطون صهوة الدين لتحقيق مآرب خاصة بهم وهذه المآرب لا يكتشفها صاحب القرار إلا بعد حين وقد

لا يكتشفها!.

 

إن الواقع المشاهد يكشف زيف الادعاء بأن عمل المرأة في تلك المحلات يعد انتهاكا للدين والأخلاق! وكأن تلك المحلات تقع في أطراف الصحراء وليس داخل المدن في مجمعات راقية ترتادها النساء والرجال والأسر على مدار اليوم، وهم عندما يتباكون على الأخلاق يتناسون حاجة كثير من الفتيات للمال كي يعشن وينفقن على أنفسهن وربما على أسرهن، لكن ذلك لا يعني لهم شيئا ما دامت بناتهم وزوجاتهم بمنأى عن الحاجة لعمل يقتتن منه، كما يغضون الطرف عما تتعرض له النساء كافة في تلك المحلات من البائع الرجل الذي تحكي له عن حاجتها لمستلزمات تتعلق بأخص خصوصياتها، وربما تتعرض للحرج نفسه لو كان أبوها أو شقيقها بصحبتها، ناهيك عن الكلمات التي يستعملها البائع بين يدي الترويج لبضاعته، فهذا قماشه ناعم وذلك ينساب على الجسم، وتلك حريرية الملمس، وهذا مقاسه مناسب للحجم كذا، وذاك لونه يناسب هذه المناسبة أو تلك، وغير ذلك من العبارات التي تخدش حياء المرأة، وما خفي كان أعظم (يحكى أن بعض الباعة يروجون لأنواع خاصة من تلك الملابس بعضها بطعم الشيكولاته وآخر بطعم الفراولة! وقد يضيفون لاحقا طعم الجريش والقرصان ليتناسب مع خصوصيتنا الخاصة جدا).

 

إن بيع الملابس النسائية من قبل الرجال يحدث عندنا فقط، حتى بات خصوصية تضاف إلى خصوصياتنا الكثيرة، حتى الدول الغربية وأكثرها تحررا لا تفعل هذا. فكل محلات بيع اللوازم النسائية من أرقى الماركات التجارية المعروفة إلى أدنى أنواعها لا يتولى بيعها سوى النساء. لكن كل هذا لا يعد شيئا لدى الرافضين للقرار، المهم هو ألا تبيع المرأة في تلك المحلات، بل ويسوقون حلولا تعجيزية ويدعون إليها بقوة كإقامة أسواق ومجمعات تجارية خاصة بالمرأة وهو الأمر الذي لم يثبت نجاحه إلا في شكل نادر ومحدود، إضافة إلى كونه حلا غير عملي أثبت فشله في تخصيص مستشفيات وعيادات. وربما قادهم هذا التصور إلى الدعوة إلى تقسيم المدن والأحياء، ولا ننسى ذلك الذي دعا إلى إقامة جسور عليا تستعملها النساء فيما إذا سمح لهن بالقيادةز وقد كان هذا الطرح كريما جدا حيث خصص الأدوار العليا ولم يقل تحت الأرض، فلقد اعتادت المرأة أن تدخل وتخرج فيما إذا سمح لها من الأبواب الخلفية وترتقي سلالم الطوارىء والخدم كما يحدث في مكتبة جامعة كبيرة لا يرتادها الرجال يوم مجيء المرأة ومع هذا لا يسمح لها إلا بما ينبغي لها!!! كما لم يخلُ هذا الأمر من نغمة تهكم تقول إنه على صانعي القرار إيجاد فرص عمل للشباب؛ لأنهم أولى من النساء قبل التفكير في إيجاد فرص عمل لهن. وهم بهذا الطرح يتجاهلون مسؤولية النساء وتولي الكثيرات منهن إعالة أسر وإخوة وأخوات، كما يبالغون في التنفير من هذا الأمر كما قال أحدهم في قناة

فضائية إن ذلك سيجعل المرأة تسلم على جارها البائع في المحل المجاور لمحلها مما يرفع الكلفة بينهما، ولم يبق إلا أن يقول سيدعو أحدهما الآخر لتناول الإفطار وشرب القهوة معا!!! يقول هذا ولدينا عدد من المحلات النسائية المغلقة التي تديرها النساء ولا يدخلها إلا النساء وتقع بجانب محلات يديرها رجال ولم يحدث أن اختلط هؤلاء بأولئك وهذه المحلات يقع بعضها في منطقة العليا في مراكز تجارية

معروفة ناهيك عن أعدادها الكبيرة في جدة وبعض مدن الشرقية. لقد اعتاد هؤلاء تهويل الأمور وافتراض وقائع قد لا تحدث وإن حدثت فلا تشكل ظاهرة ولا تستدعي دق جرس الإنذار، لكنه الخوف من الجديد الآتي لا محالة!! حكت لي سيدة فاضلة تجاوزت الستين من عمرها غضبها من عدم سماح والدها لها بالالتحاق بالمدرسة عندما فتحتمدارس البنات؛ لأن أحدهم ألقى في روعه أنها لو تعلمت القراءة والكتابة

فإنها ستقرأ كتب المجون وسوف تكتب رسائل لأبناء الجيران، وكان ذلك التهويل سببا في منعها من الذهاب إلى المدرسة مع من ذهب من بنات الأهل والجيران.

 

هؤلاء هم المرجفون الذين يزيفون وعي المجتمع ويغيرون قناعاته ويؤثرون في قراراته ويزعزعون ثقته بالمرأة ولن تقوم للمرأة قائمة في بلادنا إذا استمر هذا الخطاب في الهيمنة على كل ما يخص المرأة وفرض وصايته عليها.

 

الطرفان اللذان أعلنا النفير ودقا طبول الحرب دفاعا عن كرامة المرأة التي يزعمان انتهاكها، لم نسمع لهما صوتا من قبل للتحذير مما يترصد أمن الوطن من ممارسات تقوم بها العمالة الوافدة النظامية والمخالفة لنظام الإقامة وتلك التي يتّجرُ بها ضعاف النفوس من المواطنين من أعمال تهدد السلم الاجتماعي والأمن الوطني من عصابات منظمة للسرقة والنهب والتزوير وتصنيع الخمور، وترويج

المخدرات، وإقامة بيوت الدعارة، وإيواء الخادمات الهاربات وقطع الطريق، والقتل واقتحام بيوت الآمنين والاغتصاب وبيع الأغذية الفاسدة والمنتهية الصلاحية وبيع لحوم الحيوانات النافقة وغير ذلك مما تعلنه الصحف على نحو يومي. فأين تحالف هؤلاء ضد هذه الآفات التي لم تشهدها بلادنا من قبل؟ ألا يدخل هذا في حيز الدين الذي حذر من الفساد والمفسدين؟ لمَ لم نسمع خطيبا واحدا يحذر من تلك الجرائم مثل ذلك الذي لم يتوانَ عن القول إن إعطاء المرأة حقوقها المشروعة لا يكون عن طريق الإثم والاختلاط! نقول لهذا أين الإثم في عمل كهذا؟ والإثم كما جاء في لسان العرب (الذنب، وقيل: هو أن يعمل ما لا يحل له) كما جاء أوضح تعريف له في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس). كما جاءت الفواحش معطوفة على كبائر الإثم في قوله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} 32 النجم، فهل يعدّ ذلك الخطيب عمل المرأة في هذه المحلات ذنبا، وهل سبق لصناع القرار في بلادنا أن أقروا أمرا يتعارض مع تعاليم القرآن والسنة الصحيحة على نحو صارخ؟ أو ليست النساء تبيع في الماضي وإلى يومنا هذا في أماكن يرتادها الصالح والطالح، فلماذا لم يعترضوا؟

 

ألأن القرار صدر من وزارة العمل؟ ثم ألا تختلط المرأة في الشارع وفي المطاعم وفي الأسواق وفي المستشفيات وفي الحدائق العامة؟ فلماذا الإصرار على حصر الاختلاط في عمل المرأة في هذه المحلات؟ ثم ألا يلامس هذا الانفلات الأمني للعمالة الوافدة اهتمام رجال الأعمال المتباكين على عمل المرأة والرافضين لقرارات السعودة؟ أوليس الأمن أهم ركيزة من ركائز الاستقرار الذي ينعكس على

الاقتصاد قبل كل شيء؟

 

إن بذل التنازلات لرجال الأعمال سيجعلهم يتمادون في التمرد على قرارات السعودة، والله وحده يعلم ما السلاح الذي سيشهرونه في المرات القادمة بعد أن استعملوا سلاح الدين وقبله سلاح التهديد بنقل أعمالهم إلى دول الخليج. إن سلطة المال سلاح فاتك تتهاوى أمامه كل الأسلحة.

 

تلك الحملة وذاك التحالف يحملان في طياتهما خطرا محدقا بكل ما نرومه من تقدم وتطور لن يكون يوما ضد قواعد الدين وثوابته الصحيحة، لكنه أمر محتم في الحراك المجتمعي العصري، ولعل أبرز صور الخطر ذلك الشحن والتهويل والتضخيم وكأن بلادنا مقبلة على حربز كذلك الحملة المنظمة وغير الشريفة على صانعي القرار الذين ليسوا بالتأكيد فردا واحدا بل نخبة من مسؤولي الدولة ممثلا في مجلس الوزراء مما يعني قدرة البعض على التطاول على كل الرموز الوطنية دون خجل أو حياء وذلك عبر بعض الصحف والقنوات الفضائية والمواقع الألكترونية!!

 

أخيرا إن ما حدث ليس سوى تفتيت للحُمة الوطنية وبعثرة للجهود وخلط للأوراق وإرباك للقيادة وتعطيل لعجلة التحديث والتطوير.

( عن جريدة "الرياض" السعودية )

 

مواضيع ذات صلة:

 

لطيفة الشعلان: "لما جت الحزينة تفرح ملقتشي لها مطرح"

 

 

للتعليق على الموضوع